تاجرُ موغادور: الفصل السادس 3

دلور ميقري
dilor7@hotmail.com

2019 / 2 / 23

منذ زمن الجد الأول، " مسيو كورنو "، كان المنزل يستقبل المدعوين للحفلات في بعض المناسبات. وبرغم إعلان المونسنيور الفرنسيّ إسلامه، بعيد حلوله في موغادور ومن ثمّ حصوله على منزل رفيع الشأن، يقع بين مسجد القصبة وقصر السلطان؛ برغم ذلك، فإن هذا لم يمنعه من إحياء حفلات عيديّ الميلاد ورأس السنة، المسيحيين. عمارة المنزل، المهجَّنة، كأنما كانت متواطئة مع ازدواجية صاحبه. إذ جمعت عمارته، في آنٍ معاً، صفَتَيّ الرياض المغربيّ والفيللا الأوروبية. كانت القاعة المخصصة للحفلات تقع في الدور الثاني، وهيَ مكونة أساساً من صالتين يفصل بينهما باب عريض. وكان الباب مزدوجاً بدَوره، زجاجه الشفاف يجعل الصالتين كما لو أنهما قاعة واحدة. الصالة الأولى، المشكلة معظم مساحة الدور الثاني والمتصلة بسلم حجريّ مع الدورين الأرضيّ والعلويّ، كانت مخصصة للرقص ولعب الورق والمسامرة. بينما الصالة الأخرى، الداخلية والأصغر حجماً، كانت تحتفي بطاولة الولائم وتمتد عرضياً مثل ذلك الباب الزجاجيّ الشفاف.
جاء المدعوون بثياب السهرة، وكانوا بغالبيتهم من الأوروبيين، حيث وقف القبطان يستقبلهم عند ردهة مدخل المنزل، المضاء بقنديل كبير يشتعل بالكاز. بينما امرأته، المقام الحفل لمناسبة تحريرها من الأسر، جلست في الصالة العلوية وراء بيانو كبير الحجم، يحتل جانباً من مكانٍ حُدد للرقص بعلامة نجمة ثمانية مرسومة على الأرضية المشغولة من الخشب الصقيل. وكانت تمرر بمهارة أناملها الجميلة على المعازف البيضاء والسوداء، فيصدر منها ألحانٌ هادئة تعيد أولئك المدعوين النصارى إلى ذكرياتهم في القارة العجوز. كونه حفل عشاء، فإن الحضور لزموا الكراسي المخصصة لطاولة اللعب بالورق أو توقفوا على شكل حلقات يتبادلون الأحاديث.
" شرفتما الدارَ "، خاطبَ المضيفُ كلاً من الرابي والتاجر الدمشقيّ. هذا الأخير، كان قد ارتأى المكوث لدى صديقه لحين موعد الحفل. ولقد برر ذلك لامرأة القبطان، لما تقابل معها في الصالة. تحت نظرات عينيها، المعبرة عن العتب لعدم حضوره على الغداء، قال لها بصوت عال محاولاً اختراق جلبة موسيقا البيانو: " فعلتُ ذلك من أجلكم، كي أبدو ضيفاً من ضيوفكم أمام أعين جواسيس المخزن "
" بل إنك سببتَ لنا القلق، وكدنا أن نبعث أحد الخدم إلى منزل الرابي للسؤال عنك "، ردت أيضاً بصوت مرتفع. ثم أردفت تسأله ساخرةً، بعدما وقفت وكفت عن العزف: " ثم أيّ جواسيس لدينا، يا عزيزي؟ ". أجابها مبتسماً: " نفس الكلام قلته لي، أمس عند مرورنا بطريق القصبة! ". وإنما في اللحظة التالية، وقبل أن يتسنى للمضيفة التعليق على قول صديقها، ظهرَ رأسُ " بوعزة " من فوق كتف تاجر السلطان. فانفجر الصديقان بالضحك لهذه المصادفة الطريفة، ما لفت إليهما أنظار المدعوين. وهذا تاجرُ السلطان، يتقدم من سيّدة الدار، فيرفع يدها الجميلة إلى شفتيه قائلاً: " يسرني، يا عزيزتي، أن أراكِ بأحسن حال "
" لستُ بأحسن حال، يا عزيزي، أتدري لِمَ؟ لأنه يسوؤني أن تصطحبَ ذلك الشخص الوضيع، وأنتَ الرجل المحترم والرفيع المقام "، قالتها وهيَ تومئ بعينيها إلى ناحية الربّان. وكان مبعث انزعاجها، ليسَ حضوره بلا دعوة، وإنما لاختفائه عندما كانت في الطريق من معسكر القبائل بصحبة " جانكو ". هذا الأخير، كان آنذاك قد شك بأمر الربان وأنه ربما قد يكون وضع نفسه بخدمة " التيناوي " بعدما كشف هذا شخصيته بشكل من الأشكال.
وإذاً، هتفَ تاجر السلطان بلا وعي رداً على شكوى معبودته الفرنسية: " ولكنّ بوعزة.. ". ثم سكتَ دون أن يكمل جملته. مع ذلك، أدركت المضيفة ما أراد قوله. فاشتعل حنقها على الربّان بصورة أكبر، بالأخص لأنها تعذر عليها التعبير عنه بالكلام وذلك حرصاً على شخص صديقها، التاجر الدمشقيّ. وكان " كره كوز " عندئذٍ يمسح بمنديل معطّر قطراتِ العرق، المتصببة من رأسه الأصلع. واعتقد من صمت السيّدة الفرنسية أنها لم تنتبه لزلة لسانه، فابتدأ يحاول التذاكي بالاستطراد: " ولكنه شخص مخلص.. "
" دعنا منه، وأخبرني الآن عن السيّد الآخر، الذي جاء في معيتك؟ "، قالتها مقاطعة كلامه. عادت عيناه تبرقان بالمكر، فدس منديله بجيب سترته الفراك ليجيب وقد اطمأن خاطره: " آه، تقصدين مستر مائير؟ إنه ابن عم صديقنا الرابي، وكان قد عاد من لندن خلال غيابك. جاء لكي ينقذ منزل أبيه من البيع في المزاد، ولكنه فوجئ بأن ابن عمه دبّر الأمرَ مع المخزن. لقد وقعت الثمرة في فمه دون أن يبذل أي جهد، مثلما يحصل في جنّة المسلمين! "
" أتمنى ألا تكون الثمرة ملوثة بسم الحيّة الشيطانية، حال تفاحة أبينا آدم "، ردّت بنبرة ساخرة. ثم استدركت، طالبة منه أن يقدّم إليها الضيف. وما لبث تاجرً السلطان أن هرع لتنفيذ الأمر، فعاد إلى موقف المضيفة وهوَ مصطحبٌ الشاب. بعدما تعارفت معه السيّدة الفرنسية، مستعملة اللهجة المحلية كعادتها، فإنها لم تلبث أن قدمته لضيفها التاجر الدمشقيّ: " هذا مائير، ابن عم الرابي، وأظنك سمعت بخبر قدومه للمدينة؟ "
" نعم، ويشرفني أن أتعرف على السيّد "، ردّ فيما كان يحني رأسه للرجل. وكان هذا شاباً أنيقاً، وسيم الملامح، متحفظاً وبارداً شأن مواطنيه الإنكليز. إلا أن نظراته للمضيفة كانت ساخنة، متفحصة لمكامن الإثارة في جسدها الرشيق، المكتسي بثوب طويل من الساتان الرقيق والسماويّ اللون. طفق " جانكو " يراقب عن كثب ذلك الغندور، وقد أحنقه بنظراته المسلطة على المضيفة. إلى أن ابتعد هذا، عائداً أدراجه مع تاجر السلطان إلى حيث مناضد اللعب بالورق. عند ذلك بحث تاجرنا الدمشقيّ بعينيه عن صديقه الرابي، ناقلاً نظراته في أرجاء الصالة وكانت قد امتلأت الآنَ بالمدعوين نساءً ورجالاً. إلى أن عثر عليه وكان قريباً من باب الصالة العريض، المفتوح على الصالة الصغيرة المخصصة لوليمة العشاء. فيما كان يهمّ بالتحرك نحوه، إذا بالمضيفة تتقدم إليه وهيَ تحمل كأساً مترعاً بالشراب: " إنه كوكتيل من الكامباري مع عصير الكريفون، مفيدٌ للعطش في هذه الأمسية الحارة "، قالت له وهيَ تناوله الكأسَ. تبادلت معه بضعة كلمات، مشددة على أمر استضافته في منزلها لعدة أيام تبدأ منذ الليلة.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن