مدخل إلى الفلسفة الماركسية (4)

غازي الصوراني
cdideology@hotmail.com

2018 / 9 / 24





مقولات المادية الجدلية :
يعتبر البحث في مسألة المقولات جزءاً من البحث في مشكلة المعرفة. وشرط المعرفة اليقينية سلامة الاستنتاج أو سلامة التسلسل المبني على قياس صحيح، أي من يفيد البرهان وكانت مقدماته صحيحة. والقسم الذي يتولى هذا النمط من التفكير هو المنطق بالشكل الذي وضع فيه أرسطو أول مبادئه . إذ ان معيار الحقيقة قبل أرسطو لم يكن بالضرورة صحة القياس المبني على المقدمات اليقينية[1].
والمقولات بتحديد أرسطو لها هي اعم المحمولات التي يمكن إسنادها إلى الموجود. لذا تدعى أحياناً بالمسندات، كما دعيت أيضاً بالأجناس العامة. والمقولات كما حددها أرسطو عشرة. وهي : الجوهر، الكم، الكيف ، النسبة ، المكان ، الزمان ، الوضع ، الحال ، الفعل والانفعال.
والجوهر بتحديد أرسطو هو الموجود الذي تضاف إليه جميع المحمولات الأخرى. وبتحديد آخر له يقول: هو ما يقوم بنفسه ولا يحتاج في قوامه إلى شيء آخر خارج عنه. وفي "ما بعد الطبيعة" ميز أرسطو بين الجوهر المادي والصوري وبذلك قد يكون الجوهر عبارة عن الشكل او عن ماهية الشيء. أو قد يكون الجسم المركب من مادة وصورة. ومن ميزات الجوهر الأخرى أنه قد يكون حاملاً للأضداد. أي محلاً للأعراض دون أن يلحقه من جراء ذلك أي تغير.
والكم هي المقولة التي تعبر عن كل ما يمكن قياسه أو عَدُّه. وقد ميز أرسطو وكذلك الفلاسفة العرب بين الكم المتصل كالسطح مثلاً والكم المنفصل كالأعداد.
والكيف هي المقولة التي تبحث في هيئة الشيء كما تبحث أيضاً في ما يحدث للجسم من عوارض كالصلابة أو الليونة مثلاً أو من عوارض نفسية تدخل على الجسم الانساني كالانفعال والخجل. أما مقولة النسبة أو الإضافة والمضاف كما يقول الفارابي فمدار بحثها الطريقة التي ترتبط بها الأشياء ببعضها بعضاً. كالكثير بإضافته إلى القليل.
والمكان والزمان مقولتان تبحثان في الموضع وفي الوقت الذي يحدث فيه الفعل.
المقولات في فلسفة كانط [2]:
ربما شكل رأي كانط في المقولات شيئاً مميزاً عما هي عليه في الفلسفة المشائية. جعل كانط همه البحث عن طريق المعرفة. وهذه الطريق يجب أن تبحث أولاً في شروط المعرفة. والمعرفة لا تتم إلا بواسطة المفاهيم، أداة الاتصال والتواصل.
فعلى الذهن إذن، ليتحقق من سلامة المعرفة، أن يضبط الشكل الذي تصاغ فيه هذه المفاهيم بوضع المقولات.
والمقولات هي المعاني الذاتية التي تربط بين الأحكام أي بين ما يصادف في الزمان والمكان من ظواهر.
إن كل علم – مهما كان مجال الواقع المادي الذي يدرسه- ليس عبارة عن نظام من القوانين فحسب بل عبارة أيضاً عن مقولات محددة، أي أعم المفاهيم التي تصاغ خلال تطور كل علم ، وتشكل أساسه. فهذه المقولات في الميكانيكا ، مثلاً ، هي الكتلة والطاقة والقوة، وفي الاقتصاد السياسي – السلعة والقيمة والنقود وما اليها[3].
وإذ لخصت الفلسفة إنجازات العلم ونشاط الناس العملي ، فقد كونت نظامها الخاص من المقولات .
"إن المقولات الفلسفية "مفاهيم تعكس ما هو عام لدى الواقع من سمات وارتباطات وجوانب وخصائص، فقد عرفنا عددا من أهم المقولات عند دراستنا للمادية الفلسفية ،ونعني بها أولاً مقولات المادة والوعي ثم الحركة والمكان والزمان ، وسندرس خصيصاً في هذا الفصل مجموعة أخرى من المقولات هي : الخاص والعام، والمضمون والشكل، والجوهر والظاهر، والسبب والنتيجة ، والضرورة والصدفة والإمكانية والواقع"[4].
الخاص والعام
- ما هو الخاص والعام[5]؟
لكل شيء عدد من السمات الخاصة التي تلازمه وحده، فلنأخذ، مثلاً، شجرة الحور، ان لها حجمها وعدد فروعها المنظمة بطريقة خاصة، والتكوين الخاص لجذورها وغير ذلك من السمات.
ولكل انسان تكوينه الخاص وقدراته واهتماماته وميوله وطريقة سيره وحديثه، وهذا ما يميزه من مئات الملايين من الناس. وشجرة الحور المعنية والانسان المعني والشيء أو الظاهرة المفردان في العالم المادي هي بالذات الفردي أو الخاص.
غير انه لا يوجد شيء خاص، فردي بذاته، بدون الارتباط بغيره من الأشياء والظواهر، فالإنسان المعني يعيش على الأرض حيث يعيش الكثيرون حوله، ولديه الكثير مما هو مشترك معهم إذ أنه يرتبط بهم بآلاف الوشائج، ان لديه مهنة وهذا يعني أن لديه سمات تلازم كل ممثلي هذه المهنة، وهو ينتمي إلى طبقة محددة وأمة محددة، ومن هنا فتلازمه سمات قومية وطبقية معينة.
أما فيما يخص التركيب الفسيولوجي التشريحي، والقدرة على الشعور والتفكير وعلى العمل والكلام إلخ. فإن هذه السمات ملازمة لجميع الناس، وبالمثل فإن لكل شيء، إلى جانب سماته الخاصة الفردية، سمات مشتركة مع غيره من الأشياء.
والعام هو ما يلازم الكثير من الأشياء المفردة الخاصة، ولئن كانت السمات الفردية تميز الشيء المعنى عن غيره فإن العام كأنما يقرب بينه وبين الأشياء الأخرى ويجعلها مترابطة فيما بينها ومنتمية إلى صنف معين من الأشياء المتجانسة .
- جدلية الخاص والعام[6]
ليس الخاص والعام مترابطين فحسب، بل هما يتغيران على الدوام، فالحدود بينهما متحركة، ويحدث خلال التطور في ظروف معينة أن ينتقل الواحد منهما إلى الآخر فيصبح الخاص عاماً والعكس بالعكس.
المضمون والشكل
- ما هو المضمون والشكل[7]؟
المضمون هو مجمل العناصر والعمليات التي تشكل الشيء أو الظاهرة المعنية ، والشكل هو تركيب وتنظيم المضمون ، وهو ليس شيئاً خارجياً تجاه المضمون ، بل هو كامن فيه .
المضمون والشكل يلازمان الظواهر الاجتماعية، فإن القوى المنتجة (وفي المقام الأول أدوات الانتاج والناس الذين يستخدمونها) تمثل مضمون أسلوب انتاج محدد تاريخياً، أما علاقات الانتاج (ترابط الناس خلال عملية الانتاج والذي يقوم على علاقاتهم بهذه الأدوات) فتمثل شكل أسلوب الانتاج.
وتنطلق المادية الجدلية من وحدة المضمون والشكل، من كونهما لا ينفصمان، فكلا من الشكل والمضمون كامن في الشيء المعني، ومن هنا لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. فلا مضمون بوجه عام وانما يوجد مضمون متشكل أي مضمون له شكل محدد، وبالمثل لا شكل خالص دون أي مضمون، فللشكل دائماً مضمون، وهو يفترض مسبقاً مضموناً محدداً يمثل هذا الشكل بنيته أو تنظيمه.
المضمون شديد النشاط، وهو بفضل تناقضاته الداخلية يتطور ويتحرك باستمرار. ثم مع تغير المضمون يتغير الشكل أيضاً، فالمضمون يحدد الشكل.
لا يجوز استصغار دور الشكل وأهميته في التطور . إننا نعلم أن اعداء الماركسية، الانتهازيين ، سعيا منهم لمنع تأسيس حزب ثوري جديد الطراز انكروا دور الأشكال التنظيمية للحزب زاعمين أن الشكل سلبي ساكن ولا يؤثر في مضمون النضال الثوري اطلاقاً.
ويجب أن لا يغيب عن بالنا كذلك، عند تحليل التفاعل بين الشكل والمضمون ، انه تبعاً للظروف يمكن أن يتطور نفس المضمون في أشكال مختلفة .
-التناقض بين الشكل والمضمون[8]:
وبغية تكوين فكرة اكمل عن العلاقة بين الشكل والمضمون من المهم إدراك الطابع المتناقض لهذه العلاقة. لقد سبق واوضحنا ان الشكل أكثر ثباتاً واقل تحركاً من المضمون. وهذا هو السبب في أنه يتخلف عن تطور المضمون، ويصبح عتيقاً ويدخل في تناقض معه. وعادة ما ينتهي التناقض بين الشكل القديم والمضمون الجديد إلى طرح الشكل القديم والاستعاضة عنه بشكل جديد، الأمر الذي يكسب المضمون مجالاً رحبا من أجل التطور لاحقاً.
الجوهر والظاهرة
- ما هو الجوهر والظاهرة[9]؟
مفهوم الجوهر قريب من مفهوم المضمون ولكنه لا يتطابق معه. ولئن كان المضمون مجمل جميع العناصر والعمليات التي تشكل الشيء المعني فان الجوهر هو الجانب الرئيسي الداخلي الثابت نسبياً من الشيء (أو مجموع جوانبه وعلاقاته) . ويحدد الجوهر طبيعة الشيء، وتنبع منه كل جوانبه الأخرى وسماته .
ويعبر الجوهر في الظواهر الاجتماعية كذلك عن الجانب الداخلي، الرئيسي للعمليات. فعندما وصف لينين الامبريالية – أعلى مراحل الرأسمالية- عرفها بأنها رأسمالية احتكارية . فإن سيطرة الاحتكارات التي حلت محل المزاحمة هي جوهر الامبريالية. ومن سيطرة الاحتكارات تنبع كل السمات الأخرى للامبريالية، وفي المقام الأول حصول الرأسماليين المنضمين إلى الاتحادات الاحتكارية على الربح الفاحش الاحتكاري.
ولثورات التحرر الوطني وجوهرها الخاص أيضاً. وهو يتلخص في احراز الاستقلال الوطني والتخلص من التبعية الاقتصادية للرأسمالية العالمية وتطوير الاقتصاد والثقافة الوطنيين وبناء الدولة الديمقراطية الشعبية .
أما جوهر المجتمع الاشتراكي فهو سيادة الملكية الاشتراكية وتخطيط الاقتصاد وعدم وجود الاستغلال وتحقيق التعاون والمساعدة المتبادلة بين أفراد المجتمع وتلبية احتياجات الناس على أكمل وجه على طريق تطوير الانتاج وتحسينه على أساس التكنيك المتقدم.
فما هي الظاهرة ؟
ان الظاهرة هي التعبير الخارجي المباشر عن الجوهر وشكل تجليه ويتجلى جوهر الامبريالية في شنها الحروب العدوانية (العالمية والمحلية) وفي سباق التسلح وفي الازمة العامة (الاقتصادية والسياسية والاخلاقية) للرأسمالية التي تتفاقم باطراد وفي تشديد استغلال الجماهير الكادحة وفي ازدياد البطالة وانخفاض مستوى حياة الشعب وفي تزايد الاجرام وفي تشديد استغلال الدول الضعيفة والتابعة .
أما جوهر الاشتراكية فيتجلى في والمساواة وإلغاء كل مظاهر الاستغلال والاستبداد وامتلاك الدولة للثروة وبناء المصانع الجديدة والتقدم التكنيكي في مختلف فروع الاقتصاد الوطني والوتائر الرفيعة لبناء المساكن والمؤسسات الثقافية، وتخفيض ساعات عمل الشغيلة، وزيادة الأجور وتحسين الضمان الاجتماعي والخدمات المعيشية وما إلى ذلك .
- جدلية الجوهر والظاهرة[10]:
ليس ثمة جوهر "خاص" أي جوهر لا يتجلى في شيء فكل جوهر يعبر عن ذاته في عدد كبير من الظواهر. فجوهر الاشتراكية يعبر عن ذاته من خلال كثير من أحداث ووقائع نمط الحياة الاشتراكي .
وليس الجوهر والظاهرة وحدة فحسب، لكنهما أيضاً ضدان، فهما لا يتوافقان كلياً أبداً ، والتناقض بينهما مظهر لكون أشياء الواقع ذاتها متناقضة داخلياً، فالجوهر غير مرئي على السطح، بل هو مخفي وغير قابل للمراقبة المباشرة، ولا يمكن كشفه الا في مجرى الدراسة الشاملة الطويلة للشيء.
- أهمية مقولتي الجوهر والظاهرة[11]:
ان معرفة جدلية الجوهر والظاهرة بالغة الأهمية في الحياة الاجتماعية والعلم والنشاط العملي، فهذه المعرفة تعطي العلماء ثقة في أنه مهما كان تعقد عملية معرفة الظواهر التي يدرسونها، ومهما كان عمق اختفاء الجوهر خلف هذه الظواهر فإن هذا الجوهر سيعرف في آخر المطاف.
وان معرفة الجوهر ضرورية بخاصة لأن الظاهرة غالباً ما تعطي فكرة زائفة عن طبيعة عملية ما، فيبدو لنا ، مثلاً ، ان الشمس تدور حول الأرض، في حين اننا نعرف أن الأرض في الواقع هي التي تدور حول الشمس. وقد يبدو انه ثمة ديمقراطية واسعة في العالم الامبريالي: ففيه يعلن عن الحق الانتخابي العام وحرية الكلام والصحافة وحرية تكوين الاحزاب والجماعات السياسية والخ، لكن الواقع ان الديمقراطية في ظل الامبريالية ليست سوى خدعة، فهي ديمقراطية محدودة ، ديمقراطية للاغنياء وحدهم .
ان المعرفة القائمة على الظاهري فقط ، على مظاهر الجوهر ، عاجزة عن ان تقدم صورة صحيحة للعالم، ولا يمكن أن تكون مرشداً للعمل، ويؤدي العجز عن تميز الظاهرة عن الجوهر إلى اخطاء خطيرة في النظرية والممارسة .
السبب والنتيجة
- ما هو السبب والنتيجة[12]؟
والظاهرة أو مجموعة الظواهر المتفاعلة التي تسبق ظواهر أخرى وتولدها تسمى السبب، أما الظاهرة التي يولدها فعل السبب فتسمى النتيجة .
والسبب يسبق النتيجة دائماً ، لكن التتابع الزمني ليس علامة كافية للسبب، فالنهار، مثلاً ، يتلو الليل، لكن الليل ليس سبب النهار، ويتم تتابع الليل والنهار نتيجة دوران الأرض حول محورها، فالعلاقة السببية بين ظاهرتين توجد فقط حين لا تسبق أحداهما الأخرى فحسب بل تولدها بالضرورة.
ولا يجوز الخلط بين السبب وبين الدافع، فالدافع حدث يسبق النتيجة مباشرة، لكنه ليس بحد ذاته سبباً لها ، وانما يحفز مفعول السبب.
"إن السبب والنتيجة مترابطان ترابطاً لا ينفصم،فلا نتيجة دون سبب والعكس بالعكس، وللترابط بين السبب والنتيجة طابع داخلي حتمي، وهو ترابط تنبع في ظله النتيجة من السبب وتكون نتاجاً لفعله، غير أن النتيجة بعد أن يولدها السبب لا تظل غير مبالية بسببها بل تمارس تأثيراً عكسياً عليه، وهكذا فإن العلاقات الاقتصادية بين الناس في مجرى الانتاج هي سبب، مصدر الافكار السياسية والفلسفية وغيرها من الأفكار، لكن هذه الأفكار بدورها تؤثر على تطور العلاقات الاقتصادية .
ويتجلى الترابط بين السبب والنتيجة كذلك في ان ظاهرة عينها يمكن ان تكون سببا في حالة ما ونتيجة في حالة أخرى، فاحتراق الفحم في موقد الغلايات في المحطات الكهربائية هو سبب تحول الماء إلى بخار ، أما البخار كنتيجة لاحتراق الفحم فهو نفسه سبب دوران المولد، فبنتيجة دورانه يولد الكهرباء التي هي مصدر، سبب حركة الكثير من الآلات والاجهزة، وتعطي الناس الحرارة والضوء الخ.
ويمكن أن توسع هذه السلسلة من التدليلات ، فإن السببية بالذات تفسر هذه السلسلة اللامتناهية من الترابطات ، أي التفاعل الشامل بين أشياء وظواهر العالم حيث كل حلقة هي سبب ونتيجة في الوقت نفسه"[13].
الضرورة والصدفة
- ما هي الضرورة والصدفة[14]؟
بغية تسهيل فهم ما هي الضرورة والصدفة لنجب أولاً على السؤالين التاليين: هل يجب أن تقع جميع الأحداث من كل بد في الظروف المعنية؟ وهل يجب أن تجري جميعاً في تلك الظروف بهذا النحو بالذات وليس بنحو آخر ؟
اننا جميعاً نعرف جيداً انه إذا زرعت بذرة فستنبت إذا ما توفرت الرطوبة والحرارة. لكن النبتة الصغيرة قد تهلك نتيجة لهطول أمطار غزيرة ، فهل يجب أن يقع هذان الحدثان (استنبات البذرة وهلاك النبات) من كل بد ؟
"ليس الحدثان معا واجبي الوقوع، فخبرتنا اليومية تدلنا على ان استنبات البذرة في ظروف معينة، أي عند توافر الحرارة والرطوبة الملائمتين، ضروري . فتلك هي طبيعة النبات ذاتها، لكن هطول الأمطار الغزيرة شيء قد يحدث أو لا يحدث، وهو قد يدمر النبات أو يلحق الضرر به فقط، وهو لا ينبع اطلاقاً من طبيعة النبات، فهو ليس ضرورياً البتة في الظروف المعنية .
والظاهرة أو الحدث الذي يقع من كل بد إذا ما توفرت ظروف معينة يسمى ضرورة (وفي مثلنا كان استنبات البذرة ضرورة)، فالنهار يتبع الليل بالضرورة ، والفصول تتابع بالضرورة ، ومولد ونمو الحركة الشيوعية للطبقة العاملة في ظل الرأسمالية ضرورة، إذ ان هذه الحركة وليدة ظروف حياة هذه الطبقة ومكانتها في المجتمع، والمهام التي طرحها التاريخ أمامها"[15].
- جدلية الضرورة والصدفة[16]:
الضرورة والصدفة مترابطتان ترابطاً جدلياً، فالحدث ذاته يمكن أن يكون ضرورياً وصدفياً في نفس الوقت – ضروري من ناحية وصدفي من ناحية أخرى، فإن الامطار بصفتها صدفة بالنسبة لهلاك النبات هي نتيجة ضرورية للأحوال الجوية في المنطقة التي تهطل فيها.
- أهمية مقولتى الضرورة والصدفة[17]
من المهم جداً في النشاط العلمي والعملي مراعاة الجدلية الموضوعية للضرورة والصدفة . إن معرفة القوانين والضرورة الموضوعية تساعد الإنسان على ان يخضع العديد من ظواهر الطبيعة والحياة الاجتماعية لمصالحه، ويجب على كل علم ان يستهدف بالدرجة الأولى معرفة الضرورة، فإن مهمة علم الاجتماع، مثلاً، هي معرفة الضرورة الموضوعية لتطور المجتمع ومن ثم ، على أساس هذه الضرورة المدركة، تغيير النظم الاجتماعية لصالح الانسان الكادح.
وطالما أن الصدفة شكل لظهور الضرورة فإن على العلم الا يتجاهل الصدف. وبما أن الصدف توجد وتمارس تأثيرا على الحياة فإن على العلم أن يضع في اعتباره دورها في التطور وأن يحمي الانسان من الصدف غير المؤاتية.
الامكانية والواقع
- ما هي الامكانية والواقع[18]؟
ان الجديد ، أي الذي يتطور هو ضروري، لكنه لا يظهر دفعة واحدة. ففي البدء تنشأ مقدمات، عوامل محددة لظهوره، ثم تنضج هذه المقدمات وتتطور ،ويظهر ، بفعل القوانين الموضوعية، الشيء الجديد أو الظاهرة الجديدة، وهذه المقدمات اللازمة لظهور الجديد والكامنة في الموجود تسمى امكانيات. وهكذا فإن كل جنين لديه امكانية التطور، التحول إلى كائن بالغ، والكائن البالغ الذي نمى عن هذا الجنين هو الواقع، فالواقع هو الامكانية المتحققة .
"ولما كانت أشياء العالم وظواهره متناقضة فإن الامكانيات بدورها متناقضة أيضاً، ويجب أن نفرق بين الامكانية التقدمية (الايجابية) والرجعية (السلبية)، فكل ثورة اجتماعية ، مثلاً ، تحوى امكانية ايجابية هي انتصار القوى التقدمية وإمكانية سلبية هي انتصار القوى الرجعية، ولكن بحكم مفعول قوانين التاريخ الموضوعية تنتصر الامكانيات التقدمية في آخر المطاف في حين أن انتصار الامكانيات الرجعية، وان كان يحدث في بعض الحالات، ليس سوى انتصار مؤقت عارض"[19].
________________________________________
[1] الموسوعة الفلسفية العربية - معهد الإنماء العربي - المجلد الأول - الطبعة الأولى – ص 776 - 777
[2] الموسوعة الفلسفية العربية - معهد الإنماء العربي - المجلد الأول - الطبعة الأولى – ص 776 - 777
[3] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص121
[4] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص124
[5] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص124
[6] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص125
[7] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص130
[8] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص133
[9] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص134
[10] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص136
[11] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص137
[12] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص140
[13] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص143
[14] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص145
[15] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص146
[16] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص146
[17] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص 147-148
[18] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص150
[19] افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية – دار التقدم – موسكو – 1979 – ص151



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن