[49]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي

صبري يوسف
sabriyousef56@hotmail.com

2019 / 1 / 20

صبري يوسف

49. كيف ترى أسماء غريب الصّداقة في زمن الفيسبوك؟


د. أسماء غريب

حضورُ العارفِ الحقِّ على الفيسبوك أمرٌ صعبٌ للغاية، وأصعبُ منه أن يكونَ لديهِ فيه "أصدقاء"؛ فهو المنعزُل المُختلي اللّامنتمي، وهو الّذي لا يجدُ لذّة إلّا في مصاحبة خالقه، وما عدا ذلك لا يوجد شيء في الدّنيا يمكنهُ أن يجلبَ له أيَّ نوع من السّعادة أو الانشراح، إلّا إذا أنعم عليه الرّحمن بصحبةِ عارف أو صوفيّ حقيقيّ مثله شعارُه السَّلام والمحبّة والصَّفاء في زمن كثر فيه الأدعياء والمتفيْقهون. وهذه حقيقة يصعبُ على منتسبي الفيسبوك من زملائِي الكُتّاب أو الأدباء تقبّلها أو استيعابها، فهُم يرون الحياةَ مخالطة ومشاركة، وأنا أراها عملاً وخدمة للآخرين في صمت وبطريقتي الخاصّة جدّاً، وبدون ضجيج أو إشهار أو إعلان، أو إعجابات، أو تعليقات، أو لائحة لا تنتهي من "صداقات" قد تتجاوزُ الأربعة ألف "صديق" أو ربّما أكثر.

لا يتعلّقُ فِكري بأحد، ولا قلبِي بمكان أو زمان، فأنا عابرة سبيل، وعابر السَّبيل عليه أن يكون خفيف الحمل: يخدمُ ثمَّ يمضي، ولا يطيلُ الوقوفَ في المحطّات. وقد تكون جمعتني فترةُ عملٍ إبداعيّ مع أحدهم أو إحداهنّ، لكنّ الفترةَ تنتهي، والعملَ كذلك، والحضورَ أيضاً، ليس هناك متسّعٌ من الوقتِ للتوقّف، فالعمرُ يجري، وسيفُه بتّار على الجميع.

في الفيسبوك كلّ شيء يُلْهي، كلّ شيء يأسِرُ العيْنَ؛ الأسماءُ والصّورُ والدّردشات، والتّعليقاتُ وتسجيلات الإعجاب وما إلى ذلك، ولأنّني منشغلةٌ جدّاً ببناءِ فكري، فلا وقت لديّ لكلّ هذا، ولا لربط صداقات إلكترونيّة مع أناس لا أعرفُهم حقيقة، وإن كانوا ينشرونَ الكثير من التّفاصيل عنهم من خلال الصّور الّتي توثّقُ أنشطتهم وبعضاً من مظاهر وفعاليات حياتهم اليوميّة وما إلى ذلك، فهذا في عُرفي لا يعني شيئاً، وقد أرى فيه ما لا يراهُ غيري، فيزيد من قناعتي حول مفهوم الإنسان العابر السَّبيل الخفيف الحمل في كلّ شيء حتّى ليبدو كأنّه ريشة مُحَلِّقة في الفضاء؛ كما أتى في صمت يمضي ويعودُ في صمتٍ أيضاً.
الفيسبوك ضالّةُ العطاشى لكلِّ شيء، ضالّةُ من يبحثُ عن الأُنسِ والخروج من العزلة، وهو لهذا السّبب لا أعدُّهُ مكاني الأثير، ولا أنشرُ فيه كثيراً، وكلّما نشرتُ شيئا على صفحتي محوتُه، لأنّني فيه أدخلُ من مكان إلى آخر، وأخرجُ من زمان إلى آخر، وأظهر وأنْمَحي في الوقت ذاته، فأنا فانية، وأحبُّ أن أسجّل هذا الفناء في حركاتي، وأنا كذلك باقية، وأسجّل بقائي بطريقة خاصّة يعرفُها ويهتدي إليها من لا يعنيه وجودي على الفيسبوك في شيء، لأنّه يعرف جيّداً أين سيذهب إذا أراد أن يقرأ فكري، ففي الشّبكة توجد مواقعي الرّسميّة، وهي تغني عن كلّ "صداقات" تتلصّصُ على كلّ شيء، وعن تعليقات أو إعجابات لا تُغني ولا تسمن من جوع.

ولربما يقول قائل إنّ هذا الأمرَ سيُفْرِغُ نظريّة التَّواصل عبر مواقع الفيسبوك والتويتر وما إليها من معناها الحق الّذي نظّرَ لهُ العديد من علماء النّفس والاجتماع، وعليه أجيب: أبداً، إنّ من يعرفُ كيف ينتقي الأسماءَ، سيجدُ أنّ القليل من "الأصدقاء" ممّن سيعملُ معهم يكفي، وكثيراً ما يحدثُ أن يضطرّكَ التزامُكَ بالعمل مع أديب واحد مثلا إلى التفرّغ له لسنتين أو ربّما أكثر، فما بالك إذا كانت لك "صداقات" لا تستطيع أن تستوعب عددها. وبالمناسبة، فحتى مارك زوكربيرغ مخترع هذا الموقع، مركّز على نفسه وحياتِه أكثر مما يتوقّعه أحد، وليس عنده الوقت الكافي يقضيه على صفحات الفيسبوك ولا على غيره من هذه المواقع، فثمة موظفون غيره يقومون بهذا الأمر، فهوَ منشغل ببناء حياته، وبحُبِّ زوجته وبطفلتهمَا الثّانية الّتي لم يبقَ على ولادتها إلّا القليل، فهل مِن مُستوعِبٍ؟ وهل من مُعْتَبِر متّعظ؟!

إنّ مَن يفهمُ كيف يعملُ جسدُ الإنسان وعقله وقلبه، سيسهلُ عليهِ جدّاً أن يستوعبَ ما قلتُه: مواقع التّواصل والجلوس لوقت طويلٍ أمام الحاسوب أو الهواتف الذّكيّة أمرٌ يشتّتُ الذّهنَ تماماً ويزيد من شرود العقل، ويُخرّبُ الذّاكرة بمرور السِّنين، وقد لا ينتبهُ الإنسانُ إلى هذا الأمر إلّا بعدَ أن يجد نفسَهُ مرتبكاً في كلّ شيء. وهذا ليس بالأمر الجيّد بتاتاً لمن يعمل في مجال الكتابة والإبداع الأدبيّ والفكري بشكل عامّ.

ثمّة مشكلة أخرى أشدُّ خطورة ممّا أشرتُ إليه قبل لحظات: الفيسبوك وغيره من مثل هذه المواقع ينمّي لدى الآخرين بمَن فيهم الكتّابُ والأدباءُ الشّعورَ بالإحباط من كلّ شيء، ويدفعهم إلى تكوين قناعات وتأويلات خاطئة تماماً عن غيرهم من زملائهم، لأنّهم لا يفسّرون الأمورَ إلّا من خلال ما يظهر لهم، وكلّ ما يطفو على السّطحِ ليس دائماً حقيقة مطلقة. والنّتيجة هي أنّ العديدَ من الكتّاب أصبحوا يستلهمون موادّهم الإبداعيّة من هذه الأجواء والفضاءات، وهذا أمر فيه نوع من الاستمناء الفكريّ، لأنّهم يبنون مادّتهم الإبداعيّة على ما يعتقدونهُ صواباً وهو في الحقيقة ليس كذلك، فتكون النّتيجة إعلاء صرح نوع أدبيّ جديد مبني على ثقافة الوهم، والتّجارب المزيّفة، بل ثمّة من يقضي عمره يكتبُ روايات مستقاة من الواقع الرقميّ الممتلئ بنفايات الحروب الإعلاميّة مثلاً، والمعلومة الخاطئة والصّورة المفبركة والفيديوهات المُرَكّبة وما إلى ذلك، ظنّاً منه أنّه يوثّقُ للحظات من التّاريخ الحديث، في حين أنّ الحقيقة لا يدركها سوى الرّاسخين في المعرفة، وأعني بهم أولئك الَّذين ينأون ما استطاعوا بأنفسِهم عن كلّ هذا الخراب الرّوحيّ والضّجيج الرّقميّ.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن