ملاحظات حول الاحتجاجات الفرنسية بقيادة السترات الصفر ....!!!!

زياد عبد الفتاح الاسدي
zeyadelasadi@yahoo.com

2019 / 1 / 20

من الصعب التنبؤ لما ستؤول اليه المظاهرات والاحتجاجات الغاضبة التي تندلع أيام السبت والتي تُعبر بشكلٍ صارخ عن الصراع الطبقي المُحتدم في الشوارع والمدن الفرنسية .. وهنا يُمكن تلخيص المعطيات والاتجاهات المُحتملة لهذه الاحتجاجات والتي تُعتبر الاعنف في تاريخ الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا على النحو التالي :
1 . من الواضح أن الشرائح الطبقية والاجتماعية المنخرطة في الاحتجاجات الغاضبة التي تجتاح المدن والشوارع الفرنسية أيام السبت تتركز في الطبقات العاملة والفقيرة وطلاب الجامعات وفئات العاطلين عن العمل وكبار السن المًؤهلين للتقاعد في ظل إضمحلال وتراجع واضح للطبقات الوسطى وتحول هامش كبير منها الى طبقات فقيرة بسبب الازمات الاقتصادية الحادة وتحمل هذه الطبقات بشكلٍ رئيسي العبئ الكبير من مختلف ضرائب الدخل والوقود والمشتريات والسكن ... ولا سيما ضرائب الدخل .
2 . هنالك انقسام متزايد في المجتمع الفرنسي يُلقي بظلاله على تطلعات وتوجهات جمهور وفئات المحتجين .. وهذا الانقسام يتلخص بشكلٍ رئيسي كما نعلم في الانقسام الطبقي الكبير بين الشرائح الثرية جداً وبين الطبقات الشعبية والفقيرة .. هذا من جهة, أما من جهة أخرى فهنالك أيضاً انقسام وشرخ عنصري واضح في فرنسا (حتي بين صفوف المحتجين) , بين المواطنين من أصول فرنسية وبين المواطنين من المهاجرين الذين ليسوا من أصول فرنسية (وتحديداً من أصول افريقية وعربية واسلامية) ... فقسم لا يُستهان به من المجتمع الفرنسي يُلقي باللوم (عن جهل بالطبع) على هولاء المهاجرين فيما يعانيه الفرنسيون ليس فقط من تفشي العنف والارهاب ودخول ثقافات الى المجتمع الفرنسي لا تنسجم مع ثقافته , بل أيضاً من أزمات إقتصادية وانتشار للبطالة بسبب مُزاحمتهم للفرنسيين على الوظائف واليد العاملة ...الخ وهذا الشرخ العنصري في الشارع الفرنسي يصُب بشكلٍ واضح في مصلحة المعارضة اليمينية الشوفينية المُتطرفة بقيادة حزب التجمع الوطني الذي تقوده مارين لوبين .
3 .هنالك صراع ومحاولا ت مستميتة من قبل أطراف المعارضة الفرنسية لاستقطاب وتوجيه الاحتجاجات الفرنسية نحو أجندتها السياسية .. وهذا الصراع ينحصر بشكلٍ رئيسي بين الاحزاب الفرنسية الراديكالية , سواء من اليمين القومي المُتطرف بقيادة مارين لوبين , أو من قبل تحالف اليسار الراديكالي في الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الفرنسي بقيادة جان لوك ميلينشون ...ومن المُلاحظ أن هذا التوجه السياسي المُتباعد بين اليمين المُتطرف واليسار الراديكالي يجتاح في السنوات الاخيرة معظم المجتمعات الاوربية في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا والمانيا وغيرها من الدول الاوروبية .
4 . ليس من السهل على ماكرون والحكومة الفرنسية الاستجابة لجميع المطالب الاقتصادية التي يُطالب بها المحتجون وممثلي السترات الصفر في الوقت الذي يُعاني فيه الاقتصاد الفرنسي من عجز هائل يتجاوز في حجمه 100 مليار يورو.. ومن غير الممكن الاستجابة لهذه المطالب دون أن يتزايد هذا العجز الى مستويات خارجة عن السيطرة.. في الوقت الذي لا يتم فيه تحميل الشرائح الطبقية العليا في فرنسا أي عبئ ضريبي أو إقتصادي للحد من هذا العجز .. وكذلك في الوقت الذي لن تتمكن فيه السلطات الفرنسية طلب العون الاقتصادي من المفوضية الاوروبية في ظل العجز الذي تُعاني منه إقتصاديات معظم الدول الاوروبية والاقتصاد الاوروبي بمجمله .
5 . من المحتمل ان تتصاعد بشدة وتيرة وسقف المطالب للاحتجاجات الفرنسية الى أبعد بكثير من المطالبة باستقالة ماكرون , وقد تزداد عنفاً وغضباً وربما تمتد الى مُختلف ايام الاسبوع .. فيما إذا فشل الحوار الوطني الشامل والمفاوضات الجارية بين ممُثلي السترات الصفر والحكومة الفرنسية, أو عدم استجابة ماكرون والحكومة الفرنسية لكافة المطالب الرئيسية التي يُطالب فيها الشارع الفرنسي الغاضب .
6 . باعتبار فرنسا تُمثل القلب النابض لاوروبا ... لذا فالثورة الاجتماعية والمعركة الاقتصادية والطبقية المُحتدمة في الشوارع والمدن الفرنسية للاسبوع العاشر على التوالي ستنعكس وتنتقل نتائجها واحتمالاتها المُرتقبة إن عاجلاً أم آجلاً (على غرار الثورة الصناعية البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر), الى مُختلف الدول والمدن الاوروبية ... ومن هنا تستحوذ هذه الاحتجاجات إهتماماً وترقباً بالغاً ليس فقط على الصعيد الفرنسي , بل على الصعيد الاوروبي بمجمله وحتى على الصعيد العالمي .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن