عودة إلى عالم الصور

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2019 / 1 / 5

إذا كانت هناك خاصية أو علامة تميز هذا العصر المحترق والدامي الذي نعيشه منذ أكثر من قرن، فلا يمكن أن تكون هذه الميزة شيئا آخر غير "الصورة" وانتشارها بطريقة وبائية في كل أرجاء المعمورة. طوفان من الصور في كل ركن وكل زاوية وفي كل شبر من الكرة الأرضية، لا يمكن للإنسان أن يهرب من هذه الملايين من الصور التي تلاحقه في كل مكان وفي كل دقيقة من وجوده. ورغم هذا التضخم المرعب في كمية الصور المطبوعة على الورق أوعلى المغلفات البلاستيكية أو الكرتوني للمواد الإستهلاكية المختلفة، أو التي تبثها الشاشات الألكترونية المتعددة، أو الصور الفنية في المتاحف والمعارض المختلفة إلخ، فإن هذه الصور لها حياة قصيرة الأمد ومحدودة في الذاكرة، وعادة ما تختفي بعد وقت قصير لتحل محلها صور أخرى .. وهكذا. وهذا من أحد الأسباب الذي يجعلنا لا نصدق تأتير "الدعاية - والإشهار" الوهمي على المواطن، فنحن لا نصدق أن المواطن مهما كان خفيف العقل سيشتري سيارته لأنه رأى صورة هذه السيارة على الجدران أو في ممرات المترو أو على صفحات المجلات. إن الدعاية حرفة تجارية موجهة أساسا للشركات الكبرى التي تتنافس فيما بينها لنشر إسمها وماركتها التجارية، وإحتلال أكبر ما يمكن من الفضاء الإعلامي، ولكن تأثيرها على المستهلك لم تثبته أية دراسة علمية جادة حتى الآن. ومع ذلك، في بعض الأحيان وتحت ظروف خاصة، هناك صور عنيدة، تجتاز الزمن وتتحدى السنوات وتتشبت بمخالبها في الذاكرة، وتبقى حية تتململ في الذهن طوال سنوات عديدة دون أن ينالها أي نوع من الضعف أو الخفوت ولا تبهت أو تفقد بريقها مع مرور الأيام. وهذه الصور قد تكون صورة فنية، كلوحة الموناليزا مثلا لليوناردو دا فنشي أو عباد الشمس أو حذاء الفلاح لفان غوخ، أو غيرنيكا لبيكاسو أو الصرخة لإدفارد مونش، ولكن يمكن أن تكون صورا شعرية أو روائية أو موسيقية، أو سينمائية إلخ، وهو ما يسمى عادة بروائع الفن. ولكن يمكن أن تكون الصورة مجرد صورة عائلية أو منظر طبيعي، أو ذكرى أو حتى حلم التصق بالذاكرة ويعود من حين لآخر للظهور.
وقد أعلنت الأديان الحرب على الصورة والتصوير منذ البداية، بدون مبرر حقيقي، والمفارقة الكبرى أنها لم تشمل الأحلام في هذه الإدانة، بل اعتبرت الأحلام كمصدر من مصادر الإلهام الإلهي وكمصدر لقوة الأنبياء. وذلك بإعتبار الصورة والحكم عليها من منظور المقارنة بينها وبين ما تمثله، دون أن يتمكنوا من فهم العلاقة بينالصورة والمخيلة والخيال المبدع للإنسان. فاليهود الذين الذين كانوا ينتظرون في صحراء سيناء القاحلة عودة موسى من جبل الطور، والذين انتابهم القلق والخوف، طلبوا من هارون أن يصنع لهم إلها يرونه ويسجدون أمامه، لم يكفروا بإلههم القديم ولم يعبدوا العجل الذهبي الذي صنعه لهم هارون من أقراطهم وأساورهم وحليهم، وإنما كانوا يتوجهون إلى الله من خلال هذا الرمز الذي يضعونه أمامهم. الإنسان يحتاج إلى خارطة لممارسة طقوسه الدينية، يحتاج إلى علامات وإشارات تهديه الطريق، فهو لا يستطيع أن يرى في العتمة والظلام المطلق. وتحريم موسى للتماثيل لا معنى له على الإطلاق لأن المؤمن سيجد شيئا آخر يلصق به إيمانه، فهو يحتاج إلى الرموز. وقد خلقت كل الديانات رموزا مماثلة للتماثيل والأصنام القديمة، ولا توجد ديانة تمارس في الفراغ التجريدي المطلق. وفد تم تحريم التصوير في الاسلام أيضا نقلا عن اليهود، والذي توضح منذ عهد المتوكل العباسي، ويعتمد أساسا على عدة احاديث، يؤكد العديد من الفقهاء ومنهم النوري صحتها، ومنها قول محمد لزوجته عائشة: "يعذب المصورون يوم القيامة". يرى ابو علي القاري مثلا ان هذا الحديث يتجه إلى منع تصوير الله تصوير الاجساد، وان الحديث يجب فهمه على هذا النحو: "يعذب المصورون الذين يصورون الله تصوير الاجساد"، بالإضافة أن التصوير في ذلك الوقت كان يتعلق بصناعة التماثيل أكثر من الرسم. ورغم تعدد التفسيرات وتناقضها فإن التحريم ظل ساري المفعول في بعض "العقول"، وهذا التحريم قد لعب دورا كبيرا في عدم الاهتمام بالتصوير أو الرسم والفنون التشبيهية، والانصراف كلية إلى الفن التجريدي والفنون اللغوية. غير ان هذا التحريم ـ مهما كانت اسبابه ـ لا يرتكز على اية فكرة فلسفية، وانما يرتكز اساسا على تحريم عملية ـ الخلق والإبداع ـ على الانسان، لأن الله وحده هو الخالق والمبدع، وهي فكرة دينية محضة، ولا مجال للنقاش فيها. بينما افلاطون حاول بطريقة عقلية ان يحدد بوضوح بان العمل الفني هو عمل خيالي، ولهذا السبب فهو غير متفق مع واقع الاشياء، وانه يضيع البشر في متاهات وهمية مضرة بالمجتمع، بالإضافة إلى أن مفهوم الصورة لديه كان أوسع ويشمل الصور الشعرية والملحمية والمسرح والرقص إلخ.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن