المشهد الكردستاني .. العودة الى خط البداية

سامان نوح
samannoah@gmail.com

2019 / 1 / 31

- معظم من تم توقيفهم وحجزهم خلال الأيام الماضية من نشطاء وصحفيين ممن اعلنوا نيتهم او تأييدهم لتنظيم مظاهرة احتجاجية على الهجمات التركية في دهوك، وعددهم يقارب الـ50 وفق بعض المصادر، افرج عنهم خلال الساعات 48 الماضية، خاصة من مؤيدي الأحزاب الساعية للمشاركة في الحكومة، وقد عوملوا بشكل جيد، وان كانت هناك غصة ألم على "سقف الحريات المتهاوي" والكثير من العتب والخلاف في الرؤى.
- ومعظم من ايدوا علناً ما حصل في المعسكر التركي بشيلادزي، ونشروا بوستات تأييد واضحة وهم بالآلاف وبينهم كتاب ومثقفون وصحفيون ونشطاء ومواطنون عاديون دفعهم الانتماء القومي والشعور الانساني وفكرة الاحتجاج على الظلم في ادنى صورها، مسحوا بوستاتهم او غيروا تعبيراتهم وتوصيفاتهم لما حصل، بعد ان صدر التوصيف والتحذير الحكومي بان ما وقع أمر غير مقبول وان من شارك في ذلك "مخربون" سيتم التحقيق معهم، فـ"الحرية لها حدود" والأمن والمصلحة العليا لها الأولوية.
- يرى "مسؤولون قوميون"، ان الحكومة الكردية على حق في كل اجراءاتها، فلا تريد ان تضيف مشكلة جديدة الى اللائحة الطويلة للمشاكل المستفحلة، خاصة مع تركيا الدولة الاقليمية القوية التي تبحث عن اي حجة لضرب الكرد في العراق وسوريا وتركيا بل وحتى على المريخ ان وجدوا. وان على الكرد مداواة جراحهم بصمت، وتقبل تلقي الضربات بصبر، الا ان تمر العواصف القومية التركية على خير، فالقوة الكردية صغيرة والتجربة القائمة فتية والمشاكل كثيرة والتصعيد مضر ان لم يكن مدمرا.
نعم المشاكل كثيرة:
- فبرلمان الاقليم، الذي يغيب عنه القادة الكبار دائما، معطل ليس منذ انتخابات ايلول 2018، بل منذ أكثر من عامين، ونواب الأحزاب بلا حول ولا قوة حتى في التصريح بما يؤمنون او يعتقدون، ومشاريع التطوير تتزاحم على الرفوف، ومشاريع الاصلاح تترنح تحت ضربات التأجيل واستحالة التطبيق على ارض الواقع.
- ومفاوضات تشكيل حكومة الاقليم الائتلافية الجديدة بعد 120 يوما على الانتخابات، لم تزل في مراحلها الاولى متعثرة متقلبة، والاحزاب الكبرى ما تزال تناقش حصصها في الرئاسات والوزارات والهيئات، وهناك من يشغل نفسه موهوما بصياغة "البرنامج الحكومي" وهناك من يفرض على طاولة الحوار شروطه بحسم كل حصصه في اربيل وبغداد وكركوك بسلة واحدة. يحدث ذلك بحكم الواقع على الأرض وان كان هنالك حزبا فاز بنحو نصف مقاعد البرلمان.
- وآليات توحيد القوات الكردية المنقسمة الى ألوية حزبية وقيادات حزبية، والتي تتواصل هذه المرة بدعم الحلف الاطلسي، تمضي في سيرها السلحفاتي وتواجه بين فترة وأخرى بقنابل حزبية فمع كل ازمة يُذكر القادة العسكريون بـ"خطورة" العودة لزمن الادارتين.
- والمؤسسات الصحفية بتشكيلاتها الضخمة وجيوشها الاعلامية الحزبية المدججة بالمال وبقوالب تعليمات العمل المحصنة، والبيانات الجاهزة والحملات من جهة وبالعمى الكامل من جهة، تواصل تمترسها وتمددها، مع وفات الصحافة الأهلية، وانعدام تأثير الاعلام الاجتماعي الذي يظل اصوات في البرية للتنفيس النفسي.
- والتشكيلات الضخمة التي تعلو لافتاتها على الأبنية الخرسانية المغلفة بالواجهات الزجاجية الجميلة، من مجالس واتحادات ونقابات وتنظيمات ومؤسسات مدنية وثقافية وتعليمية وجامعية، معروفة احوالها، معظمها يعجز حتى عن اصدار بيان رأي، وهي تحاول بخجل ممارسة الدور الذي رسم لها في تشذيب وتهذيب الصور السائدة والرد على التقارير الدولية التي تتوالى عن مواضع العيوب المستحكمة في الاقليم.
- والحياة السياسية في أحلك مراحلها، فاحزاب السلطة تواصل صراعاتها بلا رحمة على الحصص والامتيازات، وأكبر الأحزاب الأسلامية تلقى ضربات جماهيرية موجعة في ظل غياب الموقف وضعف مركز القرار وتفسخ الأطراف، وبيت "التغيير" انقسم بعد رحيل القائد ذو الكاريزما بين جناح جامح ثائر رافض، وآخر مستسلم خانع لمغريات السلطة، وبين تشكيل جديد غارق في الانفعالية والطاوسية. فيما تصاعدت الحزبية المناطقية ومعها الولائية الجغرافية.
- لكن الأمور بخير، بل تسير على افضل حال، والأزمات السياسية والاقتصادية والقضائية بل وحتى الثقافية-الاجتماعية ستصبح قريبا من الماضي، هذا ما تبشر به بيانات الكبار، وان كان البرلمان الذي اجتمع لمرة واحدة في اربعة اشهر، معطلا او عاجزا، والحكومة منقسمة ومتحاربة، والصحافة في خبر كان، والنقابات والاتحادات ولدت ميتة، والمؤسسات الى زوال.
- الأمور بخير مقارنة بالسنوات العجاف، فليطمئن الجميع، يقول القادة الكبار، وستمر العواصف وبعدها ستتحقق الديمقراطية المرجوة وتتعمق الحريات وتترسخ أسس المواطنة والعدالة والمساواة. وعلى الصحفيين القيام بواجبهم الوطني والقومي والوظيفي بزرع الأمل ونقل البشرى القريبة للأمة، او الخوض في تجربة وملاذات الصمت.
- يحدث ذلك فيما يشطح الخيال بعيدا في الرؤية التي سادت قبل سنوات، بنقل التجربة الكردية في الديمقراطية والحريات والمؤسسات الى الجوار الغارق في الفوضى والى الدول الاقليمية الماضية الى مزيد من الاستبداد.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن