الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 1

دلور ميقري
dilor7@hotmail.com

2018 / 12 / 17

يهيمُ عادةً لوقتٍ ما، مَديداً أو مُبتسراً، فيذرع الكورنيش في حركة ذهاب وإياب، قبل أن تسجل ساعة هاتفه المحمول الرقمَ المطلوب. خطواته أيضاً، تكون عندئذٍ قد تناهت إلى المكان المحدد للقائه ب.. ( كاد أن يقدمها بصفة الحبيبة! ) المرأة الصغيرة. يلجُ المقهى العصريّ عبرَ مدخله المربع الشكل، الموحي بالأناقة والفخامة، ثم يختار طاولة فارغة مركونة بإزاء الواجهة الزجاجية، المشرفة على الكورنيش. في فترة الظهيرة هذه، يكون المكان مقفراً تقريباً من الرواد، وغالبيتهم من الأوروبيين، الذين يستغلون الوقتَ في الاستجمام قبل ساعة الأصيل. فإنّ الصويرة ( مدينة الرياح العاتية ) معروفة بطقسٍ فريد، يميل إلى البرودة صيفاً؛ أيْ في الوقت نفسه، حين يكون فيه ساكنو مركز إقليمها، مراكش، مشتعلة أجسادهم بحرارة الشمس.
" ماذا يكون حالُ لويزة، الآنَ؟ "
لعله طرحَ هكذا سؤال على نفسه مرات عدة، مذ وصوله للمدينة البيضاء قبل حوالي عشرة أيام. المرأة الصغيرة، المتأثل طبعها المكر والبراءة معاً، كانت قد استبقت سؤاله أول مرة حينَ باحت له بمعلومة غريبة: " هل ستصدقني، لو قلتُ أنها تمضي الوقت في فراش زوجي؟ بلى، إنها تعشقه مذ أن كانت بعدُ في عُمر المراهقة. شعوره بالإثم، دفعه فترةً لإطالة لحيته ولزوم المسجد بعيد العودة من العمل. وهذا سببُ سعيه للزواج، في حقيقة الحال، بعدما كان قد زهد فيه على أثر تجربة مع فتاة أخرى، كادت أن تسلمه للخلل العقلي ". كانا آنئذٍ قد فرغا من لعبة الجسد، المقتنصة في غفلة عن الآخرين، كي يستأنفا جدل العقل. يتعيّن التنويه، قبل كل شيء، بأنّ " حسنة " سبقَ وأدهشته ثمة في المدينة الحمراء، لما ذكرت مرةً في شيء من الخجل أنها تملك دفتراً كبيراً مليئاً بالقصص القصيرة، التي كتبتها على فترات متقطعة. على ذلك، لم يستبعد أن يلعب الخيال لعبته، هنا أيضاً، بشأن ذلك العشق المزعوم بين المحارم.
تشغله بعض تلك الأفكار، وهوَ في مكانه وراء الواجهة الزجاجية، المتسلقة على أفاريزها الخارجية عريشة مجنونة، مسحورة بأحد ألوانها المتفاوتة بين الزهريّ والأحمر. يلقي نظرةً غائمة على بقعة البلاج، الملحقة بالمقهى، المزدحمة بأولئك المستجمين من ذوي الشعر الأصفر: بعضهم تمدد مباشرةً فوق التراب الناعم، الساخن. وآخرون عمدوا إلى الاستلقاء على المقاعد الطويلة، المظهَّرة بالقماش المشمّع، بغيَة الاحتماء من أشعة الشمس بظل المظلات المجدولة من سعف النخل، الشبيهة بالقبعات الفيتنامية. الحر الخانق، الجاثم فوق أنفاسه تحت سقف المقهى، يحث الذبابَ على الإغارة على كأس شراب الليمون، الذي أحضره النادل تواً. إلا أن ذلك أرحمَ مما سيعقب الظهيرة من رطوبةٍ مقيتة، تجعل قميصه دبقاً، ملتصقاً باللحم وكأنه غُمِّسَ بالمربى. السكون، كان في المقابل يشمل المكانَ؛ حتى ليُمكن سماع أصوات طيور الرنجة، وكانت تحوم هنالك فوق بقعة الاستجمام، متحينة بدَورها فرصة للانقضاض على مخلّفات أطعمة روادها.

***
" ما أروعَ البحر اليومَ، دافئاً وهادئ الموج "
يتذكّر بهجتها وطيشها في الأمس القريب، وكيفَ كانت تصرخ فيه مرحةً أمام امرأته والبنات: " هلمّ أتبعني إلى ذلك المكان، الأعمق.. ". يتجاهلُ دعوتها، متكلّفاً حركة اهتمام بطفله، اللاهي في الماء مع ابن خالته. وإذا بها تعاود مخاطبته بصوت عال، بينما تهمّ بشق طريقها في خضم الأمواج: " هلمّ، تعال! لأنني في الغد سأكون خدّامة نهاراً! ". لا يكتفي بردّ فعل زوجته، المتضاحكة، بل ويرمقها بنظرة مواربة. بيْدَ أن " سلوى "، وكانت تعزّ كثيراً كنّة الدار، لم يشف عن ملامح سحنتها سوى السعادة والبهجة. كذلك كانت دوماً، آنَ ترى ابنها فرحاً وسط الماء. وهيَ ذي خالته الصغرى، تتناول طفل الأعوام الثلاثة بيديها كي تأرجحه حول نفسها. شقيق زوج " حسنة "، كان قد دبّرَ لها عملاً مؤقتاً في أحد الفنادق السياحية، الذي تخدم فيه صديقته. ولقد أعتاد أن يلتقي بها سراً في أحد المقاهي، أو على بقعة مهجورة من الشاطئ، وذلك في أوان ساعة الغداء لعمال الفندق أو ليلاً قبيل إيابها للضاحية.
في مكانها على الشاطئ الرمليّ، لاحت حينئذٍ سيّدة الأسرة في جلستها المألوفة، المطرقة الواجمة، كأنها بين يديّ ملكيّ الحساب. عنّ له أن يختبر أفكارَ الحماة، بالإحالة إلى مسلك كنّتها المَوْصوف. فاتجه إلى تلك الجهة، يجر قدميه العاريتين فوق الرمل الناعم، المستحيل إلى طين مع كل خطوة لهما.
مستاءً ومرتاباً، لاحظ أنها بمجرد أن تحرك نحوها عمدت إلى الرقاد فوق البطانية، المظللة بشمسية قديمة اعتادت الابنة الكبرى على اصطحابها في المشاوير البحرية. فكرة طارئة، جعلته أكثر ثقة وطمأنينة فيما خطاه تقترب من المرأة، القوية المراس. كدأبه في هكذا حالات، عمد إلى " هزّ البسطام "ـ أي إخراج محفظة النقود، بحَسَب القول المحليّ الشائع!
قالت له، متمنعة عن تناول الأوراق المالية: " يكفي ما أُعطيته من سلوى، هناك في مراكش "
" مراكش، شيء آخر! نحنُ الآنَ في الصويرة، ونحتاج لثمار البحر، المشوية على يدك الماهرة المباركة "
" ربي يُبارك بعُمرك ويمنحك ما تصبو إليه "، قالتها متأثرة. وتأثر هوَ نفسه بالدعاء، فقبّل يدها بعدما عاد ودسّ فيها المال، ودعا لها أيضاً بطول العُمر. ثم أضاف بنبرة مُداعبة: " وما أصبو إليه، هو امرأة جميلة.. ومن الصويرة، هذه المرة! ". رنت إليه بنظرة تتصنع العتاب، قبل أن ترد بالقول: " هل ستجد في الدنيا أجمل من سلوى، وأطيب منها قلباً؟ ". عند ذلك، رأى أن الوقتَ قد أزفَ ليستكشف أعماقها، العصية الغامضة، كما هذا البحر المحيط.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن