الشِعر فن استدعاء التأويل

حسن عجمي
hassanajami25@yahoo.com

2019 / 1 / 11

الشِعر فن استدعاء تأويل المعاني بينما النثر فن استدعاء تفسير المعنى. بذلك يختلف الشِعر عن النثر باختلاف التأويل عن التفسير و يتحدان في آن في استنتاج المعنى الذي يعتمد عليه التأويل و التفسير معاً.

تأويل النص استنتاج معانيه من خلال نصوص و سياقات أخرى مختلفة عن النص المقصود أن يُفهَم رغم ارتباطها به. في التأويل لا يُفهَم النص سوى من خلال نصوص أخرى لأنَّ النص يحتويها و يتضمنها. إن أخذنا أعمق الأشعار فسنجدها تستدعي تأويل معانيها ما يدلّ على أنَّ الشِعر فن استدعاء التأويل. و إن أخذنا أبسط الأشعار فسنجدها أيضاً تستدعي تأويل ما احتوت من معانٍ ما يشير لا محالة إلى أنَّ الشِعر فن استدعاء تأويل المعنى.

من أعمق الأشعار العربية ما يقوله الشاعر و الفيلسوف و الصوفي الكبير إبن عربي : "لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ / فمرعىً لغزلانٍ و ديرٌ لرهبانِ / و بيتٌ لأوثانٍ و كعبةُ طائفٍ / و ألواحُ توراةٍ و مصحفُ قرآنِ / أدينُ بدينِ الحُبِّ أنّى توجّهت / ركائبُهُ فالحُبُّ ديني و إيماني". من غير الممكن فهم هذه الأبيات الشِعرية الراقية من دون الاعتماد على التأويل أي أنها لا تُحلَّل و لا تُفهَم سوى من خلال سياقات أخرى و تحديداً سياق الفلسفة الإغريقية و سياق الفلسفة الإنسانوية القائلة بوحدة الإنسانية و وحدة الأديان و الثقافات و الوجود.

قلب إبن عربي يقبل كلَّ صورة من صُوَر الكون التي على ضوئها يتكوّن الكون و يوجد كما في الفلسفة الإغريقية لدى أفلاطون و أرسطو. و في هذه الفلسفة الإغريقية و تحديداً لدى الفيلسوف أرسطو حين يقبل القلب أو العقل صُوَر الموجودات يتحد معها. من هذا المنظور , حين يقبل قلب إبن عربي صُوَر كل الموجودات يتحد معها فيتحد مع كل الموجودات لأنَّ صُوَرها هي ماهياتها التي تكوِّنها. على هذا الأساس , يتحد قلب إبن عربي مع كل الموجودات و ماهيات الظواهر و منها الأديان كافة و ظواهر الطبيعة ما يُعبِّر عن وحدة الأديان و وحدة الكون و ظواهره.

لا تتحقق وحدة الكون و ظواهره الطبيعية و الدينية و العقائدية لدى إبن عربي سوى من خلال أن يكون الحُبّ هو الدين و الإيمان. فالحُبّ كدين و إيمان يدفع نحو قبول كل صورة أي كل موجود و ظاهرة ككل دين و إنسان ما يُحتِّم اتحاد النفس البشرية مع كل الموجودات و الظواهر الدينية و الإنسانية و الطبيعية. هكذا قصيدة إبن عربي تستدعي التأويل المعتمد على سياقات متنوّعة منها سياق الفلسفة الإغريقية و السياق الفلسفي الإنسانوي الذي مفاده أنَّ الأديان في جوهرها دين واحد و أنَّ الظواهر الطبيعية (كالوجود الإنساني و مراعي الغزلان) في جوهرها أيضاً هي كينونة واحدة لا تتجزأ. على هذا الأساس , الشِعر فن استدعاء التأويل.

أما إذا قرأنا ما قد يكون أبسط الأشعار فسنجدها أيضاً تستدعي التأويل. مثل ذلك ما يقول الشاعر الكبير محمود درويش في قصيدته "إلى أمي" : "أحنُّ إلى خبز أمي / و قهوة أمي / و لمسة أمي / و تكبر فيَّ الطفولة / يوماً على صدرِ يومِ / و أعشقُ عمري لأني / إذا متُ , / أخجلُ من دمعِ أمي". تتقلب هذه اللمحات الشِعرية بين بساطة مشاعرية و فكرية و عمق مشاعري و فكري معاً ما يستلزم تأويلها من خارج سياقها (أي من خلال ما وراء كلماتها و جُمَلها و دلالاتها الحرفية). مثل ذلك تأويلها على أنها تتضمن أنَّ الأُمّ مصدر الحياة و استمراريتها فالأمّ رمز الوطن و الحرية و الحياة فحنين الشاعر إلى أمه حنين إلى الوطن الغائب و الحياة المرجوة و الحرية الحقة.

هنا تمّ تأويل نص درويش الشِعري على ضوء سياقات مختلفة عن سياق نصه الأصلي كسياق خطاب المقاومة الهادف إلى تحرير أرض فلسطين. و من دون هذا التأويل يفقد هذا النص الشِعري بُعداً أساسياً من أبعاد معانيه و مقاصده ألا و هو بُعد الحنين إلى الوطن. و بذلك نصه الشِعري يستدعي التأويل المعتمد على سياقات أخرى مغايرة لسياق كلامه الحرفي. فحنين الشاعر إلى أمه لا يُفهَم بلا سياق قهر العدو للشاعر و تفرقته عن أمه و وطنه.

يستدعي نص درويش أيضاً التأويل على أساس سياق العلوم الأدبية النقدية لأنَّ بساطة هذا النص الشِعري تتضمن رفض البلاغة المخادعة و الفصاحة الكاذبة لتجنب نصه آليات الكتابة الماضوية المعتمدة على استخدام كلمات رنانة و طنانة و نظم عبارات تتصف بالمُحسِّنات اللغوية الماضوية. هكذا لا بدّ من تأويل نص درويش أيضاً على أنه نقد للبلاغة التقليدية و الفصاحة القاتلة للمشاعر الحقيقية. من هنا يقول درويش ضمنياً إنَّ الشِعر لا يحتاج إلى فصاحة الكلمات و بلاغة العبارات لكي يكون شِعراً راقياً بل بساطة التعبير الشِعري عن مشاعرنا و أفكارنا اليومية المعاشة حقاً أرقى من سجون فصاحة اللامُعاش و بلاغة اللامشعور به.

أما التفسير فهو فهم النص أي استنتاج معانيه من خلال سياق النص نفسه و ليس من خلال سياقات و نصوص أخرى. لذلك يُعنَى التفسير بإظهار المعاني الحرفية الظاهرة للنص و ما يتضمن من نتائج فكرية و مشاعرية. فإن أخذنا النثر فسنجده يستدعي التفسير بدلاً من التأويل لأنَّ النثر (أكان قصة قصيرة أو رواية إلخ) يفيض بتفاصيل موزّعة في سياقه ما يجعل تلك التفاصيل أساسية في فهم معاني النص و مقاصده و ما يُحتِّم بدوره الاعتماد عليها في استخراج المعاني. من هنا النثر فن استدعاء التفسير.

مثل ذلك أنَّ القصة القصيرة للقاص و الروائي الكبير نجيب محفوظ "الحاوي سَرَقَ الطبق" ترينا فشل الصبي في كل عمل أراد القيام به و من ضمنها أبسط الأعمال كشراء الفول و العودة إلى البيت. هذا الصبي يفشل في كل عمل و فعل لأنه غير قادر على استخدام اللغة بشكل إيضاحي رغم أنه سويّ عقلياً و جسدياً. كما أنه يعرف لغته العربية و كلماتها لكنه عاجز عن الإيضاح من خلالها كعدم مقدرته على أن يُعبِّر إن كان يريد فولاً فقط أم فولاً مع زيت. لا تُفهَم هذه القصة إلا من خلال سياقها ألا و هو سياق وجود هذا الصبي في ثقافة عربية تعاني من فشل التواصل فتنهار بانهيار المقدرة على التواصل. فإن حاولنا فهم هذه القصة من منظور سياقات أخرى غير سياقها بالذات (كسياق الفلسفة الإغريقية مثلاً أو سياق التصوّف إلخ) فنكون حينئذٍ قد فرضنا على هذا النص النثري معانٍ لا يحتويها ما يعارض التفكير الموضوعي و المنطقي. لذلك لا يُفهَم هذا النص النثري سوى بفضل سياقه بالذات. من هنا النثر لا يُفهَم و لا تُستخرَج معانيه سوى من خلال سياقه. و بذلك النثر فن استدعاء التفسير أي فن استدعاء تفسير المعاني على ضوء سياق النص نفسه.

بما أنَّ الشِعر فن استدعاء التأويل بينما النثر فن استدعاء التفسير , إذن الشِعر و النثر يختلفان باختلاف التأويل و التفسير رغم أنهما يتحدان في كونهما فنون استخراج المعاني و استنتاجها. فهُما يختلفان في منهجية و كيفية استنتاج المعاني فالشِعر يطالبنا بمنهجية التأويل بينما النثر يطالبنا بمنهجية التفسير. لكنهما يتفقان و يتواصلان و يتحدان في كونهما فن الدعوة إلى استنتاج المعاني.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن