فلسفة التاريخ في نجدة مستقبلنا

رابح لونيسي
lounici.rabah2008@yahoo.fr

2019 / 2 / 13

عرفت أوروبا منذ القرن 19م علما جديد مهما عرف بفلسفة التاريخ، يبحث عن محرك التاريخ وعن أسباب قيام الحضارات وسقوطها، كما يمكن له أيضا البحث في القوانين الإجتماعية والسياسية بعد إستخلاصها من التاريخ البشري، فهذا الأخير هو الذي سمح بنشأة علم جديد اليوم هو "علم المستقبليات" الذي يمكن له إستشراف المستقبل، ووضع كل السيناريوهات وتحضير الحلول لها قبل وقوع أي مشاكل، كما يساعد على معرفة مستقبل أي مجتمع أو دولة عند توفر ظروف محددة، وذلك بناء على قوانين إجتماعية شبيهة بقوانين العلوم الطبيعية والفيزيائية وغيرها، صحيح أن علم المستقبليات لم يتطور بشكل كبير غلى حد اليوم، لأنه يحتاج إلى غستخراج وتثبيت ومعرفة دقيقة لقوانين المجتمعات المستمدة من التاريخ البشري.
ما يؤسف له لازالت منطقتنا متخلفة في ذلك، ولم تعرف فيه إلى حد اليوم بحوثا جادة في هذا الموضوع باستثناء ابن خلدون الذي بحث في عملية ظهور وسقوط الدول، وكذلك مالك بن نبي في سلسلة كتبه حول مشكلة الحضارة، خاصة كتابه "شروط النهضة"، بالإضافة إلى بعض الأبحاث المتواضعة التي ظهرت أثناء الحرب الباردة تحاول التأسيس لفلسفة التاريخ انطلاقا من القرآن الكريم، ويأتي على رأسهم عماد الدين خليل في كتابه "فلسفة التاريخ في الإسلام"، وفعل نفس الأمر العراقي محمد باقرالصدر في كتابه "فلسفتنا"، لكن هذه المحاولات هي مجرد إنعكاس للصراعات الفكرية والأيديولوجية التي عرفها العالم في القرن 20، خاصة بين الشيوعية والرأسمالية، ففي هذه الفترة نجد الكثير من كتابات مفكرين إسلاميين يتطرقون إلى نفس مواضيع هاتين الأيديولوجيتين محاولين إيجاد مكانة لما يعتبرونها "أيديولوجية إسلامية"، لكن التعمق في هذه الكتابات يبين لنا بأنها مجرد تأويلات لنصوص دينية تحمل الفكرة ونقيضها، فيمكن الإثبات مثلا أن الإسلام "إشتراكي" آنذاك، كما يمكن الإثبات أنه "رأسمالي وليبيرالي" اليوم، فهي تأويلات تخضع للأيديولوجية المسيطرة عالميا، لكن هذا لم يمنع القرآن الكريم من إرشاد المسلمين في أمر عام منه إلى البحث العلمي حول القوانين التي تسير المجتمعات أو ما سماها ب"السنن"، ويسميها آخرون "فقه السنن"، ويسميها الأوروبيون ب"فلسفة التاريخ" بقوله تعالى""قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذبين" [آل عمران 13]، فهي دعوة عامة فقط إلى البحث في فلسفة التاريخ، ولهذا يمكن لنا تبني أي نظرية من نظريات فلسفة التاريخ أو إكتشاف نظريات أخرى بناء على عقلنا وقدراتنا البحثية لا غير، طبعا أن فلسفة التاريخ أو إكتشاف قوانين حركة التاريخ مهمة جدا في حياتنا لأننا بإكتشافها ومعرفتها تسمح لنا بتجنب الكثير من الأخطاء القاتلة للأمم، بالإضافة إلى معرفة حركة التاريخ واتجاهه، فنتحكم فيها، وكذلك معرفة القواعد الصحيحة للبناء واستخراج مناهج التغيير والتطوير الملائمة لكل بيئة وفترة.
ومن أهم نظريات فلسفة التاريخ في أوروبا، نجد الجدلية أو الديالكتيكية المادية لماركس والمثالية لهيغل، فهذه الأخيرة تقول بأن التاريخ يحركه تناقض الأفكار، فهيغل يرى أن كل فترة أو مرحلة لها فكرتها الأساسية التي تنمو إلى الحد الأقصى فيتولد منها أضدادها (الأطروحة وضد الأطروحة) التي تتصارع فيما بينها حتى تتولد منهما فكرة جديدة أعلى، والتي تطور بدورها المجتمع إلى الأفضل، ثم تظهر التناقضات الفكرية من جديد وهلم جرا، لكن توقف هيغل عند مبادئ الثورة الفرنسية، واعتبرها الفكرة المطلقة ونهاية التاريخ، وهو نفس ما كرره الأمريكي ذو الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" في بداية الألفية الثالثة قائلا بالإنتصار النهائي للبيرالية بشقيها الديمقراطي والرأسمالينوأن الإنسان عاجز على إنتاج نظريات ونظم تفوقها مستقبلا، أي نهاية التاريخ على مستوى الأفكار والنظم والأيديولوجيات، ولو أنه يبدو قد تراجع عن بعض طروحاته في السنوات الأخيرة.
انتقد كارل ماركس الجدلية المثالية لهيغل، واعتبرها تمشي على رأسها بدل قدميها، فقال إذا كان هيغل يعتقد أن "حركة الفكر التي يجسدها باسم الفكرة هي مبدعة الواقعة الذي ليس هو سوى الصورة الظاهرية للفكرة، أما أنا فاعتقد العكس، وهو أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس لحركة الواقع، وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان". ويعتبر ماركس أن التناقضات الطبقية هي محركة التاريخ، وليست تناقضات الأفكار، فإن تطور قوى الإنتاج يؤدي بدوره إلى تطور علاقات الإنتاج، فمادامت قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج هي البنية التحتية للمجتمع، فكلما تغيرت أثرت في البنية الفوقية للمجتمع، وهي المتمثلة في الأخلاق والسلوك والدين والقانون وشكل الدولة...و غيرها مما يكون في خدمة الطبقة المستَغِلة، ثم بتطور قوى الإنتاج تثور الطبقة المستغَّلَة ضد علاقات الإنتاج السائدة، فتتغير لتتلائم مع قوى الإنتاج الجديدة، فتؤثر بدوره في البنية الفوقية "فالبشر إذ يطورون إنتاجهم المادي وعلاقاتهم المادية هم الذين يحولون فكرهم ومنتجات فكرهم على السواء مع هذا الواقع الذي هو خاصتهم"، فإذا كان هيغل يرى أن التغيير يبدأ من تغيير الأفكار، فإن ماركس يراه ينطلق من تطوير قوى الإنتاج التي بدورها تغير كل ما يتعلق بالإنسان.
فبالإضافة إلى هذه النظريات الأساسية، نجد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الذي يرد عملية التغيير في المجتمعات إلى ظهور زعامة كارزمتية مثل الأنبياء والأبطال الذين يقومون بالتأثير السحري في المجتمع، فيغيرونه أو يطورونه من الأسوأ إلى الأحسن.
أما المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي، فيطرح في كتابه الضخم (في دراسة التاريخ) نظرية "التحدي والاستجابة"، فبناء على دراسته لـ28 حضارة في التاريخ، يتوصل إلى القول بأن نقطة الانطلاق لأية حضارة هو أن يواجه مجتمع ما تحديا طبيعيا أو بشريا، فيستجيب له ذلك المجتمع البدائي إيجابيا، فيتفاعل معه فيندفع في البناء الحضاري، لكن بشرط أن يكون ذلك التحدي ملائما للاستجابة الخلاقة والمبدعة لذلك المجتمع، وقد لاحظ توينبي أن الرخاء المفرط هو العدو اللدود للحضارة مثل بقاء مجتمعات المناطق الاستوائية بدائية بسبب غناها بالخيرات الطبيعية، ونفس الأمر ينطبق على التحديات القاسية جدا التي تشل كل نشاط إنساني مثلما وقع للاسكيمو في المناطق القطبية والبدو في المناطق الصحراوية.
ويبدو لنا من خلال دراستنا لمختلف هذه النظريات، فباستثناء نظرية ماكس فيبر، فإن نظريات التغيير الأخرى يغلب عليها طابع التدافع والصراع، فنجده على الصعيد الفكري عند هيغل أو المصالح الطبقية والاقتصادية عند ماركس أو صراع مع تحديات طبيعية وبشرية عند توينبي.
ونجد غلى جانب كل هؤلاء المفكر المغاربي عبدالرحمن بن خلدون الذي يمكن إعتباره صاحب نظرية في فلسفة التاريخ بتركيزه على نشأة وسقوط الدول في منطقتنا، والتي تقوم على أساس عصبية قبلية وتوظيف الدين أو مذهب ديني، وقد أكتشف ذلك من خلال تتبعه نشأة الدول عندنا فقط، وليس في منطقة أخرى من العالم، ويبدو لنا من خلال قراءة بن خلدون بعمق كأنه يدعونا إلى إبعاد الدين عن الإستغلال السياسي، مادام أنه يتهجم على البدو أو ما يسميهم ب"الأعراب"، لأنهم هم الذين يستغلون الدين في نظره للوصول إلى السلطة وتحطيم الدولة القائمة وإعادة المدنية إلى نقطة الصفر، مما جعل فريديك أنجلس يعتبر ذلك سببا لتخلف منطقتنا لأن ماتحدث عنه بن خلدون يؤدي إلى عدم الإستقرار والثبات الذي يعد عاملا أساسيا لتراكم البناء والتنمية، فهل أعتبر بن خلدون ذلك قانونا أبديا يصعب التخلص منه أم أكتفى بتفسير ظاهرة على أساس علمي، ليترك المنفذين الإستفادة منها مستقبلا؟، وهو ما يطرح أمامنا اليوم أن نظرية بن خلدون المبنية على العصبيات وإستغلال الدين لازالت صالحة في مجتمعاتنا التي لايمكن لنا فهمها وتفسير حركياتها إلا بها، لأننا لازالنا نعيش نفس العصر الخلدوني، ولم نقم بعد بقطيعة معه، لكن هل نظرية بن خلدون هي حتمية وقدرنا؟، لانعتقد ذلك، بل بإمكاننا التخلص منها نهائيا، ونقيم قطيعة مع ما نسميها ب"العصبيات الخلدونية" و"إستغلال الدين لأهداف سلطوية"، وذلك بالعودة إلى نظرية ماركس في تغيير المجتمعات التي أشرنا إليها آنفا، وذلك بتغيير قوى الإنتاج التي ستغير علاقاتها، أي بتعبير آخر فإن تغيير البنية التحتية المتمثلة في قوى الإنتاج سيؤدي حتما إلى تغيير البنية الفوقية المتمثلة في الثقافة والدين وشكل الدولة والذهنيات وغيرها، وهذا لن يتحقق إلا بقيامنا بثورة صناعية وعلمية، وقد سبق لنا أن تحدثنا عن أساليب قيامنا بذلك في العديد من مقالاتنا السابقة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن