المفكر الماركسي العربي المصري سمير أمين .. وداعاً

غازي الصوراني
cdideology@hotmail.com

2018 / 11 / 26




فقدت الماركسية علماً جديداً من مفكّريها المخضرمين. سمير أمين رحل عالمنا بتاريخ 12/ أغسطس/ 2018/، رحل عن عالم مثقل بأزمات الرأسمالية، بعد مسيرة طويلة أغنى فيها النظرية التي تبنّاها طوال حياته، وصار ابنها المخلص، بأفكار تجديدية، بات معها مرجعاً لليساريين عموماً، والعرب بشكل خاص، وأحد أبرز الملهمين لمناهضي العولمة، وفي صيف 2006 دعا الراحل سمير أمين إلى تأسيس «أممية خامسة»، تكون فضاءً مفتوحاً لكل حركات المقاومة وكفاح الشعوب.
"سمير أمين، المولود في إحدى قرى دلتا النيل عام 1931، من أب مصري قبطي وأم فرنسية، سلك طريقاً اختاره كثيرون في عصره، وقلّة في زمننا، حين أراد «تغيير المجتمع».
ترعرع سمير أمين في بور سعيد، حيث حصل على الشهادة الثانوية من مدرسة فرنسية في العام 1947، ليغادر بعدها إلى باريس .
في فرنسا حصل أمين على دبلوم العلوم السياسية العام 1952، وشهادة التخرج في الإحصاء عام 1956، وشهادة التخرّج في الاقتصاد عام 1957، ليعود إلى مصر حاملاً شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة السوربون.
خلال فترة الدراسة في فرنسا، انتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، لكنه سرعان ما رأى نفسه متناقضاً مع الماركسية السوفياتية، ما دفعه إلى التقرّب من الحلقات الشيوعية الماوية.
في تلك الفترة أيضاً، بدت حماسة أمين واضحة تجاه حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث، ولاسيما نضالات شعوب الشرق الآسيوي" .
يقول صديقه ورفيقه أ. حلمي شعراوي: "لم تكن رحلة سمير أمين سهلة، فقد عاش صعوبات اليسار في مصر طول الوقت منذ أزمة اليسار مع الناصرية، إذ غادرها للتعلم في باريس 1954 بينما هو عضو نشط في حزب "الراية." الشيوعي، وتكررت الأزمة إلى حد فتح السجون للجميع فتسلل هارباً 1959، ليكتب عن مصر، ويدرس ويقوم بالتدريس في جامعة السوربون، وليتواصل مع الحركة الفكرية اليسارية الوطنية والعالمية ، تفهما للمسار الخاص للتجربة السوفيتية، وتطلعاً للدلائل الجديدة للتجربة الصينية، وتحليلاً لتجارب الشيوعيين الأوربيين، وتطورات الماركسية في العالم الثالث. وبينما يأتي خبيراً للتنمية في بلدان مالى وغينيا وغانا أوائل الستينيات ، فإنه يدير حلقات النقاش في أوروبا مع جوندار فرانك ، وفالرشتاين ، وهو يضع مبكراً فكرته عن التراكم الرأسمالي ودور المركز والأطراف فيه كخلفية لبشائر حركة التحرر الوطني ومن اجل مستقبل مختلف للاشتراكية، وليس مجرد التمهيد لتطوير التبعية أو مدرستها التي انتقدها لاحقاً ولا يؤكد تأسيسه لها" .
ويستطرد أ.حلمي شعراوي بقوله: "لم يكن سمير أمين مجرد عالم الاقتصاد، أو حتى الاقتصاد السياسي الذي يحرص كثيراً على مسماه هروباً من عالَم الاقتصاد البحت وعلمائه الذين يعتبرهم سمير أمين خبراء النظريات الاقتصادية الرأسمالية وحسب، وإنما وَجَدْتُ في سمير أمين، وتابعته، مفكراً عالمياً، معنيا بالفلسفة، والسوسيولوجيا، والثقافة وعلم الاجتماع الديني ، وذلك خلال بلورته لتطور المجتمعات، ومراحل التاريخ، والتصدي للنظريات الكبرى نقدياً بما شمل الماركسية، والعالمثالثية، والصراع الحضاري، بمنهج لا يحترز كثيراَ ًمن المغامرة الفكرية التي منحته قدرة على الرؤية المستقبلية المبكرة، والتي بدت في القول بعسكرة العولمة إلى عودة الاستقطاب أو تعدد الأقطاب المتصارعة تدريجياً" .
المفكر الماركسي الراحل سمير أمين لم يكن مفكراً تقليدياً إنما كان ماركسياً ثورياً مبدعاً، سنتحدث عن فحوى مشروعه التحرري المعرفي الذي جعله متميزاً من بين أقرانه من المفكرين الماركسيين العرب.
بالطبع –كما يقول الصديق د. هشام غصيب- "هناك نخبة من المفكرين الماركسيين العرب وكلهم كانوا ثوريين مبدعين، قدموا إسهامات كبيرة، ولكن لا نجد عالم اقتصاد بينهم .. مثلاً الياس مرقص كان ضليعاً في الفلسفة وكان أيضاً همه الثورة العربية ومفهوم الأمة والقومية... ياسين الحافظ .. كان معنياً بالثورة الوطنية والقومية برؤيه ماركسية وديمقراطية، وليس بالاقتصاد السياسي وإنما بحركة التحرر الوطني العربية... مهدي عامل كان معنياً بطبيعة الدولة السياسيه في المنطقة العربية وكان معنياً في الواقع بإمكانيات الثورة في الوطن العربي وبالذات في لبنان وطبعاً ابدع في ذلك.
محمود أمين العالم صَبَّ اهتمامه على النقد الأدبي والفلسفة وإلى حد ما على العلم، ولكن على النقد الأدبي بصورة خاصة. حسين مروة اهتم بالتراث العربي الإسلامي وفي النقد الأدبي . صادق جلال العظم ركز على الفلسفة وكان فيلسوفاً كبيراً" .
لكن سمير أمين –كما يضيف د.هشام غصيب- "تميز بينهم في انه كان عالماً اقتصادياً كبيراً، ولم يكن مجرد خبيراً في نقد الاقتصاد السياسي بل كان أكثر من ذلك ، وهكذا، نجد سمير أمين الوحيد من بين أولئك الذي غاص في قلب نقد الاقتصاد السياسي كما بلغه ماركس أصلاً .. هذا ما يميزه عن غيره .. ولذلك ربما لم يتم التركيز عليه كما تم التركيز على غيره من المفكرين العرب المحدثين ربما لأنه غاص في قلب نقد الاقتصاد السياسي. وآن الأوان لكي نركز في إطار أحزاب وفصائل اليسار العربي أكثر على انجازه وإرثه العظيم .
سمير أمين يعد أحد أكبر منظري الاقتصاد السياسي العالمي والتنمية في العالم، وعُرِفَ في العالم الغربي، لاسيما العالم الناطق بالفرنسية، من خلال كتاباته النظرية قبل أن تترجم أعماله إلى العربية ويذيع صيته كأحد أهم منظري مدرسة التبعية في مصر والعالم العربي منذ مطلع السبعينات مع صدور الترجمة العربية لكتابيه “التطور اللامتكافئ” و”التراكم على صعيد عالمي”" .
لقد ترك لنا الراحل سمير أمين ثروة معرفية ثورية في مجالي الاقتصاد السياسي والمادية التاريخية، مازالت تؤثر في تكوين المناضلين ضد الرأسمالية العالمية والإمبريالية في صورتها المعولمة.
ويعد كتاب “التطور اللامتكافئ” واحدا من الإصدارات شديدة الأهمية التي تلقي الضوء على بنية التخلف والتبعية في بلدان العالم الثالث أو الأطراف كما يحلو لمفكرنا أنْ ينعتها، وهي نظرية مستقاة من فلاديمير لينين وماو تحديدا بشكل ينطلق من واقع المجتمعات المُستَعمرة وشبه المُستَعمرة، التي أنتجت تطورا جديدا بشأن مفهومي “التخلف والتبعية” ومسألة الانتقال إلى الاشتراكية.
"كان اقتران الفكر الشيوعي بالتجربة العملية في مجال التنمية عنصراً حاسماً في نظريات سمير أمين بشأن «التبعية»، فقد تصدى لمقولات برّاقة عن التنمية والتحديث، روجتها القوى الرأسمالية العالمية لتبرر بها الاستيلاء على موارد دول الجنوب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، أو ما نسميه الاستيلاء على القيمة الفائضة للشعوب الفقيره.
وعلى هذا الأساس، قدّم أمين مجموعة من القراءات لعدد من القضايا الأساسية، مثل العلاقة بين المركز والأطراف، التبعية والعوالم الأربعة، ومحاولة تجديد قراءة المادية التاريخية وأنماط الإنتاج، إلى جانب دراساته المتميزة حول اليسار والبديل الشعبي الديمقراطي.
كان سمير أمين في الواقع منظراً مبدعاً في نقد الاقتصاد السياسي، بمعنى أنه لم يكتفي بمعرفة ما فعله الغير في هذا المجال، وإنما قام بوضع نظريات جديدة ورؤى ومفهومات جديدة وتحليلات جديدة في الاقتصاد السياسي ، وقد شهد له العالم بذلك، أي أن أعماله في نقد الاقتصاد السياسي كانت معروفة في الغرب، في أوروبا وفي امريكا، وكانوا يتداولونها بالتفصيل، إلى درجة حديث البعض في أوروبا عن النظرية الأمينيه Aminism.
أغنى الراحل سمير أمين النظرية الماركسية بالكثير من الكتابات طوال حياته، ومن أهم نتاجاته «دراسة في التيارات النقدية والمالية في مصر»، و«التراكم على الصعيد العالمي»، و«التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة»، و«القومية وصراع الطبقات»، و«الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الامبريالية»، و«أزمة الامبريالية أزمة بنيوية»، و«أزمة المجتمع العربي»، و«بعد الرأسمالية»، و«نحو نظرية للثقافة»، و«حوار الدولة والدين»، و«نقد الخطاب العربي الراهن»… وغيرها" .
فقد بنى فكره على أساس نقده للاقتصاد السياسي، كما ورد في كتابه المشهور تراكم على الصعيد العالمي والتبادل اللا متكافئ أو بالأحرى التنمية اللامتكافئه.
وفي هذا الجانب، فإن مفكرنا الراحل سمير أمين انتمى إلى أكثر من تيار كلها تيارات متقاربة:
التيار الأول: هو في الواقع التيار الرئيسي في الماركسية، تيار نقد الاقتصاد السياسي الذي بدأه ماركس في كتاباته الاقتصادية من بؤس الفلسفة إلى الجروندريسا إلى كتابه نقد الاقتصاد السياسي الذي نشره عام 1859 إلى كتاب رأس المال بمجلداته الثلاثة إلى كتاب نظرية فائض القيمة التي نشرت بعد موت ماركس وانجلز .
هذا التراث بدأه ماركس بزخم، وهو تراث غير ناجز لم ينتهي عند ماركس، وماركس كان يدرك ذلك، أي أنه لو عاش أكثر لأكمله، لأعطى المزيد في هذا الإطار، لان ذلك التراث لا ينتهي ما دام هناك نظام رأسمالي.
الماركسيون الكبار أكملوا طريق ماركس، فقد نشر لينين (1870 - 1924) كتابه المشهور "التطور الرأسمالي في روسيا" ضمن نفس المسار، وكذلك روزا لكسمبورج (1871 - 1919) ألفت كتابها المشهور "تراكم رأس المال"، و نيكولاي بوخارين (1888 – 1938) كتب كتابه عن "الامبريالية والنظام العالمي" وكتاباته الاقتصادية أيضاً في السياق نفسه، وهناك العديد من الأسماء الرئيسية في هذا المجال ، بول سويزي (1910 - 2004) وكتابه المشهور "نظرية التطور الرأسمالي"، ثم كتاب بول باران (1926 - 2011) "الاقتصاد السياسي في التنمية"، ثم كتابا ارنست ماندل (1923 - 1995) "النظرية الاقتصادية الماركسية" والثاني "الرأسمالية المتأخرة".
سمير أمين يندرج ضمن هذا الإطار من المفكرين والعلماء الأفذاذ، لأن الذي يسير في هذا المسار يحتاج إلى جهد وإبداع متميز، فليس سهلاً تطوير نظرية ماركس في نقد الاقتصاد السياسي ، سمير أمين قام بذلك، وهو بذلك يندرج ضمن أهم العلماء.
وفي هذا السياق يقول " أنا أعتبر ماركس نقطة الانطلاق فقط في فهم الرأسمالية ونقدها، ومعنى ذلك لابد في كل مرحلة أن نعايش الجديد، فأنا لست ماركس (الدوجما) لأنني لا أعتبر أن كتابات ماركس تمثل نهاية التاريخ، والتحليل هو فقط نقطة الانطلاق، فقط علينا أن نطور هذا الفهم بعد معاينة الجديد على أسس متماشية مع تطور الظروف العامة، فأنا انتمى للماركسية المفتوحة نحو الجديد في الرأسمالية ذاتها، وبالتالى المطلوب في التحدي الرأسمالي والجديد في الحركة الشعبية نفسها" .
علينا أيضاً أن نتذكر ان الراحل سمير أمين، ينتمي إلى مدرسة التبعية التي بدأت في أمريكا اللاتينية وأيضاً في أمريكا الشمالية، طبعاً نذكر بعض الأسماء اللامعة مثلاً في أمريكا اللاتينية راؤول بريبش (1901 – 1986 – أرجنتيني) الذي بدأ في تيار التبعية، وفي الولايات المتحدة إيمانويل فالرشتاين (1930 - ) والأهم اندريه جوندر فرانك (1929 - 2005) الذي تعاون معه سمير أمين في أكثر من عمل ، المهم بالأمر ان مدرسة التبعية تركت أثرها في العالم كله، فهي بدأت في الأمريكتين ولكنها في الواقع امتدت إلى افريقيا، وَمَثَّلَ تيار التبعية في افريقيا والوطن العربي سمير أمين بشكل أساسي وأيضاً ترك أثره في الهند وغيرها من الأماكن .
في هذا الجانب، نشير إلى أن المفكر الماركسي الراحل سمير أمين كان ماوياً ، لكنه لم يكن ماوياً كاهناً من كهنة الماوية، وإنما انتمى فكرياً إلى التيار الماوي، ما يعني أنه إنتمى إلى حركات التحرر الوطني المتأثرة بالماوية على الصعيد العالمي، أي انه كان ماوي الهوى، مثله مثل لوي التوسير (1918 - 1990) وآخرين أيضاً، وهو بالواقع كان مساهماً في بناء التيار الماوي ومفهوم حركة التحرر الوطني بناءاً على كتابات ماوتسي تونج (1893 - 1976).
في هذا السياق، نشير إلى أن سمير أمين انتمى إلى حركة التحرر الوطني العربي، متأثراً بالياس مرقص وياسين الحافظ وربما مهدي عامل الذي جاء متأخراً بالنسبة إليه، ولكن سمير أمين إنتمى إلى هذا التيار المعرفي الذي ارتبط بإلياس مرقص وياسين الحافظ ومهدي عامل بشكل أساسي.
وتتداخل هذه التيارات معاً في فكر سمير أمين وفي ممارساته، وكان هدفه واضحاً صوب فهم الرأسمالية على الصعيد العالمي، أو تراكم الرأسمال على الصعيد العالمي، والبحث عن طرق لتخطي هذه الرأسمالية العالمية صوب الاشتراكية، وهذا كان هدفه، وظل حتى مماته يُغَيِّر ويبني نظريات جديدة وممارسات جديدة ولكن الهدف كان ثابتاً واضحاً في هذا الاتجاه الاشتراكي.
لقد أدرك مفكرنا الراحل سمير أمين أنه بإزاء نظام رأسمالي عالمي متوحش، وأقر بالتراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي، ولكنه ركز ليس على المركز وإنما على أطراف هذا النظام، الاطراف المنهكة المنهوبة في هذا النظام، فهو نظر إلى الرأسمالية على أنها نظام عالمي بالضرورة، ولكنه ركز على الجانب المضطهد حقاً وكثيراً في هذا النظام الرأسمالي العالمي، فتكلم عن تراكم الرأسمال على الصعيد العالمي بالترابط مع فكرته الرئيسية حول الأطراف (أفريقيا والبلدان العربية)، وهي الفكره التي تقوم – عند سمير أمين- على أهمية التراكم الرأسمالي في البلدان الفقيرة، وهي عملية تقوم على نهب الشعوب الفقيرة ونهب المستعمرات الذي استمر طوال مرحلة الرأسمالية (الامبريالية) واستمر حتى هذه اللحظة مع تزايد حدة الاستغلال وبشاعته .
طبعاً هذه الفكرة تحدث عنها المفكر الأمريكي الماركسي ديفيد هارفي (1935 - ) في كتابه "الامبريالية الجديدة"، ولكن سمير أمين جاء بهذه الفكرة قبل ديفيد هارفي، وقال ان التراكم البدائي للرأسمال استمر حتى مع نشوء الرأسمالية التنافسية والرأسمالية الامبريالية، وقال سمير أمين أيضاً إن تراكم الرأسمال على الصعيد العالمي يُوَلِّدْ بالضرورة مراكز وأطراف، مراكز متطوره تتخطى النظم ما قبل الرأسمالية، وأطراف متخلفة بحيث أن قوى الإنتاج فيها ملجومة ومفككة ومنبوذة ... إلخ، إلى جانب التبعية الناتجة عن التخلف، وما يرافقها من مصالح طبقيه للنخب الحاكمة في بلدان الأطراف، كما هو حال بلداننا العربية راهناً، في ظل تكريس التبعية وهيمنة الكومبرادور والرأسمالية الرثة على مقدرات شعوبنا.
إن التراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي هو بالضرورة، يُوَلِّد مراكز من جهة وأطراف من جهة ثانية، فالمراكز اليوم، متمحوره في أمريكا الشمالية واوروبا الغربية واليابان فقط،والدول الباقية كلها اطراف بالنسبة للمراكز، وقد ظلت هذه الفكرة ماثلة في ذهن سمير أمين حتى رحيله، وشكلت افكاره المركزية.
وقد توصل المفكر الراحل سمير أمين إلى هذا الطرح انطلاقا من محاولته تجاوز نظريات التبعية التي نشأت في أمريكا اللاتينية ، واستند في طرحه إنطلاقا من تفسيره كيفية إنتقال أوروبا إلى الرأسمالية رغم تخلفها الكبير مقارنة بالعالم الإسلامي في القرون الوسطى، والذي كان يمثل مركز النظام العالمي آنذاك، وكان يسوده النمط الخراجي الأكثر إكتمالاً آنذاك.
وفي هذا السياق، يقول سمير أمين بأن عجز العالم الإسلامي عن الإنتقال إلى النظام الرأسمالي في العصور الوسطى رغم بروز رأسمالية تجارية، يعود إلى نمط الإنتاج السائد عندهم الذي كان خراجيا مكتملا من الصعب جدا تحويله، على عكس الإقطاع في أوروبا الذي كان مرنا بسبب عدم إكتماله، وبالتالي تم تحوله بسهولة وإنتقاله إلى الرأسمالية ثم الثورة الصناعية، وما نتج عنها من تقدم أوروبي وغربي على عكس الدولة الإسلامية.
ولمزيد من الوضوح، توصل سمير أمين إلى القول بأن "نمط الإنتاج الخراجي السائد في العالم الإسلامي أثناء العصور الوسطى عجز عن الإنتقال إلى الرأسمالية لأنه مكتمل وناجز ومتطور، وذلك على عكس نمط الإنتاج الإقطاعي الغير مكتمل في أوروبا المتخلفة آنذاك".
وبناءً على هذه الملاحظات وضع سمير أمين نظريته "التطور اللامتكافئ"، والتي تقول بأن "تغيير أي نظام اقتصادي عالمي نحو الأفضل لا يتم انطلاقا من مركزه المتقدم، بل يتم من محيطه وأطرافه المتخلفة لأن "كل تاريخ الإنسانية يعلمنا أنه ليس تعاقبيا، فقد كانت الحضارات الأقدم والأعظم لعالم ما قبل الرأسمالية، حضارات الصين ومصر، منظمة بطريقة تضمن لها في الوقت نفسه الاستقرار والمرونة الكفيلين بتمكينها من استيعاب التقدم المستمر، لكن البطيء والمحدود للقوى المنتجة، وبهذا المعنى يستحق نموذج هذه الحضارات أن يسمى بالنموذج الناجز" .
فما الذي يميز الاطراف في عصر الرأسمالية؟
أولاً: إن الأطراف لا تتحكم بنفسها أي بعبارة اخرى شروط اعادة انتاجها ليست موجودة فيها وانما موجودة في المراكز.
ثانياً: القطاعات الرأسمالية الموجودة في الاطراف ترتبط ليس ببعضها بعضاً وانما ترتبط بالمراكز، ولذلك الاقتصاد بالاطراف يكون مفككاً غير مترابط.
ثالثاً انماط الانتاج القديمة يعاد انتاجها بصورة او بأخرى في الاطراف.
هذا التمييز أكد عليه سمير أمين في طروحاته المعروفه بنظرية التطور اللامتكافيء التي صاغها في سبعينيات القرن الماضي محاولا تفسير تخلف منطقتنا، حيث رأى استحالة تحقيق النمو الاقتصادي في بلداننا بإتباع النموذج الرأسمالي الغربي، لأن أي اندماج في هذا النظام الرأسمالي يؤدي إلى تعميق تخلفنا، وقد بنى طرحه هذا على العلاقة الوطيدة بين رأسمالية المركز ورأسمالية الأطراف، و رأى بأن الطبقة الرأسمالية في المركز متمركزة حول الذات، وتستخدم علاقاتها الخارجية لخدمة مصالحها وأوطانها، أما "الطبقة" الرأسمالية في الأطراف فهي طبقة تابعة وفي خدمة مصالح المركز الرأسمالي، ومن هنا قال سمير أمين "بحتمية إتباع الأطراف النموذج الاشتراكي وتجاوزها للرأسمالية كحل للتخلص من تخلفها" .
كان اقتران الفكر الشيوعي بالتجربة العملية في مجال التنمية عنصراً حاسماً في نظريات سمير أمين بشأن «التبعية»، فقد تصدى لمقولات برّاقة عن التنمية والتحديث، روجتها القوى الرأسمالية العالمية لتبرر بها الاستيلاء على موارد دول الجنوب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية .
يُفسّر سمير أمين انسداد مسار المراكمة في الجنوب والتفاوت المتنامي بين اقتصاد هذا الجنوب «الطرف» واقتصاد الشمال «المركز»، بالتبادل غير المتكافئ الذي يهيكل التوسّع العالمي لنظام الإنتاج الرأسمالي .
ففي الشمال، يتلازم مسارا النموّ والتنمية، بينما يؤدّي اتّباع نفس المنهج في الجنوب إلى «انحلال» بُنى الإنتاج.
ويُسفر اشتغال الاقتصاد العالمي على هذا النحو، إلى استدامة حالة تبعيّة الطرف الذي تسيّره «بورجوازيات كمبرادوريّة» هي في الحقيقة «رأس حربة» نصبّتها النخب المهيمنة في«المركز» بينما تتابع هذه الأخيرة هدفاً واحداً هو رفع مكانتها في النظام العالميّ على حساب الأضعف.
ويدافع سمير أمين عن مبادئ هدفها الأوليّ بناء نظام إنتاج وطني ديمقراطي سيادي، مؤسس على التصنيع والعودة إلى الفلاحة الإيكولوجيّة، ومن ثم بناء وتفعيل البديل الشعبي الديمقراطي على طريق الثورة الاشتراكية.
يندّد أمين بخطاب المؤسسات الدوليّة المهيمن، الذي يركّز حصريّاً على التشهير بالفساد في بلدان الجنوب دون تحليل الميكانيزمات البنيويّة العميقة التي ساهمت في الحفاظ على العقليّة الريعيّة في دول الجنوب. ويذكّر أنّ الفساد في دول الجنوب يمثّل عنصراً جوهريّاً لإبقاء النخب المحليّة السياسيّة والاقتصاديّة في خدمة النظام النيوليبراليّ .
ففي ظل العولمة، أزداد إحتكار الثروة في يد فئة قليلة جدا مقابل إنتشار الفقر على المستوى العالمي، فمنذ عقود أجمع المفكرون والمحللون بأن 20% من سكان العالم يحتكرون 80% من ثرواته، ليزداد الإحتكار أكثر لتنتقل هذه الفئة المحتكرة لها من 20% إلى 08% فقط في السنوات الأخيرة، وهو ما يثبت النظرية الماركسية القائلة، بأنه كلما توسعت الرأسمالية، كلما أحتكرت أقلية جدا الثروة وتوسع الفقر أكثر.
في مقالته الأخيرة بعنوان: "خريف أو شيخوخة الرأسمالية" المنشورة بتاريخ 25/8/2018 يقول المفكر الراحل سمير امين: "منذ ثلاثة عقود، يتميّز النظام (الرأسمالي) القائم بالتمركز المفرط للسلطة في جميع أبعادها، المحليّة والعالميّة، الاقتصاديّة، السياسيّة والعسكريّة، الاجتماعيّة والثقافيّة، فقد حولت بضعة آلاف من الشركات العملاقة وبعض المئات من المؤسسات الماليّة، أنظمة الإنتاج الوطنيّة والمعولمة إلى مجرد مقاولين عاملين لحسابها. بذلك، صارت الأوليغارشيات الماليّة تستأثر بجزء متنامٍ من إنتاج العمل والشركة الذي بات ريعاً لصالحها الخاصّ" .
لقد أصبحت الدول الفقيرة في أفريقيا والوطن العربي من وجهة نظر الولايات المتحدة مثل "الهنود الحمر", أي شعوب دون حق في الوجود إلا في الحدود التي لا تعوق توسع رأس المال الأمريكي المتعدى للقوميات.
هكذا فإن العالم ينتج بينما تستهلك أمريكا، إذ لا يساوي إدخارها القومي شيئا. فـ "الميزة" التي تمتلكها أمريكا هي ميزة قناص, يغطي عجزه من مساهمات الآخرين, برضاهم أو بالإجبار. حيث تلجأ واشنطن إلى وسائل شتى لتعويض النقص لديها: مثل الانتهاكات المتكررة لمبادئ الليبرالية, تصدير السلاح غالبا بفرضه على حلفاء تابعين لها، حيث تستحوذ واشنطن على 60% من السوق العالمي.
إن البحث عن ريع إضافي من النفط, يفترض وضع المنتجين تحت السيطرة, وهو الدافع الحقيقي وراء الحروب في آسيا الوسطى والعراق. كما تقوم أمريكا بتغطية عجزها عبر جلب رؤوس الأموال من أوربا, واليابان والصين, وكذلك من الجنوب سواء من دول النفط الغنية أو من الطبقات الكومبرادورية من كل دول العالم الثالث.
"يتمثل مشروع الولايات المتحدة، الذي تدعمه حليفاتها التابعة في أوروبا، وإسرائيل، في تحقيق سيطرتها العسكرية على العالم، وقد اختارت منطقة "الشرق الأوسط" كهدف "للصدمة الأولى" لأربعة أسباب :
1) توجد بها أغنى مصادر البترول في العالم، والسيطرة المباشرة عليها بواسطة جيش الولايات المتحدة، يعطي واشنطن السيطرة على هذه الموارد بالنسبة لحلفائها – أوربا واليابان – وكذلك لمنافسيها المحتملين (الصين وروسيا).
2) وقوعها في مركز العالم القديم، وتصلح كنقطة تهديد عسكري دائم ضد الصين، والهند، وروسيا.
3) مرور المنطقة العربية بحالة من الضعف والارتباك، تمنح المعتدي فرصة سهلة لتحقيق انتصار سريع لمرحلة أولى على الأقل.
4) يوجد بها حليف بلا شروط للولايات المتحدة، وهو إسرائيل، التي تمتلك السلاح النووي.
وبالنسبة لبلدان الخط الأول في المنطقة (أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وإيران)، حقق العدوان الخراب للبلدان الثلاثة الأول، والتهديد لإيران.
وفي هذا السياق، "نشير إلى وجود ثلاث مجموعات من القوى تشارك –في المرحلة الراهنة- في "الصراع السياسي" في بلدان الوطن العربي، فهناك أولا،ً أولئك الذين يتحدثون عن تاريخ من الوطنية (ولكنهم مجرد الورثة الفاسدين والمنحلين لبيروقراطيات الأنظمة الوطنية الشعبوية السابقة)، وهناك ثانياً، من ينتمون لأسرة الإسلام السياسي، وهناك أخيراً، أولئك الذين يميلون إلى المطالب "الديمقراطية" التي تتمشى مع الإدارة الليبرالية للاقتصاد" .(معظم المنظمات غير الحكومية NGO s)
وبالطبع فإن أياً من هذه القوى غير مقبول للفكر اليساري المهتم بمصلحة الأمة، والجماهير الشعبية، ففي الواقع، تسود مصالح البيروقراطية الحاكمة والطبقات الكومبرادورية كل تلك المجموعات بنسب متفاوته.
وبالتالي فإن محاولة الانغماس في الصراع بين هذه التيارات الثلاثة، للبحث عن التحالف مع أحدها ضد الآخر (مثل الاتفاق مع النظام الحاكم لمنع البديل الإسلامي، أو البحث عن تحالف مع بعض حركات الإسلام السياسي بهدف التخلص من النظام الحاكم)، محكوم عليها بالفشل" .
ما يعني أن على اليسار أن يمارس النضال في المجالات التي يستطيع فيها أن يلعب دوراً في الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية، والديمقراطية، والدفاع عن السيادة الوطنية والمصالح القومية، كأهداف مترابطة، في إطار النضال من أجل هزيمة مشروع واشنطن –خاصة مشروع الشرق الأوسط الكبير- في بلادنا، وبدون ذلك ستظل هيمنة التحالف البيروقراطي الكومبرادوري بصور وأشكال متنوعة من الاستبداد والتبعية والتخلف ، وذلك بالاعتماد على "سلطة أوليغارشيات الإمبرياليّة المعاصرة التي تبدو أبديّة، في دول الثالوث (الولايات المتحدة – الاتحاد الأوروبي – اليابان) وكذلك على النطاق العالميّ (نهاية التاريخ)"
ان خريف أو شيخوخة الرأسمالية، لا يعني عند سمير أمين انها الشيخوخة المطمئنة في انتظار نهاية الأجل. وإنما على العكس تماما، إنها شيخوخة تتبدى في استعانتها بالعنف. ذلك العنف الذي يحاول النظام الرأسمالي أن يدوم بواسطته مهما كلفه الأمر، حتى وإن كان الثمن هو فرض أقصى أشكال البربرية على البشرية .
الشيخوخة تدعو الإصلاحيين الراديكاليين والثوريين إلى مزيد من الراديكالية وأكثر من أي وقت مضى، وإلى عدم الاستسلام لإغواء الخطاب المسكن المساير لروح العصر ولما بعد الحداثة.
علماً بأن الراديكالية المطلوبة ليست مرادفة بالتمسك بصورة دوجماطيقية بالأطروحات الراديكالية التي عبرت عن نفسها في مرحلة سابقة من التاريخ (بشكل عام في القرن العشرين)، وإنما تعني التجديد الراديكالي الذي يأخذ في الاعتبار كل التحولات الجارية في العالم المعاصر:
أولى هذه التحولات الهامة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار هي “الثورة العلمية والتكنولوجية” الحالية.
لقد قالت لنا "روزا لوكسمبورج " في عام 1917 “إما أن تكون اشتراكية أو بربرية”. وقد قمت بتلخيص هذا البديل منذ ثلاثين عاما في عبارة “إما الثورة أو الانحطاط”.
لا يجب أن نقع في وهم إمكان إجراء إصلاحات تقدميّة رئيسيّة في صلب الرأسماليّة، إذ لا يوجد بديل عدا ذلك الذي يُمكّن من تجديد اليسار الجذريّ الأمميّ القادر على تحقيق –وليس فقط تصوّر- إنجازات اشتراكيّة.
يجب الخروج من الرأسماليّة المتأزمة هيكليّاً وليس السعي إلى الخروج من هذه الأزمة الرأسماليّة. المشروع الأوروبي بصدد الذوبان شيئاً فشيئاً في مشروع القوميّة البرجوازيّة الألماني .
لا يوجد بديل، في أوروبا وخارجها، غير وضع برامج قوميّة شعبيّة وديمقراطيّة (ليست برجوازيّة، بل معادية للبرجوازيّة)، تبدأ في الانفكاك عن العولمة الإمبرياليّة. يجب تفكيك المركزة المفرطة للثروة والسلطة المرتبطة بالنظام القائم.
الخيار الأكثر احتمالاً ضمن هذه الفرضيّة هو «إعادة خلق» على غرار ما حصل في القرن العشرين: إحراز إنجازات في بعض أطراف النظام فقط. لكن يجب أن نعلم أن تلك الإنجازات ستكون هشّة مثل ما كانت في الماضي، وأن نعلم للسبب ذاته أنّ الحروب الدائمة التي خاضتها المراكز ضدّها تعود في جزء كبير منها إلى محدوديّتها وانحرافاتها.
على العكس من ذلك، تفتح فرضيّة تقدّم أفق أمميّة العمال والشعوب السبل أمام تطوّرات أخرى، ضروريّة وممكنة.
ترتبط أولى تلك السبل بـ«انهيار الحضارة»، حيث تقتضي أنّ لا يتحكّم أحد في التطوّرات، بل تسلك طريقها فقط بدافع «الضرورة».
في حقبتنا هذه، يجب الأخذ في الاعتبار القدرة التدميريّة التي تملكها القوى (التدمير البيئيّ والعسكريّ)، ما يجعل، كما حذّر ماركس في زمنه، التهديد بتدمير المعارك لجميع المعسكرات المتنازعة حقيقيّاً. على عكس ذلك، تتطلب السبيل الثانية تدخلاً واضحاً ومنظماً لجبهة العمال والشعوب الأمميّة.
يجب أن يكون تأسيس أمميّة جديدة للعمال والشعوب الهدف الرئيسيّ لخيرة المناضلين المقتنعين بالطابع الكريه وانعدام مستقبل النظام الرأسماليّ الإمبرياليّ القائم. المسؤوليّة ثقيلة وتتطلب المهمّة أعواماً لتعطي نتائج ملموسة. من جانبي، أتقدّم بالمقترحات التالية :
1- استهداف خلق منظّمة (الأمميّة الجديدة) وليس مجرّد «حركة»، ويقتضي ذلك أن نذهب أبعد من تصوّر وضع منتدى نقاشات.
2- يجب دراسة التجارب التاريخيّة للأمميات العماليّة بجديّة، حتى وإن كنا نعتقد أنّها شيء من الماضي، ليس من أجل «اختيار» نموذج من بينها، بل لخلق الشكل الأكثر مناسبة للشروط المعاصرة.
3- يجب توجيه الدعوة لعدد محترم من الأحزاب والمنظمات المناضلة، ويجب تأسيس هيئة إشراف أوليّة بسرعة لبدء تنفيذ المشروع.
سمير أمين وتحليله للولايات المتحدة الأمريكية بعد فوز دونالد ترامب:
إن انتخاب دونالد ترامب وتصاعد الأصوات الفاشية في أوروبا، هذه كلّها تشكل مظاهر للتعبير عن عمق أزمة نظام الليبرالية الجديدة المعولمة. هذا النظام –كما يقول سمير أمين- "الذي طالما اعتبرته غير قابل للاستمرار، ينهار الآن أمام أعيننا، وفي صميمه بالذات، ويستدرك سمير أمين موضحاً فكرته عن الانهيار بقوله:
"إن انهيار النظام ليس مرادفاً للتقدم على طريق بناء بديل حقيقي أفضل بالنسبة للشعوب: فخريف الرأسمالية لا يتبعه ربيع الشعوب بشكل تلقائي، هنالك فاصل يفصل بينهما؛ ولذلك فإنّ للحقبة التي نعيشها طبيعتها الدرامية المحملة بأشد الأخطار فداحة" .
ان استنتاج الراحل سمير أمين بان "المرحلة الليبرالية الراهنة هي في حالة انهيار، إلا أن ذلك لا يعني أن الرأسمالية تنهار، بل أنّ شكلها الحالي هو الذي ينهار ونحن ندخل مرحلة جديدة.
ويمكن معاينة هذا الانهيار من خلال عدة ظواهر: التحديات في منطقة اليورو وانهيارها القريب، الذي قد يؤدّي أيضاً إلى إطاحة الاتحاد الأوروبي بأكمله؛ الأزمة المصرفية وأزمة الأسواق المالية العالمية. أيضاً، بدأت البلدان الصاعدة، أو بالأحرى، المجتمعات الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، بتنفيذ قواعد جديدة لنموذج الإمبريالي العالمي عبر تطوير تكنولوجيات جديدة، عسكرية أو مدنية، وشرعت بالتالي في كسر احتكار التكنولوجيا وضرب الهيمنة على الموارد الطبيعية على الصعيد الكوني. أضف إلى ذلك انتشار التكنولوجيا النووية والأسلحة، وعلى الرغم من أنني ضد هذه الأسلحة تماماً، إلّا أنها لا ينبغي أن تكون حكراً على المحاور المركزية فقط!
إننا نشهد خريف النموذج الرأسمالي الحالي، ولكننا لسنا بعد في ربيع الشعوب، لأن البديل لم يتبلور، لإنّ التحركات والاحتجاجات العالمية هي حالياً في مرحلة من الفوضى، ويمكنها أن تؤدّي إلى حركات متطرّفة، وأنظمة فاشيّة، بل إلى دول منهارة، أو أنها قد تفضي إلى شيء جديد تماماً" .
رغم ذلك، فالانهيار لا مفر منه، وينبغي التعامل به بالضبط بوصفه فرصة تاريخية للشعوب، إنّه يمهد الطريق أمام التقدم على طريق بناء البديل.
ويضيف سمير قائلاً: إنّ تحقيق تقدم متوازٍ على المستويين، لن يكون ممكناً إلا في حال استطاعت القوى السياسية لليسار الجذري أن تبني استراتيجيتها وتعبئ الطبقات الشعبية باتجاهها.
في هذا الجانب يرى سمير أمين أن النظام السائد في بلدان الثالوث الإمبريالي التاريخي (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، واليابان) يستند إلى ممارسة السلطة المطلقة من الأوليغارشيات المالية في هذه البلدان، وذلك بعد أن نجحت في القضاء على القسم الأكبر من الشركات الصغيرة والمتوسطة سواء في الزراعة أو في الصناعة أو في الخدمات، أو في تحويلها إلى "شركات تعاقد من الباطن" (أي إلى فروع صغيرة ضمن الشركات الكبرى).
هذه الأوليغارشيات نفسها، تدير أيضاً الأنظمة السياسية الموروثة عن "البرجوازية الانتخابية" وعن الديمقراطية التمثيلية، وقد نجحت في تدجين الأحزاب السياسية، يمينها ويسارها، كما أنها تتحكم بأجهزة الإعلام والدعاية. ولا تواجه ديكتاتورية القلة أي تحد جديٍ من الحركات الشعبية والسياسية ضمن بلدان الثالوث، وخاصة في الولايات المتحدة، بل تسعى أوليغارشيات الثالوث هذه لتمديد سلطتها المطلقة إلى الكوكب بأسره عن طريق فرض صيغة محددة من العولمة: عولمة الليبرالية الجديدة" .
كما يستنتج الراحل سمير أمين ، بقوله "ها هنا (في بلادنا العربية وبلدان الاطراف)، يواجهون مقاومات أشد من تلك التي يواجهونها في بلدان الثالوث التي تستفيد مجتمعاتها من "ميزات" الهيمنة الإمبريالية. فإذا كانت الويلات الاجتماعية لليبرالية ظاهرة في الغرب، فإنّ شدتها تأتي مضاعفة عشر مرات في بلدان الأطراف، إلى ذلك الحد الذي تغدو فيه قلة قليلة فقط من الأنظمة السياسية الحاكمة في تلك البلدان، شرعية في نظر شعوبها.
ولذلك فإنّ الطبقات والحكومات الكومبرادورية في بلدان الأطراف، هي هشة إلى أقصى الحدود، ولذلك أيضاً فإنّ أوليغارشيات المركز تعتبرها –محقة- في عداد الحلفاء غير الجديرين بالثقة، وغير المؤكدين.
إنّ منطق النظام المعولم، يقوم تالياً، وبشكل منطقي، على فرض العسكرة وحق الإمبريالية في التدخل –بما في ذلك حرباً- في بلدان الجنوب والشرق، ولهذا فإنّ الناتو، أداة عدوانهم الدائم، تحوّل إلى أهم مؤسسة من مؤسسات الإمبريالية المعاصرة" .
ويستطرد الراحل سمير أمين بالقول: لطالما قيل لنا أنّ المعسكرين الديمقراطي والجمهوري، المسيطرين على مجلسي الكونغرس والشيوخ، هما "حمائم" و"صقور". والحقيقة أنّ "الحمائم" ليست إلا صقوراً تفكر أكثر قليلاً من "الصقور" قبل شروعها في مغامرة عدوانية جديدة.
وبالتالي، إنّ علينا، وانطلاقاً مما سبق، أن نضع فوز ترامب ضمن سياق أوسع كأحد مظاهر انهيار النظام. هذه المظاهر لا تزال غامضة حتى اليوم، وإذ تحمل أفضل الإمكانيات، لكنها تحمل أيضاً مخاطر مقيتة.

وعن العلاقة الأمريكية الصينيه وفق رؤية دونالد ترامب ، يقول سمير أمين:
"أشار ترامب أنّ التدابير الحمائية التي يفكر فيها، موجهة في المقام الأول ضد الصين، جاعلين من الصين العدو الأساسي؛ إنّ هذه الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية العدوانية، والتي تتناقض بشكل صارخ مع مبادئ الليبرالية التي تعد واشنطن بطلتها، ستقود هذه البطلة نحو الهزيمة عبر دفعها الصين للمضي قدماً في تقوية سوقها الشعبي الداخلي، وفي البحث عن شركاء آخرين في دول الجنوب" .
أما في أميركا اللاتينية، فإنّ التقدم الذي تم إحرازه خلال العقد الأول من القرن، يخضع الآن للمساءلة؛ فالحركات التي قادت هذا التقدم قد قللت بلا شك من تقديراتها حول الطابع الرجعي للطبقات الوسطى في بلدانها، وخاصة في البرازيل وفنزويلا، حيث رفضت تلك الطبقات مشاركة الطبقة العاملة فوائد التقدم والتنمية الحاصلين.
المشاريع الناشئة – خاصة في روسيا والصين- لا تزال غامضة بالقدر نفسه: فهل الهدف هو "الالتحاق" باستخدام أدوات الرأسمالية وضمن سياق العولمة؟ وهو طريق رأسمالي أيضاً، ولكن هل هي مجبرة عليه؟ وإن كانت على دراية بأن مشروعاً كهذا هو أمر مستحيل، هل ستتجه القوى في هذه البلدان بشكل أكبر نحو مشاريع سيادية شعبية؟" .

سمير أمين وخيار التنمية المتمحورة على الذات :
كانت التنمية المتمحورة على الذات تاريخياً هي الشكل المميز لعملية التراكم الرأسمالي في المراكز الرأسمالية، وهي التي حددت أشكال التنمية الاقتصادية التي نتجت عنها، أي أنها كانت تتبع أساساً تحركات العلاقات الاجتماعية الداخلية، مع استخدام العلاقات الخارجية لمصلحتها. أما في التخوم (الجنوب بالتعبير السائد، أي ثلاثة أرباع الإنسانية) في المقابل، فعملية تراكم رأس المال يتحكم فيها بشكل أساسي تطور المراكز، أي أنها بشكل ما "تابعة".
وهكذا فالتنمية المتمحورة على الذات، تفترض ما يمكن تسميته التحكم في الشروط الأساسية الخمسة للتراكم، وهي:
- السيطرة محلياً على إعادة إنتاج قوة العمل، الأمر الذي يفترض في مرحلة أولى، أن تضمن سياسة الدولة تحقيق تنمية زراعية قادرة على إنتاج فائض زراعي بكميات كافية، وأسعار تتمشى مع تحقيق ربحية لرأس المال. وفي مرحلة تالية، أن تضمن التوسع في إنتاج السلع الداخلة في تحديد الأجر لتتمشى مع التوسع في رأس المال، وفي عدد العاملين بأجر؛
- السيطرة محلياً على تركيز الفائض، وهذا يفترض لا مجرد وجود مؤسسات مالية وطنية شكلاً، وإنما استقلالية هذه المؤسسات بالنسبة لحركة رؤوس الأموال متعدية الجنسية، بحيث تضمن القدرة الوطنية على توجيه الاستثمار؛
- السيطرة محلياً على السوق المقتصر واقعياً على الإنتاج المحلي، حتى إذا لم توجد حماية قوية، جمركية أو غير جمركية، وكذلك القدرة على المحافظة على التنافسية في السوق العالمي، بشكل انتقائي على الأقل؛
- السيطرة محلياً على الموارد الذي يفترض إلى جانب ملكيتها الرسمية، القدرة على استخدامها أو الاحتفاظ بها كاحتياطي. وبهذا الفهم، فإن البلدان البترولية التي لا تستطيع التحكم في "إغلاق الصنبور" – إذا فضلت أن تحتفظ بهذا البترول في باطن الأرض بدلاً من تحويله إلى ممتلكات مالية يمكن مصادرتها في أي وقت – لا تتحكم في الواقع في مواردها؛
- وأخيراً السيطرة محلياً على التكنولوجيا، بمعنى أنه سواء أكانت هذه التكنولوجيا مخترعة محلياً أو مستوردة، يكون من الممكن إعادة إنتاجها بسرعة، ودون الحاجة لاستيراد مدخلاتها الأساسية (المعدات، والمعرفة، الخ.)
وفي مقابل هذا المفهوم للتنمية التمحورة على الذات، يقوم مفهوم التنمية التابعة (المبني على التكيف من جانب واحد مع الاتجاهات السائدة التي يقررها تحرك الرأسمالية على المستوى العالمي) .
وقد انتهت الموجة الطويلة من حركات التحرر الوطني التي اجتاحت بلدان العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، بقيام سلطات دولة جديدة مؤسسة بصفة رئيسية على البرجوازيات القومية. وقد طورت هذه البرجوازيات مشروعات "للتنمية"، لم تعمل على فك الارتباط بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما مجرد تكيف إيجابي مع النظام العالمي.
وقد أثبت التاريخ الطبيعة الخيالية للمشروع، الذي بعد مرحلة من النجاح الظاهري بين عامي 1955 و1975، فَقَدَ اندفاعه، وعاد مرة أخرى باقتصاده إلى وضع الكومبرادورية، وبمجتمعاته إلى وضع التخوم، وذلك عن طريق ما سُمي بسياسات "الانفتاح"، والخصخصة، والتكيف الهيكلي تحت ضغوط العولمة الرأسمالية.
وهكذا فالسير في طريق التنمية الرأسمالية يمثل لشعوب التخوم مأزقاً مأساوياً، يسيطر على جميع أبعاد الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.
إن التخريبي للرأسمالية، على الأقل لشعوب التخوم أو الأطراف، يمنعنا من أن نتصور أنه من الممكن لها أن تُستدام، أو أن يقلدها "المتأخرون". ومكانها في مجرى تاريخ البشرية، هو أنها مرحلة عابرة تمهد الطريق لتجاوزها. فإذا لم يحدث هذا التجاوز، لن تؤدي الرأسمالية إلا لمرحلة من البربرية والفوضى، أي لنهاية الحضارة البشرية بالكامل، وهنا بالضبط تتجلى أهمية امتلاك الماركسية ومنهجها بوعي عميق من كل أحزاب وفصائل اليسار العربي.
فماذا يعني أن تكون ماركسياً اليوم؟ في اجابته على هذا السؤال، يقول المفكر الراحل سمير أمين:
"في رأيي أن تكون ماركسياً يعني أن تبدأ من ماركس، ولكن لا تتوقف عنده، أو عند أحد كبار خلفائه في العصر الحديث، حتى لو كان لنين أو ماو، وهناك فرق بين أن تكون ماركسياً، أو أن تكون ناطقاً بالماركسية. أن تبدأ من ماركس، يعني أن تبدأ بالجدلية المادية، دون أن تعتبر جميع النتائج التي توصل لها باستخدامها كانت صحيحة في وقته، ومن باب أولى اليوم. أما إن فعلنا ذلك فهذا يعني أننا حولنا ماركس إلى نبي، الأمر الذي لم يدعيه على الإطلاق. لا بد من نزع القداسة عن ماركس، وبهذه الروح يجب، في رأيي المتواضع، أن ننظر في قضية النظرية الثورية اليوم، وبالتالي النظر في دور المثقف/المناضل الذي يتبنى مثل هذه النظرية في محاولة فهم الزمن الحالي، ووضع خطط التحرك لتغييره. ولا بد من الروح المنفتح في ذلك، حتى يمكن التطلع لبناء "الالتقاء في إطار التنوع"" .
وفي سياق تناوله لشعار: البديل للنظام النيو ليبرالي المعولم والمسلح، ينطلق سمير أمين من ثلاث فرضيات تحليليه للنظام الامبريالي في المرحلة الراهنة، وحملة الولايات المتحدة الامريكية للسيطرة على العالم.
الفرضية الأولى :
إن النظام العالمي لا ينتمي "لما بعد الإمبريالية"، بل هو نظام إمبريالي. وهو في ذلك يحتفظ ببعض الصفات الأساسية والدائمة مع النظم الإمبريالية من مراحل التوسع الرأسمالي السابقة، فهو لا يقدم لشعوب التخوم، أية فرصة "للحاق"، أو الاستفادة من "مزايا" الاستهلاك المرتفع، المقصور على أغلبية شعوب المركز. إنه لا ينتج، ويعيد إنتاج، إلا تعميق الهوة بين الشمال والجنوب.
الفرضية الثانية:
تتمحور استراتيجية السيطرة للولايات المتحدة حول الطبيعة الجماعية للإمبريالية الجديدة، وتستغل نقط القصور والضعف في الحركات الاجتماعية والسياسية "ضد- النيو ليبرالية".
وفي إطار هذه الاستراتيجية، اختارت الولايات المتحدة توجيه الضربة الأولى في المنطقة الممتدة من البلقان وحتى آسيا الوسطى، مروراً بالشرق الأوسط والخليج. فلماذا هذا الاختيار لأول الحروب الأمريكية للقرن الواحد والعشرين؟ ليس بسبب احتمال وجود أعداء أقوياء، وإنما بالعكس لأن المنطقة تمثل البطن اللين للنظام العالمي، الذي يضم مجتمعات لا تستطيع، لأسباب مختلفة، مقاومة العدوان بالحد الأدنى من المقدرة.
والاستيلاء على هذه المنطقة يحقق منافع أخرى، فالمنطقة غنية بالبترول والغاز، وتحكم الولايات المتحدة فيها بمفردها يضع أوربا في حالة تبعية خطيرة، ويضعف بذلك قدرتها على المناورة مستقبلاً.
ويأتي التأييد المطلق للتوسع الإسرائيلي بشكل طبيعي في هذا الإطار، حيث تقوم إسرائيل في الواقع، بدور القاعدة العسكرية الدائمة لخدمة الولايات المتحدة.
الفرضية الثالثة:
إن اللحظة الراهنة تتميز بخطورة شديدة، بما يجعل المقارنة مع أوضاع الثلاثينيات أمراً وارداً. وكما فعل "هتلر"، قرر رؤساء الولايات المتحدة إحلال القوة الغاشمة مكان القانون.
ويجب أ ن تفهم القوى اليسارية المناهضة للعولمة أنه في مواجهة هذه الاستراتيجية الإجرامية الثابتة، لا تكتسب أية استراتيجية مضادة الفعالية إلا إذا اتخذت من المعارك ضد الحروب الأمريكية المحور الرئيسي لتحركها. فما قيمة أي خطاب عن ""التحرر" و"المقاومة" و"الفقر"، أو "حقوق الإنسان" اليوم، إذا كان الموجود على جدول الأعمال يرتب للشعوب مستقبلاً أسوأ، مفروضاً بالقوة العسكرية؟
أما عناصر الاستراتيجية الشعبية المضادة، فيحددها الراحل سمير امين كما يلي:
أن المحور الأساسي للتحرك في اللحظة الراهنة، لا يمكن إلا أن يكون النضال ضد "الحروب الأمريكية"، وبناء أكبر جبهة من جميع القوى التي يمكن أن تقف ضدها. وهذا يتطلب :
تشجيع التقارب بين الشركاء الكبار في العالم الأورو-آسيوي، وهم أوربا، وروسيا، والصين، والهند، بصفة أساسية من خلال القدرة على بناء إطار يساري داخل هذه البلدان، يفرض عليها تبني مطالبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنطلق من قضايا التقدم الاجتماعي ووقف سياسات الدعم للولايات المتحدة ووقف الحروب وتكريس سياسة مواطنة ديمقراطية وبناء مشاريع التنمية الاجتماعية.
وإعادة الحياة لتضامن الشعوب الآفرو-آسيوية (روح باندونج)، أي إعادة الروح لتضامن القارات الثلاث عبر بناء البدائل الوطنية الديمقراطية وشق الطريق صوب التقدم الاجتماعي وبناء أسس الاعتماد المتبادل بين الدول على نطاق عالمي، ما يعني إزاحة أنظمة التبعية والكومبرادورية والتخلف والحركات الأصولية.
وعلى حركات المقاومة، ونضالات الشعوب، أن تفهم ذلك هي الأخرى.... أن تفهم أن مشروعاتها للتحرر وللتقدم الاجتماعي، والديمقراطية، لن يكون لها مستقبل إلا عبر أنظمة تقدميه وطنية وديمقراطية –في طليعتها قوى اليسار الفلسطيني الثوري- بما يمكنها من مجابهة الكيان الصهيوني وهزيمته، ومن ثم تحقيق دحر الوجود الامبريالي في بلادنا العربية.

سمير أمين والإسلام السياسي :
" لقد جرى إختراع الإسلام السياسي الحديث في الهند على يد المستشرقين لخدمة السلطة البريطانية، ثم تبناه وبشر به المودودي الباكستاني بكامله. وكان الهدف هو ((إثبات)) أن المسلم المؤمن بالإسلام لا يستطيع العيش في دولة غير إسلامية - وبذلك كانوا يمهدون لتقسيم البلاد- لأن الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والدولة حسب زعمهم. وهكذا تبنى أبو العلاء المودودي فكرة الحاكمية لله (ولاية الفقيه؟!)، رافضاً فكرة المواطن الذي يسن التشريعات لنفسه، وأن الدولة عليها أن تطبق "القانون الديني" الساري للأبد (الشريعة)، ما يعني بوضوح شديد أن الإسلام السياسي –كما يقول سمير امين- "يرفض فكرة التطور والحداثة المحرّرة، ويرفض مبدأ الديمقراطية ذاته -أي حق المجتمع في بناء مستقبله عن طريق حريته في سن التشريعات" .
أما مبدأ الشورى الذي يُدَّعي الإسلام السياسي أنه الشكل الإسلامي للديمقراطية، فهو ليس كذلك، لأنه مقيد بتحريم الإبداع، حيث لا يقبل إلا بتفسير التقاليد (الاجتهاد)، فالشورى لا تتجاوز أياً من أشكال الاستشارة التي وجدت في مجتمعات التخلف الاقطاعي ما قبل النهضة الأوروبية والحداثة، أي ما قبل الديمقراطية".
فالإسلام السياسي –كما يضيف سمير أمين- "يهدف إلى إقامة أنظمة دينية رجعية صريحة، مرتبطة بسلطات من طراز ((المماليك))، أي سلطة تلك الطبقة العسكرية الحاكمة قبل قرنين من الزمان. ومن يراقب عن كثب الأنظمة في العالمين الإسلامي والعربي راهناً يجد أنها – كما الحركات الإسلاموية - تضع نفسها فوق أي قانون ( بإدعاء أنها لا تعترف إلا بالشريعة ). وتستولي على كل مكاسب الحياة الاقتصادية، وتقبل، باسم ((الواقعية))، أن تندمج في وضع متدنٍ، في العولمة الرأسمالية لعالم اليوم، وبالتالي لا يمكن إلا أن يربط بينها وبين تلك الأنظمة المملوكية. وينطبق نفس التقييم على نظيرتها من الأنظمة المدّعى بإسلاميتها والتي ظهرت مؤخراً، وبالتالي لا يوجد اختلاف جوهري بين التيارات المسماة ((بالراديكالية)) للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها ((بالمعتدلة))، فمشروع كل من النوعين متطابق".
ويستطرد سمير أمين قائلاً: "إن الإسلام السياسي هو مجرد تحوير للوضع التابع للرأسمالية الكومبرادورية، ولعل شكله ((المعتدل)) يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للشعوب المعنية، ذلك إن خطاب رأس المال الليبرالي للعولمة لا يتعارض مع خطاب الإسلام السياسي، بل هما في الواقع يكمل أحدهما الآخر تماماً، فالإيديولوجية ((الجماعية)) على الطريقة الأمريكية، التي يجري الترويج لها حالياً، تعمل على إخفاء الوعي والصراع الاجتماعي لتحل محلهما ((توافقات)) جماعية مزعومة تتجاهل هذا الصراع، إذ أن استراتيجية سيطرة رأس المال تستخدم هذه الإيديولوجية لأنها تنقل الصراع من مجال التناقضات الاجتماعية الحقيقية إلى العالم الخيالي (الدين)، الذي يوصف بأنه ثقافي مطلق عابر للتاريخ. والإسلام السياسي هو بالدقة ظاهرة ((جماعية))، كما أن نظام الحكم الأمريكي، بما عرف عنه من استغلال لأخطاء الآخرين، يعرف كيف يستخلص فائدة أخرى من الإسلام السياسي. فهو يستغل ((تخبطات)) الأنظمة التي تستلهمه -مثل نظام طالبان- ( وهي في حقيقة الأمر ليست تخبطات وإنما هي جزء لا يتجزأ من مشروعها)، كلما فكرت الإمبريالية في التدخل، بفظاظة إن لزم الأمر" .
والحركات الإسلامية الوحيدة التي تهاجمها بلا تردد القوى السبع الكبار، هي تلك التي تنخرط - بسبب الظروف الموضوعية المحلية - في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، مثل حماس وحزب الله، وهذا ليس من قبيل الصدفة، فمن الممكن (في ظل الأوضاع السياسية والمجتمعية العربية الهابطة) أن يتصور المرء إسلاماً سياسياً معادياً للإمبريالية، رغم أنه رجعي على الصعيد الاجتماعي، " فقد أثبتت حماس والجهاد في فلسطين وحزب الله في لبنان، قدرة في مواجهة العدو الإسرائيلي تفوق فعالية قوى بديلة احتمالية (وطنية ويسارية) ، لكن هل يمكن إغفال أن إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا شاركت في إفشال هذه البدائل؟ " .
وهنا لابد من المراجعة والتحليل لظاهرة الإسلام السياسي برؤية موضوعية إلى أبعد الحدود ، فعندما كان –الراحل سمير أمين- يُسأل عن ظاهرة الإسلام السياسي، "كان دائماً يوضح أنها قبل أي شيء ظاهرة سياسية بحت، وأصحابها أبعد ما يكون عن الإسلام كدين، ليشرح موقفه من هذه الحركات التي نشأت من رحم الوهابية وجمعية الإخوان المسلمين وتتبنى في فكرها الاقتصادي الرأسمالية المطلقة وفي نهجها السياسي التحالف مع الغرب الامبريالي، وفي برامجها رجعية لا تتناقض مع النظام الامبريالي، فهل معنى ذلك استحالة قيام أي شكل من أشكال التحالف مع هذا الإسلام السياسي؟ بالنسبة لسمير أمين، هؤلاء لا يمثلون الإسلام البتة، فالمشكلة -كما يقول- ليست مع الإسلام والمسلمين، إنما في حركات تتلبس بلباس الإسلام وهي في جوهرها يمينية رجعية، متحالفة (أو قابلة للتحالف) مع الغرب الامبريالي" .
في هذا الجانب يرى سمير أمين أن "جميع التيارات التي تدعي الانتماء إلى الإسلام السياسي تعلن "خصوصية الإسلام"، وفي رأيهم الإسلام لا يعرف أي فصل بين السياسة والدين، وعلى أساس هذا الموقف يختار كل تيار من الإسلام السياسي أن يقود معركته على أرضية الثقافة، غير أن "الثقافة" قُلِّصَتْ في الواقع الحالي إلى قول اصطلاحي بالانتماء إلى دين محدد، وفي الحقيقة فإن جماعات الإسلام السياسي لا تهتم بمناقشة الدوغما (العقائد) التي تؤلف الدين ، لان التأكيد الشعائري على العضوية في الجماعة هي كل ما يشغلهم، ذلك إن التشديد الوحيد على الدين والثقافة الدينية يسمح للإسلام السياسي بأن يحذف من كل مجالات الحياة المواجهات الاجتماعية الواقعية بين الطبقات الشعبية والنظام الرأسمالي العالمي الذي يضطهدهم ويستغلهم" .
على أي حال ، إن حركات الإسلام السياسي ليس لها وجود حقيقي في المجالات التي تجري فيها صراعات اجتماعية واقعية بالمعنى الطبقي ضد الاستغلال والاستبداد، بل إن قادتهم يكررون باستمرار أن مثل تلك الصراعات لا أهمية لها، فالإسلاميون موجودون في المساجد ومجالات المدارس المفتوحة وجمعيات الزكاة في إطار العلاقة مع كبار التجار ورموز الكومبرادور والرأسمالية الرثة بكل أنواعها (العقارية والطفيلية والخدماتية) ، وهم أيضاً موجودون في الجمعيات الدينية والمستوصفات الصحية، ولكن ليست هذه سوى أعمال "إحسان" تخدم أهداف الحركات الإسلاموية وتوسعها بين جماهير الفقراء، وهي أيضاً ليست سوى وسيلة لتكريس التخلف والعداء لكل ما هو وطني تقدمي وديمقراطي ، حيث تستخدم الحركات الإسلامية –وبذكاء شديد – الأساليب الديماغوجية في مخاطبة عواطف الجماهير الشعبية الفقيرة العفوية البسيطة، وبالتالي فإن كل وسائلهم ليست وسائل لدعم كفاح الطبقات الشعبية من أجل تحررهم السياسي والمجتمعي ، ومن أجل انعتاقهم من كل أدوات الاستغلال الطبقي الجاثمة على صدورهم، وهي أيضاً ليست وسائل ضد نظام الحكم المسؤول عن فقرهم.
فعلى أرض المسائل الاجتماعية الحقيقية (الصراع الطبقي) "يقف الإسلام السياسي في خندق الرأسمالية والإمبريالية المهيمنة، إنه يدافع عن مبدأ الطبيعة المقدسة للملكية، ويجيز عدم المساواة وكل متطلبات إعادة الإنتاج الرأسمالي، ودعم الإخوان المسلمين في البرلمان المصري للقوانين الرجعية الحديثة التي تعزز حقوق ملكية المالكين على حساب حقوق المزارعين المستأجرين (ويؤلفون أغلبية الفلاحين الصغار) ليس سوى مثال بين فئات أخرى، فلا يوجد مثال ولو قانوناً رجعياً واحداً، مقراً في أي بلد إسلامي عارضته الحركات الإسلامية، وزيادة على ذلك، مثل تلك القوانين تقر وتنشر بموافقة قادة النظام الإمبريالي" .
"فالإسلام السياسي ليس ضد الإمبريالية، حتى ولو ظن "مناضلوه" عكس ذلك ! إنه حليف ثمين للإمبريالية، وهذه تعرف ذلك، ومن السهل أن يفهم المرء والحالة هذه، أن الإسلام السياسي بقي دوماً في صف الطبقة الحاكمة السعودية والباكستانية، والأردنية .. إلخ، عدا عن ذلك كانت تلك الطبقات منذ البداية الأولى من بين أنشط المشجعين له، كما أن البرجوازية الكومبرادورية المحلية، والأغنياء الجدد، المستفيدين من العولمة الإمبريالية الحالية يدعمون الإسلام السياسي بسخاء، وهذا تخلى عن المنظور المعادي للإمبريالية، واستبدله بالموقف "المعادي للغرب" (تقريباً "المعادي للمسيحية")، الذي لا يفعل بداهة سوى أن يقود المجتمعات ذات العلاقة إلى مأزق ولا يؤلف بالتالي عائقاً لنشر السيطرة الإمبريالية على النظام العالمي" .
"ذلك إن الإسلام السياسي ليس فقط رجعياً في بعض المسائل (ولا سيما فيما يتعلق بوضع المرأة)، وربما هو مسؤول عن التعصب المتطرف الموجه ضد المواطنين غير المسلمين (مثل الأقباط في مصر)، إنه رجعي بأساسه، ومن الواضح بالتالي أنه لا يستطيع المساهمة في التقدم في تحرير الشعب، وبالتالي فإن قوة الشارع الإسلامي هي إلى حد كبير مجرد الصورة المعكوسة لضعف اليسار المنظم، الغائب عن المجالات التي تحصل فيها الصراعات الاجتماعية الجارية" .
وعن تحالف القوى الوطنية والتقدمية مع الإسلام السياسي ، يقول سمير امين : " الإخوان المسلمين لا يسعون إلى مثل ذلك التحالف، بل إنها ترفضه إذا حصل أن اعتقدت بعض المنظمات اليسارية السيئة الحظ بالصدفة، أن المنظمات الإسلامية السياسية قبلتهم، فإن أول قرار تتخذه هذه بعد النجاح في الوصول إلى السلطة، يكون تصفية الحليف العبء بعنف مفرط" ، وقد أثبتت التجارب التاريخية صحة القول بأن الخطاب السياسي الإسلامي في جوهره ليس ديمقراطياً بل نقيضاً للديمقراطية، مع إقرارنا ببعض المراحل الاستثنائية التي دفعت بعض الحركات الإسلامية إلى الموافقة على الديمقراطية كتكتيك مؤقت لا يلغي أبداً جوهرها النقيض، فالحزب الفائز باسم الإسلام لم يتردد في جميع هذه التجارب في أن يحتكر السلطة والقرار "باسم الإسلام"، كما لو كان غيره من المسلمين أو المواطنين العلمانيين واليساريين هم بالضرورة خاطئين كفار، حيث أن من المعروف أن الخطاب الأيديولوجي لجميع الحركات الإسلامية بما في ذلك حماس والجهاد وحزب الله، يلتزم إلى حد بعيد بتكرار أو تأكيد الخطاب السلفي فيما يتعلق بمفاهيم الشورى والعدالة والشريعة من منطلق أو منظور غيبي على النقيض من مفاهيم الحداثة والديمقراطية والمواطنة وحرية الرأي والمعتقد.
بناءاً على ما تقدم ، فإن الجمع بين هذه السمات، رفض الديمقراطية، احتكار الحكم باسم الإسلام وتحول السلطة إلى نوع من "الكنيسة" ، وفض التناقضات مع أي نظام وطني أو مع الحركات والأحزاب والفصائل الديمقراطية التقدمية بالدماء والحروب الأهلية، والامتناع عن إنجاز الإصلاح الاجتماعي التقدمي، وقبول كومبرادورية من درجة سفلى، ورفض مفهومي الوطنية والقومية لحساب مفهوم ما يسمى بـ "الأمة الإسلامية" وبالتالي فإن "الجمع بين هذه السمات –كما يقول سمير أمين بحق- يجعل من الحركة الإسلامية المعاصرة حركة سلفية ماضوية" .

والسؤال هنا: كيف نجحت حركات الإسلام السياسي في ظروف معينة في مصر وبعض البلاد العربية؟
يجيب سمير أمين بقوله: "هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلي‭ ‬توضيح‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬نجاح‭ ‬العولمة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وصعود‭ ‬شعارات‭ ‬الإخوان‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخري‭.. ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الإخوان‭ ‬لديهم‭ ‬قدرة‭ ‬علي‭ ‬ممارسة‭ ‬أنشطة‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬المنظم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وهذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬تعد‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬لدخل‭ ‬أغلبية‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬مصر‭ والبلدان العربية غير النفطية،‬ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬الإخوان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬ثقافة‭ ‬تضفي‭ ‬«المشروعية»‬‭ ‬علي‭ ‬مبدأ‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬وعلاقات‭ ‬السوق‭ «الحرة»‬‭ ‬من‭ ‬إنها‭ ‬أنشطة‭ ‬بدائية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمي‭ ‬بـ«البازار»‬‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تدفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬إلي‭ ‬الأمام‭ ‬وتحقيق‭ ‬التنمية،‭ ‬وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬الوفرة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬بطفرة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأنشطة،‭ ‬حيث‭ ‬تضخ‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬الأموال‭ ‬المطلوبة‭ ‬لهذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القروض‭ ‬والمنح‭ ‬الصغيرة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‬‮ «مستوصفات‭ ‬طبية وجمعيات اجتماعية وثقافية دينية‭ ..‬إلخ»‮‬‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬ في أي بلد عربي‭ ‬كبناء‭ ‬مصانع‭ ‬مثلا،‮‬‭ ‬إنما‭ ‬ترمي‭ ‬فقط‭ ‬إلي‭ ‬تنمية‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من ‬‮ «التنمية‭ ‬الرثة‮»، فالإسلام السياسي لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلي‭ ‬كتلة‭ ‬المعارضة‭ ‬ـ‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمون،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬عضوي‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬السلطة (الرجعية)" ، رغم اختلاف المظهر أو الشكل، فالجوهر من حيث الطبيعة الطبقية الرأسمالية الرثة هو جوهر واحد، على الرغم من أن الهدف النهائي لهم يتجلى في الدعوة إلى الخلافة الإسلامية العثمانية أو إقامة دولة إسلامية على مثال تلك الخلافة الظلامية البائدة .

أخيراً ، ماذا تعني الاشتراكية بالنسبة لفقراء شعبنا الفلسطيني وشعوبنا العربية ؟ يجيب المفكر الماركسي الراحل سمير أمين بقوله:
"تعنى الاشتراكية تحرير الإنسانية , أي بناء تنظيم للمجتمع يعد متحررا من الخضوع للتراكم الرأسمالي , وهذا هو الرابط بين الاشتراكية والديمقراطية . إن الاشتراكية ليست شكلا محددا من التنظيم المؤسساتي بقدر ما هي مبادئ خلاقة للشعوب تمكنها من ممارسة ديمقراطية عميقة . ومن هنا يمكن الإشارة إلى كون المرء ماركسيا لا يعنى التوقف عند ماركس وإنما يمكن البدء به" .
من هنا يمكن قراءة اشتراكية السوق كمرحلة أولى , لكن لكي تتحقق لابد من شروط واجبة يمكن تقديم مقترح بها :
الأول : وجود أشكال من الملكية الجماعية والعمل على دعمها على امتداد عملية التطور الاجتماعي مع الإيمان بتعددية تلك الأشكال , مع ارتباطها بالدولة أو المواطنين , مع إدراك عدم الخلط بين التخطيط المركزي وفقا للنموذج السوفيتي السابق وبين الاشتراكية . وأيضا الوعي بأن الملكية الجماعية لا تستبعد إمكانية وجود مكان للملكية الخاصة بكل أشكالها «أي الملكية الصغيرة» وكذلك الشركات الكبرى , أو حتى رأس المال المتعدى الجنسية مع الأخذ في الاعتبار وجود إطار معين لعملها.
الثاني : من الضروري أن يتم تقنين أسلوب عمل المالك (دولة , خاص ) بحيث يجمع هذا التقنيين بين عاملين متنازعين . هي متطلبات التراكم الرأسمالي , والتفعيل المتتالي لقيم الاشتراكية . ويأتي المقترح الثالث وهو المتعلق بالديمقراطية , التي لا يمكن فصلها عن التحرر , ومن هنا فإن التعبير الأفضل هو تعبير التحول الديمقراطي الذي يعمل على دعم قيم الاشتراكية في ظل إجراءات محددة تمثل سيادة القانون.
لقد تحولت الرأسمالية إلى البربرية وتندفع نحو الإبادة الجماعية وأصبح من الضروري أن يحل محلها منطق مختلف طالما ترغب في بناء عالم مؤسس على التضامن بين البشر . إن الاختيار اليوم أصبح بين الاشتراكية والبربرية وليس بين الاشتراكية والرأسمالية" .
ما يعني أن نظرية المفكر الراحل سمير أمين لازالت صالحة في عالم اليوم الذي يعرف توسعا رأسماليا كبيرا سيدفع بلدان العالم الثالث أو ما يسميها بالأطراف إلى فقر وبؤس كبير، وهو ما يظهر اليوم بجلاء في بلادنا العربية، الأمر الذي يفرض علينا في كافة أحزاب وفصائل وحركات اليسار العربي، مراجعة التجارب السابقة بصورة نقدية وصولاً إلى الحوار المعمق بين جميع القوى اليسارية العربية لصياغة الرؤى والبرامج الكفيلة باستنهاض النضال التحرري والمجتمعي من أرضية الصراع الطبقي على طريق تحقيق أهداف الثورة الوطنية/ القومية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية. 
مؤلفات سمير أمين بالعربية والتي ترجمت إلى عدة لغات
• دراسة في التيارات النقدية والمالية في مصر، معهد البحوث والدراسات العربية.
• التراكم على الصعيد العالمي. ترجمة دار ابن خلدون-بيروت.
• التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة. ترجمة عادل عبد المهدي-دار الحقيقة-بيروت.
• التطور اللامتكافئ. (ترجمة برهان غليون-دار الطليعة-بيروت.
• الأمة العربية «القومية وصراع الطبقات». ترجمة كميل قيصر داغر-دار ابن رشد-بيروت .
• الطبقة والأمة في التاريخ وفى المرحلة الامبريالية. ترجمة هنريت عبودي-دار الطليعة-بيروت.
• قانون القيمة والمادية التاريخية. ترجمة صلاح داغر-دار الحداثة-بيروت .
• المغرب العربي المعاصر. ترجمة كميل قيصر داغر-دار الحداثة -بيروت - الاقتصاد العربي المعاصر. ترجمة ناديا الحاج- دار الرواد- بيروت، دار الحقائق.
• الاضطراب الكبير، دار الفارابي.
• أزمة الامبريالية أزمة بنيوية. دار الحداثة -بيروت .
• الماوية والتحريفية. دار الحداثة- بيروت.
• أزمة المجتمع العربي. دار المستقبل العربي- القاهرة .
• ما بعد الرأسمالية- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت.
• البحر المتوسط في العالم المعاصر (بالاشتراك مع فيصل ياشير. مركز دراسات الوحدة العربية -بيروت .
• نحو نظرية للثقافة- معهد الإنماء العربي (بيروت)، سلسلة صاد (الجزائر)
• بعض قضايا للمستقبل- الفارابي، بيروت، مدبولى القاهرة.
• من نقد الدولة السوفيتية إلى نقد الدولة الوطنية؛ مركز البحوث العربية، القاهرة.
• سيرة ذاتية فكرية- دار الآداب، بيروت.
• حوار الدولة والدين (بالاشتراك مع برهان غليون) المركز الثقافي العربي.
• في مواجهة أزمة عصرنا، دار سينا، القاهرة .
• نقد روح العصر، الفارابي، بيروت.
• مناخ العصر، رؤية نقدية، دار سينا، القاهرة.
• في نقد الخطاب العربي الراهن, دار العين للنشر ,القاهرة .
• ثورة مصر بعد 30 يونيو ، دار العين.
• القضايا الشيوعية المصرية، دار العين.
• اشتراكية القرن ، دار الثقافة الجديدة.
• عاشت ثورة أكتوبر 1917، دار الفارابي.
• مئتا عام على ميلاد كارل ماركس، دار الفارابي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن