الاحساس الذاتي بقوانين العصر شرط الانسجام مع خط الحضارة العالمي

كامل الدلفي

2018 / 9 / 20

عاش الانسان العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ارهاصات التحول نحو الاشتراكية، بصورة اكثر فاعلية مما يعيشه الآن من حماسة باردة للتحول نحو الديمقراطية..
الاشتراكية كانت خياراً حاسماً للجماهير العربية، إلا أنها خيبت امال تلك الجماهير بها ..
والاسباب كثيرة و متشعبة.
عشق العربي حلمه في الاشتراكية ودفع بقوى الشباب الثوري يتمترس في احزاب الاشتراكية القومية، و حين تمكن من ان يستلم "أزمّة " السلطة وأدار "موتورها" بدماء وتضحيات الجماهير ، فعمّق من طوباوية الاشتراكية وبتّ باستحالة تحقيقيها، فظلت كما هي حلما مجرداً، جسداً بارداً، و أحال حلم العدالة الاجتماعية، و الوفرة، والتوزيع المتساوي للثروة ، وكرامة العربي ولقاحيته الشماء الى مكوث قسري في سجون متلاصقة و اعواد مشانق، الى خوف مجاني وهواجس و اشعار ودخان و حسرات و خيبات ،وامراض عضال تئن تحت اخبار متواترة عن صالات القمار والجنس والبذاءة و العقود الفاسدة والتطبيع والبروتوكولات السرية مع الامبرياليين والاستيطانيين.. وانكسر الناي والعود والبهجات البريئة العاشقة تحت زعيق نشيد البطل القومي"بالروح بالدم نفديك يا زعيم " ..
الحلم صار رديئا استهلاكيا بمقاسات أحذية رجال الاعمال الغربيين الذين جاءوا بحقائب الاقتصاد الحر ، احذية وطأت الحلم البري. فهل أسوء من حلم موطوء ؟
وحين انقض الامبرياليون على هشاشة ما تبقى من اشتراكية روسيا واوروبا.. في ثورة سيوفها ورماحها من حرير كالجينز ، والهمبرغر، وحريات متنوعة مدفونة في عالم الاشتراكية، سقط جدار العزلة الثورية..
فانقطع الحديث عن الاشتراكية في البلاد العربية ، لاح في يقينها انها لم تكن تسير بإرادتها بل كانت سادرة في غمار التأثر والايحاء بموجة الاشتراكية الغربية،
و خاضت صراعات الحرب الباردة بالنيابة، وخضع نضالها الموهوم الى اشتراطات القوانين الفاعلة في ثنائية الكر والفر بين القطبين الكونيين ،وحين تهاوت قوى الاشتراكي العظيم ، وقتذاك تعزز يقين العرب والشرق ان اشتراكيتهم كانت صرعة عالمية وموجة تبث في الافاق لها منبع تتبعه ..تينع بروائه وتجف بجفافه..وكانت الحتمية هراء برنامجي محض.
واندفع المسوقون العظام يصنعون ما يملأ الفراغ في المساحات الشرقية ..الذهن ..المجتمع..الدولة .. وهناك الوصايا والاستشارات المقدسة كانها نص رسولي ( برنارد لويس، فوكوياما، هنتنغتون، كيسنجر، ومراكز الدراسات) فاندفعت الديمقراطية مثل سيل عرم الى هضاب العرب الجدباء ..والمهانة بالحلم المكسور..وتعاظم دور الثورة الساندة للديمقراطية ، ثورة المعلومات ، على يد الستلايت والانترنيت والفيس بوك ..وعلى الرغم من الحراك الجماهيري الميكانيكي في الربيع العربي
فان الجماهير العربية لم تتفاعل مع موجة الديمقراطية كمفاهيم وسلوك ..فهي اسقطت الحكام بطريقة الثأر الصحراوية ..واسلمت السلطة للنخب المتسلقة القابضة للنتائج الكلية، لتحصد ديموقراطية انتخابية مؤبدة ، وذلك لعدم التفاعل الجمعي مع الرؤية والحضارةالديمقراطية بحب وبرغبة ، فقد ارتابت منها ، لانها ترى ان العدو الإمبريالي الذي قاتلته بالامس على الحلم الاشتراكي هو من يسوق الحلم الديمقراطي في الشرق.. والحال هذا فليس صعباً ان تدرك قيمة الخداع المندس في اللعبة..
فما هي الوجهة الاصح الغائبة من خيارات امم الشرق..؟
الاشتراكية لو كانت بصيرورات شرقية لنبتت في ارضنا ولم يجرِ ما جرى لها..
والان لو ان الجماهير تدافع عن خيارها الواقعي المرتبط بقضاياها وارهاصاتها و جدلياتها بعيدا عن الوصفات السمان المترجمة ..حتما ستجد ادواتها المناسبة في التعامل مع المفاهيم الحضارية العالمية ..وفي المقدمة منها المدنية والديمقراطية وسواهما.
ان حاجتنا اليوم هي ابلغ لاتباع مناهج علمية حقيقية في ايجاد حياة حرة كريمة ، وذلك بعد قرن ونيف من التجارب يعد مستحيلا بدون ربط الشرق بآخر انماط الحضارة الانسانية وهي حضارة الحداثة الغربية ، التي تخطت عوائق الذهنية القروسطية في اوروبا ، لتجعل منها هفوة تاريخية عابرة، ان انتاج اساليب وادوات لنقل العلوم والمعارف والانجازات الكبرى والبديهيات والقوانين والمناهج النقدية و طرائق السلوك الحر يجعلنا قادرين على فك الحبال المكبلة للذهن والحرية
والتخلص من العبوديتين العظيمتين في حياتنا المعاصرة ، وهما التبعية الفجة للتراث ، والتمسك المتعصب بايقاعاته
دون. العضة من تجاربه فقط و وقف السماح له في ادارة الحاضر والاختلاف بيننا حول اختلافاته ، سيما وأنه وصل الى اعماقنا نقلا لا عقلا.
و العبودية الثانية المتجسدة بسيطرة الامريكان والغرب على مقدراتنا وغلق ابواب النهضة علينا ومنعنا من التواصل الحر مع اسباب الحضارة ، فان رفضها ومنعها يغدو ممكنا فقط برفض النظام الرسمي الذي صنعه الغرب وأمّره سيدا علينا لينشر الخراب والخرافة والفساد.و بالتحول الجذري الى ذهنية تؤمن بقيم المعاصرة وتبحث عن مشاكلها الوجودية في الواقع لا في السماء.




http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن