دين الدولة

عبدالجبار الرفاعي
qahtanee@gmail.com

2019 / 1 / 10

يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين: " أقول بدولةٍ مدنيّة أي دولةٍ بلا دين، وهذا لا يعني مواطنين بلا دين أو مُجتمعاً بلا دين، وإنَّما أعني دولة وسلطات حاكمة بلا دين، فأنا أميِّز في فقهي السياسيّ بين اعتبارين للمجتمع: الاعتبار الأهليّ ـ المدنيّ، والاعتبار السياسيّ. المجتمع الأهليّ أو المدنيّ لا علاقة لـه ببنية الدولة؛ حيث يحتضنُ المشاريعَ الثقافيّة لجميع أبنائه ويحتضن هذه التنّوعات. هذا المجتمع هو باعتبارٍ آخر مجتمعٌ سياسي، نظّمَ نفسه في مؤسّسةٍ كبرى لإدارة شؤون حياته وتطويرها، هي مؤسّسة الدولة. بهذا المعنى تستطيع كلُّ مؤسّسات الدولة أن تقوم بمهامِّها على أكمل وجهٍ، بصرف النظر عن دين من يتولاها".

حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات وتأويلات وشروح وقراءات النصّ الأول"، أو ما نعبّر عنه بـ"التراث الإسلامي" مثل: التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف... وغيرها، وثالثةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى تمثّلاتِ الإسلامِ العملية وتجسيدِه في الواقع في مسيرته الطويلة، بوصفه تجربةً بشريةً تفاعلتْ مع المعطيات المتنوّعة لكلّ عصر، وتشكّلت تبعًا لثقافاتِ الشعوبِ المختلفة، وأنماطِ عيش المجتمعاتِ المتنوّعة عبر التاريخ، وتجلياتِ حضارات المجتمعات التي آمنت بالإسلام.
الصنفان الثاني والثالث من الإسلام تشكّلا بحسب طبائعِ وأحوالِ وثقافاتِ المجتمعات التي دخلت الإسلام، ما يعني أن الإسلامَ وأيَّ دين آخر لا يتحقّق إلّا في التاريخ، فليست هناك ديانةٌ عابرةٌ للزمانِ والمكانِ وطبائعِ البشر ودرجةِ تمدّنِ الإنسان، وليست هناك ديانةٌ تتحقّق في الحياة خارجَ التاريخِ البشري وصيروتِه ومشروطياتِه، وليس هناك دينٌ بلا تديّن أو تديّنٌ بلا دين. حركةُ التاريخ بطبيعتها لا تكفّ عن الصيرورةِ والتحوّل والتبدّل، وتحقّقُ الإسلام في التاريخ يعني الصيرورةَ والتحوّلَ والتبدّلَ في أنماطِ تمثّلاتِ الإسلامِ وتجلياتِه في حياةِ المجتمعات.
لا يميز كثيرٌ من أتباعِ الجماعاتِ الدينيةِ بين إسلامِ الوحي، وإسلامِ التراث، وإسلامِ تجارب المسلمين عبر التاريخ، على الرغم من أن إسلامَ التراث وإسلامَ تجارب المسلمين لم يتحقّق بهما إسلامُ الوحي على الدوام، بل أحيانًا يكونُ إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين ضدًّا لإسلامِ الوحي في المفهوماتِ والممارسات والمواقف. إسلامُ التراث وإسلامُ تجارب المسلمين ينطقان باسمِ كلِّ ملابسات التاريخ ومقولاتِه وإكراهاته وصراعاتِه. إسلامُ الوحي هو إسلامُ النبي محمد (ص) والقرآن الكريم، هو إسلامٌ يمتلكُ طاقاتٍ روحية وأخلاقية مُلهمة للمسلم في كلّ زمان لو تبصّرها المسلمُ بدراية في ضوء الأفق التاريخي لعصره. إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين هما إسلامان تحقّقا في التاريخ، ما يعني أن دولةَ المسلمين في الماضي كانت ناطقةً باسمِ تاريخ الإسلام السياسي، الذي تمثّلَ شكلُ الدولة فيه بالدولةِ السلطانية ودولةِ الخلافة، وهي تختلف كليًا عن الدولةِ الحديثة.
أما مثالُ الدولةِ الدينية الذي تحيل إليه أدبياتُ الجماعات الدينية فنجده يستأنف دولةَ المسلمين في التاريخ. علمًا أن دولةَ المسلمين، منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى إلغاءِ أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924، لم تتشكّل وتتأطر وتتّسع وتتقلّص في أفق النصِّ المقدّس، أي إنها كانت دولةً دنيوية أنتجها البشرُ، ولم تكن مشتقّةً من النصّ. لم تكن دولةً إلهيةً ربّانيةً، ولم يكن حضورُ الدين وتشريعاتُه ومنظومتُه القيمية لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، سوى طلاءٍ خارجي باهتٍ وقشورٍ واهيةٍ، لصياغةِ رسومِ دار الخلافة، وتلوينِ بروتوكولات قصورِ الخلفاء والأمراءِ والسلاطين. كلُّ من يتأملُ الحضورَ الشكلي للدين في سلطة الخلفاء والسلاطين يجدُ تضادًا بين دين السلطة ودين الناس. وكلُّ من يقرأ تجربةَ السلطة في تاريخ الإسلام لا يرى تطابقًا بين الدين والدولة، بل يجدُ المجالَ السياسي على الضدّ من المجال الديني بمضمونه الروحي والأخلاقي.
إذًا، لم يكن مضمونُ دولةِ المسلمين إسلاميًا، بمعنى إسلام الوحي، في ظلِّ الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، والأمراء في دويلات المسلمين كما تدّعي بعضُ أدبيات الجماعات الدينية. ولم تكن مدوناتُ "الأحكام السلطانية" سوى مفاهيم وآراء وفتاوى أكثرها صدىً لمخيلة فقهاءَ ورجالِ دينٍ وكتّابِ سلاطين، لم يبتعدوا عن فضاءِ قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ وبلاطِ السلاطين. وهي في الأعمِّ الغالب لا تعدو أن تكونَ تسويغاتٍ تضفي المشروعيةَ على ما هو كائنٌ ومتحقِّق من تدبيراتٍ وقراراتٍ وبروتوكولاتٍ ورسومٍ في دارِ الخلافة، وفرماناتِ قصورِ السلطنة. لذلك لا يصحُّ نعتُها بالإسلامية إلّا بوصفها وُلدتْ في سياقاتِ إسلامية.
وإن كان نموذجُ الجماعاتِ الدينية الذي تحلُم به، وتتحدّت عنه، وتبشّر به، هو تجربةُ دولةِ الأنبياء، فلا دليل تاريخيًا على قيامِ دولةٍ على يد نبي قبل الإسلام، لا دليلَ في الكتاب الكريم على ذلك، وما قد يفهم من قصة النبي سليمان في القرآن من وجود دولة، فهو ليس دولةً بالمعنى الذي عرفه تاريخُ الدولة بوصفها ظاهرةً مجتمعية أنتجها البشر، لأن القرآنَ تحدّث عن دعاء سليمان أن يهب له الرب "مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي" ، وهو مُلْك يدير شيئًا من شؤونه "عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ" ، ومن الواضح أن القرآنَ هنا لا يتحدّث عن دولة بالمعنى السياسي للدولة المتزامن مع لحظة مُلْك سليمان. ولعل في مدلول "المُلْك" هنا إشارةً إلى معنى رمزي يؤشر إلى هالة وسطوةٍ روحية عظمى لسليمان، تحقّقتْ من خلال النبوة، وما ورثه من مكانة معنوية كبيرة من أبيه داود، وهو ما وضعه في مقامٍ استثنائي فرض على الكلّ احترامَه وتبجيلَه، بنحوٍ صار فيه حتى من لا يعرفه ينصاع لسطوته، بعد أن ينكشف له ما يمتلكه من هالةٍ روحيةٍ وسطوة معنويةٍ كبرى.
كما أن مصطلحَ "الحكم" الوارد في الآيات الأخرى في القرآن، وهي: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ، يدل على الحكم في القضاء، ولا يدل على الحكومة والسلطة السياسية بالمعنى المتداول اليوم باللغة العربية، كما تكشف عنه دلالةُ الآيات الوارد في سياقها. مضافًا إلى أن هذه الآيات تخاطب أهل الكتاب خاصة، لذلك تدعوهم للتمسك بحكم التواراةَ والانجيل، ولم ترد أيةُ إشارة في سياقها للمسلمين أو كتابِهم القرآن . لكن بعضَ كتّاب أدبيات الجماعات الدينية أسقط المعنى المتأخر للحكم على مصطلح "حكم" الوارد في تلك الآيات باشتقاقاته المختلفة: "حَكَمَ، يحْكُمُ، حاكِم، يحكمون، حاكمين، حُكْم"، والذي تكرر وروده 108 مائة وثمانية مرات، ولم أفهم من سياق استعمالاته في مختلف الموارد انه يستعمل بمعنى الحكومة والسلطة السياسية. وقد تتبعتُ استعمالاتِ كلمة "الحُكْم" في عصر البعثة، فوجدتُها مستعملةً في القضاء وفصل النزاعات، "قَضَى يَقضي قَضاءً وقَضيّةً أي حَكَمَ"، "وَالْحَاكِم هُنَا هُوَ الَّذِي يتولَّى فصْل قَضاياهم بأَحكامه" . وكانت كلمةُ "المُلك" هي ما يستعمل بالمعنى السياسي.
أما القول بأن فكرةَ الدولة ظاهرةٌ نبويةٌ فلا تؤكّدها الوثائق، ولا الدراساتُ المتنوعةُ حول نشأة الدولة وتطورها عبر التاريخ، إذ إنها تكشف عن أن نشوءَ الدولة سببه تعقيدُ الحياة الاجتماعية، وصراعاتُ السلطة والثروة بين البشر، وحاجاتُهم إلى تنظيم عملية الانتاج وإدارة التوزيع. وبعبارة أخرى: إن البشرَ لم يتعرفوا على الدولة من خلال الأنبياء، كما هو الحال مثلًا مع مفهوم التوحيد، فقد ظهر الأنبياءُ داخل مجتمعات بلا دولة، أو في مجتمعات تحكمها دولة. وسياقُ الآيات القرآنية واضحٌ بشأن هذه القضية؛ إذ أعلن بعضُ الأنبياء دعواتِهم داخل تجمعات مدينية عرفت الدولةَ وعاشت في ظلّ أنظمة سياسية قبل دعواتهم .
دولةُ الخلافة والسلطنة في التاريخ، فإنها ليست معبّرةً عن المضمونِ الروحيّ والأخلاقيّ للقرآن الكريم، بل إن تجربةَ الخلافةِ الأموية والعباسية والعثمانية تضجّ بالانتهاكات المثيرة للقيمِ الأخلاقيةِ والمضامينِ الروحية في القرآن، كما يحدّثنا عن ذلك التاريخُ المنسيّ للمضطَهدين في تاريخِنا، الذين كانوا ضحيةَ قمعٍ وتنكيلٍ وانتهاكٍ مريع للكرامة أمثال: الثوّارِ الأحرار، والسبايا، والرقيق، والذمّيين، واستخدامِ الأساليب المخجلة في بيع البشر وشرائهم في أسواقِ النخاسة، والمعاملةِ غير الانسانية للرقيقِ والإماءِ، وشرهِ أكثر الخلفاء بالجواري، إذ يذكر بعضُ المؤرخين أن خليفةً واحدًا هو المتوكّل من خلفاء بني العباس كان يمتلك 4000 جاريةٍ . فكيف يعبّر ذلك عن رسالةٍ تنشد حمايةَ الكرامة البشرية، وبناءَ حياة روحية وأخلاقية وجمالية سامية.

الهوامش:
«قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ». سورة ص، 35.

"فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ". سبأ، 14. "قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ". النمل، 39. "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ". النمل، 17

"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". المائدة، 44. "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". المائدة، 45."وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". المائدة، 47.
لقد جاء الحكم في سياق حكاية الآيات عمَّا ورد في التوراة والانجيل، والأمر أن يفصل أهلُ التوراة نزاعاتهم بما ورد فيها من أحكام، وهكذا يفصل أهل الانجيل بما ورد فيه: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". المائدة، 44 – 47.

وجاء في كتاب العين للفراهيدي: "قَضَى يَقضي قَضاءً وقَضيّةً أي حكم"، ج5: ص 185. وفي لسان العرب لابن منظور: "وَالْحَاكِم هُنَا هُوَ الَّذِي يتولَّى فصْل قَضاياهم بأَحكامه"، ج7: ص 279
عبدالجبار الرفاعي. إنقاذ النزعة الانسانية في الدين. ص 172.

"ويقال إنه كان للمتوكل أربعة آلاف سرية وطئهن كلهنَّ". مروج الذهب للمسعودي، تحقيق: قاسم الشماعي الرفاعي، مج 4: ص 116



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن