ما بين إنتصارات ثورة ديسمبر السودانية و إنجازاتها و فشل فزاعات النظام الإنقاذية

عبير سويكت
ablaelmugamar@yahoo.com

2019 / 1 / 14



قناة الجسر الفضائية: قوات الأمن السودانية تطلق الغاز المدمع لتفريغ المتظاهرين، هل حققت إنتفاضة ديسمبر السودانية أهدافها ؟


عبير المجمر (سويكت)

ما بين إنتصارات ثورة ديسمبر السودانية و إنجازاتها و فشل فزاعات النظام الإنقاذية.


قناة الجسر الفضائية في برنامجها تحت عنوان :" قوات الأمن تطلق الغاز المدمع لتفريق متظاهرين في العاصمة السودانية"، تمت إستفاضتي من قبلهم، و لهم جزيل الشكر، و لكل الإعلام الذي يسعي لتسليط الضوء بكل شفافية و مصداقية على القضية السودانية الإنسانية ،و لكن الأهم من ذلك أعجبتني أسئلة مقدم البرنامج في دقتها و أهميتها خاصةً هذين السؤالين :
1- الاحتجاجات تصل للمرة الأولى إلى ولاية دارفور غرب البلاد .. هل بدأ دعوات المشاركة "بأسبوع الانتفاضة لإسقاط النظام" بتحقيق أهدافها ؟ .

2- بعد مدينة أم درمان.. منطقة بحري داخل العاصمة شهدت اليوم إحتجاجات فرقتها السلطات .. الى أي مدى تلقى دعوات التظاهر استجابة داخل العاصمة؟.

المعروف أن العصيان المدني، و الإضراب العام، و المظاهرات، و الإنتفاضات، و الثورات، و غيرها من أساليب النضال المتعددة هي عبارة عن سلسلة عمل متواصل تجاه تحقيق الأهداف المنتظرة من أجل إحلال العدالة الإجتماعية، و نيل الحرية، و بناء دولة مدنية ديمقراطية ،دولة العدل والمساواة، و المواطنة بلا تمييز.

و السؤال الذي يشغل البعض الآن هو :هل حققت ثورة 19 ديسمبر السودانية أهدافها؟ أو هل ستحقق أهدافها؟.
و الإجابة على هذا السؤال هي: أن الثورة سلسة نضال تراكمية تمر بعدة مراحل، و لا يمكن تحقيق الهدف بالضربة القاضية و من أول لكمة.

ثم أن تقييم نجاح الثورة أو فشلها هو موضوع نسبي، و قد يختلف من شخص لآخر، و ثورة ديسمبر السودانية في نهاية الأمر اذا تمكنت من أصابت أحد أهدافها الرئيسية أو لم تصب جميع الأهداف هي نجحت بكل المقاييس للأسباب الآتية :
أفشلت ثورة 19 ديسمبر السودانية فزاعات النظام بشتى أشكالها و أنواعها.

_ حاول النظام الحاكم و أجهزته الأمنية إجهاض هذه الثورة بمحاولة نسبها للحزب الشيوعي تارة و للحركة الشعبية قطاع ـ الشمال تارة أخرى ،ظنا منهم أن أجهزتهم الإعلامية و الأمنية نجحت في تضليل المواطن السوداني عن طريق تشويه صورة الحزب الشيوعي و الحركة الشعبية قطاع ـ الشمال على حد سواء، و لكن الشعب السوداني تجاوز هذه المرحلة منذ زمن بعيد، و لم يعد يخاف و لا يهاب الشيوعية و لا الحركة الشعبية ، لأن نسبة الوعي و الثقافة وسط الأجيال الصاعدة التي تقود الثورة عالي جدا، و يعرفون أنه شتان ما بين الفكر اليساري و المتاجرة بالدين، و تجربة الثلاثين سنة التي عاني منها المواطن السوداني في ظل حكم الإنقاذ، الذي إتسم بالمتاجرة بالدين و شعارات الإسلام السياسي الكاذبة، و إنتشر الفساد و الإستبداد و التمكين، و هذا الجيل الشبابي الواعي الذي يقود الثورة لم يعد يكترس للفزاعات المستخدمة من قبل النظام الحاكم بغرض إجهاض الثورة، و يعلم أن الشيوعية ليست عقيدة و لا ديانة حتى تدعو للإلحاد أو غيره، بل الشيوعية هي عباره عن أيديولجية فكر و نظرية إتفقنا معها أو إختلفنا.

كما أنه من المعروف أن الشيوعية الشائعه في الأوساط السودانية والعربية على حد سواء هي تعرف نفسها على أنها إيديلوجية إجتماعية، وإقتصادية، و سياسية، بحيث تتمركز على أساس المساواة و العدالة الإجتماعية في العيش الكريم، والقضاء علي التفاوت في الطبقات الإجتماعية، تدعو لحرية الإعتقاد بمعني أن من حق المؤمن أن يؤمن، و الملحد أن يلحد، ولكنها لا تحارب الدين ولا تعاديه،و لكن تدعو إلي تأسيس دولة و وطن يسع الجميع من يريد أن يصلي كمن يريد أن يغني، من غير تفرقه، أما المقولة المشهورة "الدين أفيون الشعوب" فهي ناتجة عن أن هناك من يعتقد أن بعض الحكام يستخدمون الدين من أجل تخدير شعوبهم بالشعارات الدينيه حتي يكف الشعب عن البحث عن حل لوضعه المادي البائس ويتخدر بالروحانيات الدينيه و يرضى عن وضعه المأساوي الناتج عن سياسات الدولة الحاكمة دون أن يعترض أو يثور عليها و هكذا تضمن الأنظمة الإستبدادية بقائها في السلطة إلي ما لا نهاية.

أما الفزاعة التالية للحزب الشيوعي و هي الحركة الشعبية قطاع ـ الشمال المتمخضة من الحركة الشعبية الأم فلم يعد الشعب يهابها، بل بالعكس زالت الغمامة و اتضحت الرؤية للجيل الجديد، و الفيديو الذي كانت تستخدمه أجهزة النظام الأمنية لتضليل الشعب السوداني حول فكرة الأب الروحي للحركة الشعبية دكتور جون قرنق أصبح ذات الفيديو هو دليل البراءة لتفشيل محاولة التحريف و التأويل، كما أن العقلية السودانية أصبحت اكثر إنفتاحاً و تقبلاً للآخر، و فيديو قائد الحركة الشعبية دكتور جون قرنق أصبح مرجعاً لجميع الشباب من مختلف الأحزاب و الايديولوجيات و الإثنيات و الديانات المختلفة، حيث كانت محاولة دكتور قرنق أنذاك شرح فلسفة الحركة الشعبية فكان حديثه عن العلمانية (فصل الدين عن الدولة).

لكن النظام السوداني و أجهزته الأمنية و الإعلامية حرفوا كلامه، و قالوا أنه نكر وجود الله و قال أن الإنسان هو الخالق لكل شئ، بينما كلام الدكتور قرنق رحمة الله عليه كان واضحاً وضوح الشمس، و قال بكل وضوح أن فلسفة الحركة الشعبية تكمن في أنه لا يمكن أن يكون للدولة دين، لأن الإنسان هو من خلق الدولة، كما خلق السيارة ، فإذا كان يتوجب على المخلوق أن يعبد الخالق، إذن لتوجب على السيارة "العربية" و الدولة أن يعبدوا الإنسان لأنه هو من خلقهما، و بلغته العربية البسيطة إستخدامه لكلمة( خلق) يقصد به (صنع) أو (أوجد من عدم) ، و لم يقصد أن يعطي الإنسان مرتبة الخالق.

و حتى يؤكد على أن الدولة هي مجموعة مؤسسات و قوانين و سياسات أوجدها الإنسان و لا يمكن أن يكون لها دين ضرب لهم مثل بسيط ضاحكاً قائلاً :هل رأيتم دولة تذهب إلى صلاة الجمعة أو الكنسية يوم الأحد؟ ، أو تذهب للحج؟ أو حتى تحاسب يوم القيامة؟لا، الإنسان هو من يحاسب على أعماله ، و كل هذا الشرح المبسط هو بهدف التأكيد علي أن الدولة لا يمكن أن تحمل طابعاً دينياً حتى لا نفرق بين الناس و مكونات الشعب المختلفة بناءاً على الدين.

كما أنه في نفس الفيديو أكد على أن العروبة ليست في خطر كما يدعي نظام الإنقاذ و أتباعهم ، لأن العروبة هي جزء من ثقافات السودان المتعددة، و هو ينظر إلى التعدد و التنوع كنوع من الجمال، و قوة قد تجعل من السودان أقوى دول أفريقيا، و لكن للأسف حرفوا كلامه، بدلاً من أن يحترموا هذا الشخص المتواضع البسيط الذي حاول أن يخاطب الأسرى الشماليين بلغتهم التي يفهموها و بطريقة مبسطة، حيث كان بإمكانه أن يخاطبهم باللغة الإنجليزية و يشرع في شرح العلمانية بطريقة فلسفية يستعصي عليهم فهمها ، و لكنه تواضع و من تواضع لله رفعه.

أما الفزاعه الأخري التي فشل النظام في الترويج لها هي أن أي محاولة لتغيير هذا النظام سوف تحدث تفلت أمني و يصبح السودان مثل الصومال و سوريا و اليمن... إلخ ،فالسودان من حيث الحالة الإجتماعية و التردي الإقتصادي و الجوع و الفقر و المرض و الغلاء في المعيشية فهو ليس أفضل من تلك الدول على الإطلاق، أما إحتمالية حدوث إنفلات أمني موازي لأي عملية تغيير فتاريخ السودان النضالي يثبت العكس، و للسودان تجربتين في 1985 و 1964، و كما ذكر نجل الدكتور جون قرنق السيد دي مابيور القائد البارز في الحركة الشعبية في المعارضة أن ثورة الربيع العربي بدأت في السودان في عام 1983.

و من الفزاعات ذات الطابع الإستخباري الأمني هي محاولة بث روح التكشيك بين المناضلين و الثوار في طرح سؤال من يقود هذه الإنتفاضة؟ و لماذا لم يكشفوا عن أسمائهم؟ و هناك من يريد إختطاف الثورة من المعارضة ، و لكن الشعب أصبح واعي لمثل هذا النوع من الألاعيب، و نفس هؤلاء المناضلين الذين ثاروا على الإنقاذ اذا شعروا أن هناك من يسعي لإختطاف الثورة من الجانب المعارض فلن يترددوا في النضال مرة أخرى دفاعا عن حقوقهم و لإسترداد ثورتهم.

أما إيجابيات ثورة ديسمبر السودانية و إنجازاتها و إنتصاراتها فهي لا تحصى و لا تعد منها :

_ إستمرارية المظاهرات أشعل في المواطن روح الحماس و جعله يكسر حاجز الخوف و قوى قلبه.

_إستمرارية المظاهرات جعل الأمل ينبض في صدر الجميع، و أكد على مواصلة الخطى نحو تحقيق الأمل، الأمر الذي جعل المواطن السوداني يعيش حلمه و يمضي في سبيل تحقيقه.

_ إستمرارية المظاهرات أدخلت النظام و جهاز أمنه في حالة ارتباك وعدم إستقرار داخلي، حيث إستفزت هذه الإنتفاضة الأمن الذي قابلها بالعنف المفرط، و أستخدم الرصاص الحي و انفلت من مساره، و أحدثت هذه المظاهرات إنشقاقات و إنقسامات داخل النظام، فشهدنا محاولة البعض الفر بجلده من المركب التي أوشكت على الغرق، فكان انشقاق العديد من الاحزاب التي انسخلت و كونت مؤتمرها الصحفي لتعلن تبرأها منه، حيث كانت محاولة البعض في النجأة بالنفس، و البعض الآخر فكر في إختطاف السلطة و الإستئثار بها لذاته، الأمر الذي أدى إلى تفكك داخلي غير مسبوق لكيان المؤتمر الوطني و أحدث حالة ضعف، و السياسة هي لغة " فرق تسد".

_ كما أن إستمرارية المظاهرات زاد في حالة الخوف و الرعب من المجهول التي بات يعاني منها نظام الإنقاذ و أجهزته الأمنية و مؤسساته .

_إضافة إلى أن إستمرارية المظاهرات أرهقت الجهاز الأمني، الأمر الذي جعله أيضاً يفقد السيطرة على نفسه و يستخدم العنف المفرط، الأمر الذي نتج عنه تساقط العديد من الضحايا، و في ذات الوقت جعل الثوار المناضلين يصرون على المواصلة بعد أن تأججت مشاعر الشعب الشاعر بالظلم الاجتماعي و السياسي، و هو يري استمرارية النظام و جهاز أمنه في إستبداده، و تساقط رفاقهم ضحايا الرصاص الحي كأوراق الشجر، مما زاد من عزيمتهم و إرادتهم و إصرارهم على اقتلاع حقهم و إسقاط هذا النظام.

_من جانب آخر تصريحات الأسرة الدولية و المنظمات العالمية التي جاءت مستنكرة لموقف الجهاز الأمني في إستخدام العنف المفرط و الرصاص الحي ضد المتظاهرين، هذه التصريحات الدولية المساندة للشعب جعلت موقف النظام الحقوقي و الإنساني دوليا حرج جدا ، و عززت موقف المواطن الذي قرر مواصلة التظاهر و هو على يقين أن الأنظار الدولية، و الحقوقية، و القانونية، و المنظمات و غيرها يراقبون، و يرصدون أي تحرك غير سليم من الجانب الحكومي أو الأمني.

_ ومن جهة آخر إستمرارية المظاهرات سوف تجعل النظام أمام أمرين كلاهما مر و صعب عليه إما :_ أن يلجأ كعادته مرة أخرى لإيستخدام العنف لإخماد الانتفاضة وبذلك يورط نفسه دولياً و قانونيا، و في نفس الوقت يأجج مشاعر المواطن الذي سوف يثور و ينتفض أكثر عندما يرى مرة أخرى أفراد الشعب يتساقطون كأوراق الشجر والدماء تراق.
_ أو يلجأ إلى حل آخر هو: عدم إستخدام الأمن للعنف، و إن فعلها يكون الشعب هو الرابح حيث يضمن سلامة روحه خلال الإنتفاضة و عندها يرفع سقف المقاومة، و تتزايد الجموع في الخروج، و يصبح الإحتشاد أكبر عددا، و تصبح أهداف المظاهرة أكثر تأثيرا، و يقصد الشعب مناطق إستراتيجية القصر الجمهوري رأسا ، الإذاعة... إلخ ، جميع المناطق الحساسه.

و بناءاً على ما ورد ذكره في هذا المقال فأن إنتفاضة ديسمبر السودانية حتي و أن لم تسقط النظام الآن حاليا فهي ناجحه بكل المقاييس، و فتحت الباب على مصرعيه أمام التغيير القادم لا محال.


عبير المجمر (سويكت)
13/0/2019



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن