الرئيسُ يصفعُ الطائفيةَ ... بكاتدرائية ومسجد

فاطمة ناعوت
f.naoot@hotmail.com

2019 / 1 / 12

سأقولُ يومًا لأطفالي وأطفال أطفالي إنني شهدتُ لحظةً فريدةً من تاريخ بلادي. صفحةٌ أسطوريّةٌ في كتاب مصرَ العريق، سأظلُّ أحكي للسنوات والأيام أنني كنتُ شاهدةً على كتابتها سطرًا سطرًا وحرفًا حرفا. سواعدُ مصريةٌ، لا تعرفُ أيُّها مسلمٌ وأيُّها مسيحيٌّ، تشابكتْ وتضافرتْ في أوركسترا هندسيٍّ وفنيٍّ وعُمّاليٍّ مدهش، يسابقُ عقاربَ الزمن، ليعزفَ على مدار عامٍ كامل، واحدةً من أعظم أنشودات مصرَ الحديثة. مسجدٌ أعظمُ، وكاتدرائيةٌ عُظمى، قرّر الرئيسُ عبد الفتاح السيسي، أن يُعطي بهما درسًا قاسيًا لشبح الطائفية الذي يُحلّقُ في ظلال العتمة، ويخفق، مرّةً تلو مرّة، في الهبوط على أرضنا لينهشَ قلبَ مصرَ الآمنَ، رغم محاولاته الدؤوب سنواتٍ وسنوات. وبالأمس، كان الصرحان الهائلان يقفان في وجه الزمان هرمين أشمّين يهزمان العِدى الحاقدين، ويُقصُّ شريطيهما في يوم مقدس، يوافق ميلادَ السيد المسيح عليه وعلى أمّه السلام.
قبل عامٍ من الآن، ضُرب مِعولٌ مثقفٌ في أرض مصرَ الطيبة، ليحفرَ في قلبها فجوةً تحتضنُ أساساتِ مسجد هائل. وفي الجوار كان مِعولٌ مثقفٌ آخرُ يضربُ، في اللحظة ذاتها، بقعةً مجاورة لتضمَّ أساساتِ كاتدرائية شاهقة. اجتمعتْ عقولٌ نيّرةٌ من مهندسي الهيئة الهندسية للقوات المسلّحة يخطّون على أوراق الرسم تصاميمَ واسكتشاتٍ لمساقطَ أفقيةٍ وقطاعاتٍ رأسيةٍ ومناظيرَ مجسّمةٍ لدارين كريمتين من دور العبادة، لأبناء مصرَ الطيبة، المسلمين والمسيحيين. وانتشرتْ سواعدُ رجالٍ وطنيين يحملون في صدورهم قلبَ مصرَ النابضَ بالحُنوّ، راحوا يُشيّدون الصرحين معًا. وبدأ الصرحانِ يعلوان معًا يومًا بعد يوم. حجرٌ فوق حجر، وعمودٌ جوار عمود، وكمرةٌ في مقابل كمرة، وحائطٌ جوار حائطٍ، وسقفٌ في مواجهة سقفٍ. هنا مِئذنةٌ تحملُ هلالَها، وهنا منارةٌ تحملُ صليبَها. هنا مِحرابٌ منقوشٌ عليه آياتٌ من القرآن الكريم، وهنا مذبحٌ محفورٌ عليه آياتٌ من الكتاب المقدس. هنا ترانيمُ تناجي اللهَ عند العرش العظيم، وهنا تواشيحُ تذكرُ اسمَ الله الأكبر. هنا شفاهٌ تُمجّدُ لحظة "ميلاد المسيح" رسول السلام، عليه وعلى أمّه السلام، وهنا شفاهٌ تُعظّم اسم "الفتّاح العليم"، وتُصلّي على الرسول الكريم. هنا قلوبٌ عامرةٌ بآيات القرآن، وهنا قلوبٌ عامرةٌ بآيات الإنجيل، وفوق الجميع اللهُ الأكبرُ القدّوسُ في علياء العُلا، يكتبُ في لوحه السماويّ: “ادخلوا مِصرَ إن شاءَ اللهُ آمنين، مباركٌ شعبي مصرَ.” وكانت لحظةُ الافتتاح الواحدة عشيةَ عيد الميلاد المجيد 6 يناير 2019، التي أباهي بها الزمانَ إذْ حضرتُها وشهدتُها رأي العين، وليس قراءةً في كتاب التاريخ.
هنا فضيلةُ إمام الأزهر الشريف يُدشِّن الكاتدرائيةَ، وهنا قداسةُ البابا المعظّم يُدشّنُ المسجد، وبينهما رئيسُ مصرَ المستنيرُ الذي صنع لمصرَ لحظةً تاريخية لا تتكرّرُ، صفعت وجهَ الطائفية صفعةً نجلاءَ قاسية.
القصةُ أبعدُ كثيرًا من حكاية مسجد هائل، وكاتدرائية هي الأكبر على مستوى الشرق الأوسط، يُشيّدانِ على أرض مصر في لحظة صعبة نحاول فيها أن نقفَ على أقدامنا بعد وعكاتٍ اقتصادية مُرّة وثورات أهلكت بلادنا. القصةُ أبعدُ من الشكليات والأبنية والمآذن والأجراس وساحاتٍ للمُصلّين على اختلاف عقائدهم. القصةُ تكمنُ في الرسالة الحاسمة التي أراد الرئيسُ عبد الفتاح السيسي أن يُرسلها إلى العالم أجمع بوجه عام، وإلى صوت الإرهاب النشاز والمتطرفين على وجه الخصوص. الرئيسُ يقولُ على لسان مصر: "مصرُ للمصريين كافّة، دون تفرقة بين مسلم ومسيحي. حريةُ العبادة مكفولةٌ للجميع دون قيد أو شرط بأمر الدستور وأمر القانون وأمر السماء. هدّمتم للمسيحيين كنائسَ وفجّرتم مذابحَ وقتلتم مسيحيين مسالمين، فشيّدتُ لهم أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط نُباهي بها الدنيا حين تُقرعُ فيها أجراسُ السلام. فجّرتم مسجدًا صوفيًّا وقتلتم مُصلّين مسلمين مسالمين، فشيّدت مسجدًا هائلاً ينطقُ بالرحمة والعدل والسلام. هنا رسالةٌ حاسمةٌ وشديدةُ اللهجة ترسلها مصرُ إلى العالم ببناء هذين الصرحين الشاهقين في لحظة واحدة وافتتاحهما في لحظة واحدة. كاتدرائية “ميلاد المسيح”، ومسجد “الفتاح العليم”.
وأردّدُ الآن كلمات الفنان والشاعر الفطري "صلاح عبد الله": يامصر/ ‏رغم الفتاوي المؤسفة/ والعُبوات الناسفة/ ‏والعقول السودا الحَقودة المقرفة/ ‏شربتي من كاس الهنا/ بالهنا والشِفا/ ‏وحرقتي قلب اللي كان حلمه/ تنامي مأريفة/ ‏في وقفة عيدك المجيد وإنتي واقفة مُشرِفة/ ‏لما المسجد حضن الكنيسة/ في لحظة حلوة مُشرِّفة.”
والشكرُ موصولٌ لكلِّ من يحبُّ الوطن. ذاك أن:“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”
***



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن