في حضرة عرافة

علي أحماد
boudahmadali@gmail.com

2019 / 1 / 23

كنت كلما فتحت باب البيت الذي أسكنه قرب الأقسام ، وأنا أسميه بيتا تجاوزا لأن بعض البيوت متواضعة كبيت العنكبوت هونا ، أرى مسجد القرية بصومعته البيضاء العالية كبئر مقلوبة تعانق ارتفاع الجبل الذي يضرب طوقا حول المنازل ويحرسها كإله ويوفر منظرا مهيبا على الصور. فسبحان الذي أوحى للبشر ان يجعلوا للجوامع صوامع ليرفع فيها الآذان إيذانا بحلول وقت التضرع !
دائما ما يثير اهتمامي وانتباهي بيت بسيط عبارة عن بناية وطيئة ومعزولة من حجارة مرصوصة بعفوية يشدها الطين الممزوج بالتبن بعضها الى بعض لكي لا تتداعى، في زمن قل فيه الإسمنت . يقع البيت في منبسط على شفا حافة مجرى واد جاف تملأه سيول الأمطار يخترق القرية وتنمو حوله نبتة الحرمل كعربون أرض يشح الغطاء النباتي بها وتوحي بسرها في ابعاد الجن ممزوجة حباتها بالبخور . سود السخم المتراكم عبر السنين واجهته واهترأ خشب بابه المنخفض الذي يضطر عابره الى الإنحناء ، وصدئت دسره ولم يعد يتخذ مكانه عند غلقه لأنه زاغ عنه بفعل تساقط بعض الحجارة . نادرا مايفتح باب هذا المنزل ولا أعرف ساكنه/ ساكنيه ، فلا أصوات تسمع ، ولا أطفال يلعبون أمامه ، ولا حياة تدب من حوله لحيوان داجن ( كقط أو كلب أو دجاجة) يجوب أطرافه بحثا عن بقايا طعام من فتات المائدة أو من خشاش الأرض ، ولكني على يقين أن آدميا اتخذ ولازال هذا الكوخ ملاذا يأوي إليه إتقاء القر أو طلبا لظل وارف هروبا من الحر. أغلق باب بيتي ويبقى سر ذلك البيت وصاحبه / صاحبته لغزا محيرا يمارس علي غواية البحث والتقصي للإجابة عن أسئلة تظل تدندن في رأسي كضرب الحداد المتكرر على قطعة حديد حامية نزولا وصعودا حتى تلين تحت قوة العضلات ولاغرو أن الحداد بقرى المغرب أسود مفتول العضلات ، ولأشبع فضولا يسكنني. صورة مشوشة تلك التي ارتسمت في الخيال ولابد من جلوها لتتضح ملامحها .
أدخل بيتي وأغلق الباب لأنام لعلي أمر من أحلامي الى الذين أحبهم . أستيقظ لأواصل رحلة البحث والتقصي في انشغالات سيزيفية بأمر وإن علمته لن يغير ما اختزنته الذاكرة وخبرته من آلام بقرية أيت ارسان حيث أبعدني الناس ككلب أجرب إنتقاما معنويا من المعلم الذي دنس شرف القبيلة ( حكاية حسن وعائشة ) . هذه القرية كغيرها من قرى زناكة التي تهب عليها الرياح لعنة سلطها أسياد الأرض على مغتصبيها حسب الأسطورة وما يعتقده الراسخون في العلم وما يتناقله الآباء عن الأجداد تزيد من كآبة المكان .
مرة ، وأنا أعود من دكان القرية لصاحبه الحاج النسر وهو لقب يطلقه عليه الأهالي لأنه يشهد له بالذكاء الحاد أبتاع ما احتاج إليه من مؤونة ، ، وقد كنت أظن أنهم ينادونه بذلك اللقب لأنه يحتفظ بنسر كبير علقه بجدار الدكان يسترعي إنتباه الزائر ويندهش لعظمة هذا الطائر ! رجل فحل أغرق البيت بالأطفال ( ذكورا وإناثا ) يملأون البيت زعيقا وهم لا يزعجون راحته البتة وقد ينسى أسماءهم في زحمة الحياة . ولكن الرجل كريم ، مضياف ومحدث ماهر ، شحذت همته تجارب الحياة كتاجر وكساب يجول الأسواق ...وظل أيقونة دوار أيت ارسان ، ومن زار القرية ولم يلتق الحاج النسر فقد خاب مسعاه وخسر الكثير، مرورا جنب البيت على طريق تحددت معالمه لكثرة الأقدام التي تطأه يوميا حتى رسمته كما يرسم قطيع الأغنام مساره على سفوح الجبال وهو يعود الى القرية مغيب الشمس ، وقد قيل لراع بإحدى القرى : انت تتأخر في السير بقطيعك الى المرعى في الصباح ، فأجابهم لاتقلقوا سأسبق الآخرين عند العودة في المساء! وليس من الصدف أن أغلب الأنبياء كانوا رعاة ....تسمرت في مكاني ولم تعد قدماي / ركبتاي تقويان على حمل جسدي وارتفعت دقات قلبي بين ضلوعي وتقطعت أنفاسي وغمرتني قشعريرة باردة ، وجاهدت لأجد تفسيرا لما أرى. امامي وبكل مهابة تقف عجوز رسمت سنين عمرها المديد تجاعيد على محياها وأسقطت أسنانها فبدا فمها أدرد كفم ضفدعة . ومع ذلك فهي لا تستند في سيرها الى عكاز وقد تقوس منها الظهر ، فهي تمشي دون عناء وتتلمس طريقها بلا نظارات طبية أو مساعدة دليل . تتدلى من نطاق مزركش يشد خصرها النحيل مفاتيح من شتى الأحجام والأشكال استغربت حاجة العجوز إليها في مثل هذه السن المتقدمة أم هي العادة تلزم العجائز في بوادي المغرب ، فقد كن سيدات البيوت تتحكمن في خزائنها، في يدهن العقد والحل والأمر والنهي. لكن هذه رماها الأهل بالنسيان وأهملها الخلان . فلم يعد لها سوى ذكريات تجترها في حنين وحزن .
أوقفتني باسمة الثغر وتفرستني من منبت الشعر الى أخمص قدماي صامتة وكأنها تنحت كلمات ترميها على مسامعي من مرمر . ساد الصمت المكان برهة كأنها دهر . وحاولت أن أفلت منها دون جدوى ، فتركت لها شرف البدء . قالت وهي تمسك كفي بيد دقيقة ظهرت عليها عروق ناتئة : ( لايغرنك حالي الآن يا ولدي فقد كنت شابة جميلة تضج أنوثة ، تزوجت وأنجبت ، وكانت خلفتي –مع الأسف -كلها بنات ، زوجهتن واحدة تلو الأخرى ، ولي منهن أحفاد. مات عني الزوج ، والآن بلغت من الكبر عتيا ، ولا أرضى لنفسي الذل وأعيش مع بناتي وأزواجهن . شرف لي أن أموت في ركن ضيق من بيتي على أن أعيش مهانة في أوسع غرفة من سكن إحدى بناتي . )..تذكرت عمي الذي كان شعار حياته ( إذا أرغمتك الظروف للتسول وبلغت باب زوج ابنتِك فكسر الإناء الذي تتسول به ).
أشفقت على حالها ولكني لزمت صمتا مطبقا والألم يفتت مني العظام . تمنيت لو تركتني أواصل السير نحو غرفتي المعزولة التي تحاذي حجرة درس من البناء المفكك . إنها لقمة العيش المرة ترغم الناس على التحمل والإصطبار. هي على الأقل ألفت هذا المكان وعاشت به كل هذه الأعوام الطوال ، على وقع الذكريات وتنتظر الموت كرحمة من السماء ، ولكن هناك دائما شيء أقوى من الموت هو حضور الغائبين في ذاكرة الأحياء . لم أستطع ان أسحب كفي من يد العجوز ، ليس خوفا منها ولكنه الحياء اعتبارا لسنها ولأن الفضول الذي ينخر عقلي جعلني أنخرط في اللعبة وأتساءل في قرارة نفسي هل وضعني القدر أمام عرافة تقرأ الكف / الطالع وتطلع على الغيب ؟
أمسكت بالكف المبسوطة أمامها في خشوع عابد مترهب : " لا تحزن يا ولدي .أقدارك عنيفة رمت بك في مكان حللت به مرغما وسط أناس قست قلوبهم كالصخر وبعض الصخر يتدفق منه الماء عيونا تجري انهارا ، ولكن هؤلاء لا تذرف عيونهم دمعا تأسيا على ضعيف او متألم ..أبعدك الأهالي كدأبهم لتسهل حراستك ، فأنت الغريب ، والخوف من الغريب احتياط واجب وضرورة . خطوات محسوبة وأعين ترصد الحركات وتعد الأنفاس ، فالاختلاط عواقبه غير محسوبة . أنت هناك وهم هنا..تحجرت القلوب وقست . أصبحت كراهب في صومعة معزولة..تلهيك مشاغلك عن الناس وأنت الشغل الذي شغلهم عن مشاغلهم التي تركوها من أجل مراقبتك . تغادر المكان لتعانق فضاء رحبا لعلك تقتل رتابة أيامك . لا يريدون لك الإندماج ولا يحتضنون أحلامك وآمالك ولا يخففون عنك آلامك وأحزانك ، إنها خشونة الطبع التي تورثها قساوة الطبيعة .
في حياتك نسوة يتشوقن اليك وتهفو نفسك للقائهن "
كنت كبركة ماء هادئة الى أن ألقت فيها هذه العجوز حجرا فماجت وهاجت .
أفلتت العجوز الكف وافترقنا دون كلمة وداع وكلماتها كأجراس كنيسة تطن في أذناي الى الآن ....



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن