ماذا يعني أن نكون مناضلين اليوم؟

المريزق المصطفى
merizakmustapha@gmail.com

2019 / 1 / 24

كل الوقائع والأحداث والمؤشرات منذ عدة سنوات تساءل تآكل الممارسات النضالية القديمة، بل تساءل حتى الالتزام السياسي أمام وفرة وحيوية العديد من الشرائح والفئات الاجتماعية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. فهل نحن أمام أكبر تجديد لطرق المشاركة والتواجد في الفضاءات العمومية ومحو أشكال النضال العتيقة؟ عن هذا التجديد وعن هذا التنوع في الممارسات والتطبيقات أريد أن أتحدث.

في الواقع، ربما أصبح النضال في ومن خلال الانخراط في الفضاءات العمومية هو السائد، بعد أن كان يحدده الانخراط المسبق في الحزب والنقابة من منطلق أيديولوجي معين. وهذا تحول جذري يجب أخذه بعين الاعتبار.

فبعدما ضعفت مجتمعات التنشئة السياسة، أصبح النضال تحدده وضعية الناس الاجتماعية وليس أفكارهم الايديولوجية من خلال الانخراط في تنظيم قائم الذات.

من جهة أخرى، إننا اليوم أمام تحول وطني وعالمي، مجتمعي وديموغرافي، يمكننا تقييمه من حيث التشدد في التعامل مع الواقع الذي ينتجه وليس بالضرورة من خلال توجه نضالي تصبح طريقة العمل والتفكير فيه مركزية، وتتحول الممارسة النضالية إلى ممارسة لا يتحكم فيها الانتماء المسبق.

النضال اليوم، لا يمر بالضرورة عبر الأيديولوجية، أو ربما بدون الائتمان لها. النضال اليوم، تحكمه جاذبية الواقع الاجتماعي وليس المجال السياسي. الحدود باتت سهلة الاختراق وتفرق بين الالتزام العمومي والالتزام السياسي. فالتطوع الجمعوي والسياسي أصبح متجاوزا، ويفتح أمامنا إشكالات جديدة تهم المشاركة العمومية.

إن الوضعية باتت جد معقدة، وواهم من يعتقد أن الأمور لا زالت تسير بالمنطق السابق. فلا منظور التحولات الاجتماعية الراديكالية العميقة، ولا الممارسة الجماعية للفعل قادران على تحديد معايير محددات مفهوم النضال اليوم. فبعض الممارسات التطوعية أصبحت فعل نضالي متميز ومميز، في الوقت الذي كان يتم تصنيفها سابقا في خانة العمل الخيري الاحساني والاجتماعي (حالة المرضى، المهاجرين، المعطلين، ضحايا العمل الجنسي، وحالة ال "بدون مأوى"، الخ)، وهي الآن تحصد الاعتراف العمومي والرسمي.

إن أشكال الفعل كما تظهر في الفضاء العام، وأحيانا بقوة، لا يمكن أن تحجب المحافظة على أشكال الفعل القديمة. فهناك محاولات متعددة للعديد من الحركات التي "تحتل" الفضاء العمومي، في الوقت الذي أصبحت فيه المقرات الحزبية والنقابية والجمعوية فارغة من مناضليها.

هذه الحركات، أصحنا نسميها اليوم بالحركات الاجتماعية الجديدة، بالإضافة إلى حركات أخرى ذات طابع جهوي، إقليمي، إيكولوجي، شبابي ونسائي، وحقوقي، مثلا.

اذن هناك أشكال جديدة ومتنوعة للفعل الاجتماعي ول"احتلال" الفضاء العمومي (بما فيها النضال في العالم الافتراضي)، بعيدة كل البعد عن الفعل السياسي الحزبي أو النقابي الكلاسيكي. وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار، وأخذ العبر منه .

إن حركة قادمون وقادرون – مغرب المستقبل، أسست وخرجت من رحم هذا التحول للتفكير في أشكال جديدة للفعل والعمل، جماعية ومجموعاتية وفردية. ما يهمنا هو كيف يناضلون الناس اليوم قبل أن نهتم بما يحركهم. نحن نعلم جيدا أن الفعل النضالي يجب أن يحقق نتائج ملموسة على المدى القريب، وان هذا الفعل يجب أن يكون له صدى عمومي، حتى يتبناه الفاعل السياسي في مستوى من المستويات. لكننا على وعي تام أن هناك فاعلين ليس لهم أي صوت في الفضاء السياسي، هؤلاء يجب التفكير فيهم كذلك.

إننا نناضل اليوم في عالم غير مستقر وغير واضح المعالم، وهو ما أجج فقدان الثقة في الأحزاب السياسية وفي النقابات وجمعيات المجتمع المدني، بفعل تذبذبها وغموضها، وبسبب تخليها عن جزء كبير من أهدافها، ألا وهو النضال الأخلاقي. فكل الدراسات والاحصائيات تثبت فقدانها للقاعدة البشرية والشعبية وابتعاد الناس عنها، في حين نجد إطارات جمعوية واجتماعية متجذرة داخل الأحياء السكنية، ومتواجدة في القرى والمداشير والمدن الصغرى والمتوسطة، وتقدم خدمات مباشرة للساكنة.

إن ذوي الحقوق لم يعد لهم نفس النضال الطويل المدى، ولم يعودوا يثقون في المستقبل، يريدون من يحقق أمالهم وتطلعاتهم اليوم قبل الغد. وهذا هو الباب الذي اقتحمه الخطاب الشعبوي ليدغدغ عواطف الناس ويسكن عظامهم. بالإضافة الى عامل التردد كسمة تلازم الكثيرين في كل مراحل حياتهم، وخاصة لدى فئة الشباب والنساء بسبب البطالة والهشاشة والاستبعاد الاجتماعي وعدم الانصاف والمناصفة. كذلك بالنسبة للهويات الجماعية والفردية، التي أصبحت غير مطمئنة على مستقبلها بسبب الأعطاب الحاصلة في "المصعد الاجتماعي".



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن