جامعات الأمس-المدارس الكُردستانية

مسعود دالبوداك
mesutdalbudak@hotmail.com

2018 / 9 / 11

الملخص
((إٍسْمِ تَهْ يَهْ مَكْتُوبِ دِ ديواني قِدَمْ دا
حَرْفَكْ قَلَمِ عِلْمِ بِتَقويمِ رَقَمْ دا))
ملايه جزيري
المدارس الكُردستانية القديمة، أو كما يمكن تسميتها بـ "جامعات الأمس" تشكلت وتطورت تاريخياً وفق مراحل مختلفة لعبت فيها السلطة السياسية والدينية دوراً فعالاً في تحديد ملامحها الأساسية، فتغيرت أشكالها، وتباينت مقاصدها، وتعددت أهدافها دائماً، ورغم الجذور القديمة للتدريس في الجغرافيا الإسلامية التي اتخذت من دُور العبادة مكانا لها بدايةً، لم يأخذ التدريس شكله المنظم في "مدارس" مخصصة لهذا الغرض، إلا في مناطق جغرافية محددة منها، بل على رأسها المنطقة الكُردية، والمناطق المتاخمة لها، لذلك أتى بحثنا مركّزاً على "المدارس" في كُردستان ظهوراً وتطوراً، وارتأينا السير وفق تسلسل تاريخي متتابع وشامل، ومنهجاً متبعاً يهدف إلى رسم صورة بانورامية كاملة في ذهن القارئ، ويُزيل معه كل غموض وشائبة، ويفتح آفاق الحاضر من خلال التاريخ العريق للمدارس الكُردستانية، وإنّ تشخيص حالة المدارس الكُردستانية عبر التاريخ فرصة هامة لتسليط الضوء على واقع الجامعات والمدارس والتدريس الحالي في كُردستان، وبالتالي كشف جوانب النقص والعيوب، والشروع في معالجتها، وفتح السبل أمام نهضة تعلمية كُردستانية جديدة في ظل الحالة المأساوية لواقع الجامعات والمدارس في كُردستان.
وتطمح هذه الدراسة إلى حث مراكز صنع القرار الكُردية بالشروع في تحسين مستوى الجامعات الكُردستانية، وتعتمد هذه الدراسة على المصادر المكتوبة باللغة الكُردية والتركية بشكل أساسي، وذلك لما لمسناه من مستوى عالٍ ومعتبر في الأبحاث المنجزة حول المدارس الكُردستانية القديمة.
الكلمات المفتاحية: المنطقة الكُردستانية، المدارس الكُردستانية، المدرسة النقشبندية، المدرسة النورشينية.
المقدمة
يركز البحث على واقع "المدارس" القديمة والتدريس في كُردستان اعتباراً من الفترة الإسلامية التي تبدأ مع النصف الثاني من القرن السادس الميلادي وحتى يومنا هذا، ومقتنعين أن وجود المدارس في الجغرافيا الكُردستانية قبل الإسلام يحتاج إلى بحث بذاته، وفضلنا استعمال مصطلح "الجامعة" بدلاً من مصطلح "المدارس" لما تحمله من معاني تحاكي الحاضر وفهم القارئ، وبُعد مصطلح "المدارس القديمة" عن مثيلاتها "المدارس العادية اليوم"، وقربها أكثر إلى مفهوم الجامعات والتعليم العالي.
دُرست العلوم وعلى رأسها العلوم الدينية في الجغرافيا الإسلامية والجغرافيا الكُردية كـ جزء منها بدايةً في دُور العبادة كالجوامع والمساجد، ومع الزمن تم تخصيص زاوية محددة مستقلة فيها لغرض تدريس طلاب العلوم الدينية واللغوية، ولكن مع ازدياد عدد الطلاب ظهرت بعض المشاكل اللوجستية للتدريس في دور العبادة، منها حجمها الصغير، وفقدانها للأساسيات والتجهيزات التعليمية، ناهيك عن تعكير صفوة طقوس العبادة، دعت هذه المشاكل لظهور أول بوادر الحاجة إلى إنشاء مدارس تعليمية مخصصة لغرض التدريس فقط، فنرى بدايةً ظهور جوامع مخصصة للتدريس، وتقتصر العبادة فيها على صلاة الجمعة فقط، ولكن تبين فيما بعد عدم جدوى هذه الإجراءات لذلك كانت الحاجة ماسة إلى إنشاء مدارس منظمة ومجهزة لغرض التعليم .
واستمر الحال متذبذباً بين التدريس في دُور العبادة، وبين إنشاء جامعات (مدارس) مخصصة لغرض التدريس في الفترة المبكرة، ولم يُسجل ظهور جامعات إلا في القرن الحادي عشر الميلادي عموماً، وهناك خلاف حول أُولى المناطق التي احتضنت جامعات مع وجود آراء قوية حول ظهورها في جغرافيا الموالي، وأما ما دعانا للتركيز على الجامعة النظامية فهو لأنها أول جامعة ظهرت في كُردستان.
ويُجمِع أغلب الباحثين على أن أول مدرسة مجهزة ومنظمة هي المدرسة "النظامية" التي أنشاءها نظام الملك (1018-1092) م في بغداد، حيث أُلحقت هذه المدرسة بالأوقاف الدينية، وتم تخصيص ميزانية محددة للإنفاق وتسديد معاشات المدرسين وتلبية احتياجات الطلاب فيها ، وكان للمدرسة النظامية مناهج مخصصة وبناء مستقل ومنهجية تعليمية خاصة ساهمت بشكل أساسي في نشر الفكر السني الشافعي ، وإعداد رجال وموظفين يكسبون احترام الناس لهم ، ومنع الداخلين الجدد في الإسلام من العودة إلى معتقداتهم القديمة والمساهمة في نشر تعاليم الدين في أماكن أخرى.
وإنشاء المدارس لم يقتصر على الفائدة المكانية والتجهيزات التعليمية فقط، إنما كانت الحاجة إليها تنبع من إيجاد الكادر في المؤسسات العدلية والإدارية والإعلامية، والبروباغندا المذهبية، كالمدرسة "النظامية" في بغداد التي سنرى فيما بعد أن الهدف الأساسي وراء إنشاءها كان للتصدي والقضاء على الفكر الشيعي الفاطمي والبويهي ، ونشر الفكر السني في بغداد ضد الفكر الشيعي الفاطمي في القاهرة ، وبالإضافة إلى الأسباب التي ذُكرت عمدت الدولة السلجوقية إلى طرد الموظفين الشيعة من مراكز الدولة الحساسة، وتعيين موظفين سنة بدلاً عنهم، فكانت الجامعات السبيل الممكن لإنشاء كوادر سنية تشغل تلك المناصب الفارغة.
إذا كانت الجذور الأولى للجامعات التعليمية تمتد إلى عصور متقدمة جداً، كعصر الخلافة الأولى، إلا أن التدريس كان في دُور العبادة ومقتصراً على العلوم الدينية فقط، ولكن مع انتشار الجامعات في الجغرافيا الإسلامية، ومنها البلاد الكُردية، وبعد تنظيم وتجهيز الجامعات بشكل جيد ظهر تدريس العلوم الأخرى إلى جانب العلوم الدينية.
يُلاحظ مما تقدم أن الفصل بين الجامعات ودُور العبادة كان سببه لوجستيا بحتا، ولم يكن نابعاً من محاولة لفصل التدريس عن الفكر الديني، ورغم الحاجة لجامعات تملأ فراغ عدم التدريس في دور العبادة لم تظهر بوارد فعلية لإنشاء جامعات إلا عند الحاجة لنشر إيديولوجيات مذهبية دينية هدفها الأساسي دعم أنظمة حكم معينة ضد أخرى، فلا يمكن اعتبار ظهور الجامعات في هذه الفترة لغاية تدريسية وتعليمية فقط، وتتزامن هذه المرحلة في الشرق مع مرحلة السكولاستية (المدرسية) في الغرب التي كانت تخضع لسلطة الكنيسة المباشرة.
مرحلة ما قبل الجامعات الأميرية (الإمارات):
أول ظهور للجامعات (المدارس) في كُردستان يعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي وما بعده، وبالتحديد بعد إنشاء نظام الملك الجامعة النظامية في بغداد ، فبالتزامن مع هذه الفترة انتشرت الجامعات في الجغرافيا المتاخمة لها، ويُجمع أغلب الباحثين أن جامعة "الراضية" أو "رضي الدين" التي انشأت في مدينة جَزيرا بوتان (جزيرة ابن عمر) بأمر من الوزير نظام الملك هي أول جامعة كُردستانية منظمة ومجهزة بشكل جيد لغرض التدريس ، ويمكن اعتبار هذا التاريخ البداية لظهور الجامعات الكُردستانية فيما بعد، هذا ويذكر ابن شداد (1285) م وجود جامعتين في آمد (دياربكر)، الأولى الجامعة "التاجية" والثانية الجامعة "الآمدية" ويُرجع باحثون أن الجامعة الآمدية على الأغلب هي نفسها (المدرسة) "المسعودية" الموجودة الآن في آمد (دياربكر) ، هذا يؤكد التاريخ الطويل والعريق للجامعات الكُردستانية الذي يقارب الألف عام كانت لغة التدريس فيها اللغة الكُردية ، يُشير الباحث بورنيسين في هذا الصدد أن الكُرد قدموا فائدة علمية كبيرة في العالم الإسلامي كونهم بالإضافة إلى لغتهم الأم الكُردية، كانوا يتقنون اللغات الفارسية والعربية والتركية أيضاً بحكم القرب الجغرافي، لذلك كانوا جسر التواصل بين الشعوب المسلمة في الهند الذين كتبوا أبحاثهم باللغة الفارسية وبين الترك والعرب في المشرق ، ويضيف أن دور الجامعات الكُردستانية ومُدرسيها لم يقتصر على كُردستان إنما اتسع نحو الجغرافيا المحيطة، كالتدريس في الجامعات والقصور التركية في العهد العثماني، والأزهر، والأماكن المقدسة في الجزيرة العربية حيث كان لهم بصمة واضحة في التدريس العلمي .
واليوم لا تزال الجامعات الكُردستانية حاضرة بأبنيتها في مدينة جَزيرا بوتان حيث توجد أربع جامعات داخل سور المدينة، كـ ابن البرزي، وظاهر الدين كيماز، والراضية، والقاضي جمال الدين، وجامعة خارج اسوار المدينة مسماة بسورتكين ، وينقل المؤرخ الكُردي محمد أمين زكي (1880-1948) م عن ابن الأثير (1160-1233) م" هدم صلاح الدين الأيوبي(1138-1193) م السجن المعروف بـ "دار المعونة" وحوّله إلى الجامعة الناصرية لتدريس المذهب الشافعي، وحوّل الدار التابعة للقصر الفاطمي إلى جامعة "منازل العز" لتدريس المذهب الشافعي في مصر مشيراً بذلك إلى الأهمية التي كان يوليها صلاح الدين الأيوبي للجامعات والتدريس ، وأنشأ الجامعة القمحية للمذهب المالكي، والجامعة السيفية للمذهب الحنفي، وأنشأ جامعات لغرض التدريس في مدينة القدس كـ الجامعة الصلاحية أيضاً . ويُعتبر صلاح الدين سلطان الدولة الأيوبية أول من أدخل الجامعات السنية إلى مصر بهدف تدريس المذهب الشافعي والمالكي والحنفي، وأنشأ الجامعات الكلاسية، والغزالية، ودار الغزل، والإقبالية، والعادلية، والشامية، والصاحبة، والأزكشية، والعاشورية، والفاضلية، والعصرونية، والقُطبية، والارسوقية، نرى مما تقدم أن دور الكُرد في إنشاء الجامعات لم يقتصر على كُردستان فقط، إنما شمل الجغرافيا التي وقعت تحت حكمهم ، واُعتمدت اللغة الكُردية لغة التعليم والتدريس في الجامعات الكُردية في كُردستان تحت الحكم الأيوبي وكانت جهود السلطان صلاح الدين جبارة في تجهيز وتنظيم الجامعات إدارياً ولغوياً ، فإذاً تم اعتماد هذه الحقائق من قبل الباحثين والمؤرخين الكُرد يمكن اعتبار هذا التاريخ البداية الفعلية للتدريس باللغة الكُردية في الجامعات الكُردستانية.
يُلاحظ مما تقدم التاريخ الطويل للجامعات الكُردستانية الذي بدأ قبل تسعة قرون تقريباً، وثم لتنتشر شيئاً فشيئاً في كُردستان مع مرور الزمن، ومع الحكم الأيوبي زادت وتيرة بناء الجامعات الكُردستانية، وشهدت مناطق كُردستان والعراق القديم وإيران وخرسان انتشاراً لجامعات تمثل الفكر السني ومع سيطرة الأيوبيين على بلاد الشام ومصر واليمن عمد السلطان صلاح الدين إلى بناء عدد هائل من المدراس بهدف محاربة الفكر الشيعي الفاطمي، مما يظهر كـ "إهمال" لبناء الجامعات في المناطق الكُردية، كما نريد التأكيد على أن نفوذ الدولة الأيوبية لم يشمل كامل أراضي كُردستان، فظلت المناطق الخارجة عن نفوذها بمعزل عن هذه النهضة في مجال التدريس وبناء الجامعات.

الجامعات الكُردستانية في عهد الأمراء (الإمارات الكُردية):
تسمى الجامعات التي أُنشأت وانتشرت في كُردستان بعد الاتفاقية التي وقعت بين السلطان العثماني سليم الأول (1470-1520) م والأمراء الكُرد بـ "جامعات الأمراء" أو "جامعات الإمارات الكُردية" حيث تبدأ هذه الفترة من العام (1514) م إلى العام (1855) م، وتعتبر هذه الجامعات ذات أهمية كبيرة في متابعة واجب التدريس في كُردستان، حيث استمرت هذه الفترة حوالي (350) عاماً تلقت فيها الجامعات الدعم المباشر من الأمراء الكُرد، واُعتبرت الجامعات الكُردستانية أكثر استقلالية وحرية في التدريس والبحث الأكاديمي من جاراتها في الجغرافيا المجاورة نتيجة الاستقلالية التي كان يتمتع بها الأمراء الكُرد بإدارة إماراتهم في كُردستان ، على عكس الجامعات الخاضعة لإدارة الدولة العثمانية المباشرة والمرهونة للرقابة والبيروقراطية في الإدارة والتدريس والبحث الأكاديمي، ناهيك عن الضغوط السياسية للدولة العثمانية.
ويذكر المؤرخون الرحالة الذين زاروا كُردستان معلومات قيّمة عن التدريس والجامعات المنتشرة فيها، ومنهم أوليا جلبي الرحالة (1611-1682) م، ذاكراً في "السياحة نامه" جامعات بدليس وطلابها الأذكياء والواقع التعليمي المتقدم فيها ، وجامعات آمد (دياربكر)، المسعودية، وجامعتان لتدريس المذهب الشافعي، الخسروية في دريه ميردين (باب ماردين)، والسرل زاده داخل سور المدينة ، وجامعات ميردين (ماردين)، ونسيبين (نُصيبين)، وآمدان (همذان)، وجامعات فان، الجامع الكبير، وهورهور، وخسرو، وعباس آغا، وكاياجل ، وجامعات الآميدية (العمادية)، أميرخان، وزيباري، ومرادخانية.
ويذكر شرفخان البدليسي (1543-1603) م في "الشرف نامه" جامعات بدليس، الخطابية، والحجي بكيه، والشُكرية، والإدريسية ، والإخلاصية التي كانت تدرّس العلوم الدينية والمنطق والفلك والعلوم العقلية، مما يؤكد تدريس الجامعات الكُردستانية للعلوم الهندسية والتطبيقية ، ويذكر الأكاديميين والمدرسين المشهورين في تلك الفترة، خضر بيبي، ومحمد شيراشيني المدرس في الجامعة الإخلاصية، والمدرس محمد زيركي، والمدرس عبدالله رشك في الجامعة الإدريسية، والعالم حسين اخلاتي، والمدرس محي الدين اخلاتي المتخصص في الرياضيات وعلوم الفلك .
خرّجت هذه الجامعات كوكبة من العلماء والشخصيات المشهورة في التاريخ الكُردي، تنوعت اختصاصاتهم بين سياسيين كـ إدريس البدليسي، وعصام الدين البدليسي، وإداريين كـ شرف خان البدليسي، وجمشيد بك، والبير حسين، وأعظم شعراء وأدباء الكُرد كـ ملايه باتي (1417-1491) م، وملايه جزيري (1570-1640) م، وفقه تيران(1563-1641) م، أحمد خاني (1650-1707) م .
درس فقه تيران واسمه الحقيقي (مير محمد) في جامعات عهد الإمارات الكُردية وتخرّج منها، ويُعتبر من أهم الشعراء الكُرد الذين ألفوا أعمالاً ذات مستوى عالٍ وقيم، فالمؤكد أن الجامعات الكُردستانية المتعددة الاختصاصات في عهد الإمارات رفعت مستوى اللغة الكُردية بشكل كبير، ومن الذين درسوا فيها أيضاً، ملايه أحمد باتي، وملايه جزيري، ويُعتبر ديوان الأخير الذي ألفه من أشهر الدواوين الكُردية على الإطلاق لما يحمل في طياته من علوم التصوف والأصول والفقه والتفسير والحديث والصرف والنحو والمنطق والجمال والفلسفة والبلاغة والرياضيات والفلك والكونيات والتاريخ والفيزياء والميتافيزيق ، هذا المستوى المرموق من العلماء والمدرسين وأبحاثهم الغنية يدل على الواقع الرفيع للجامعات الكُردستانية.
أثرت الجامعات الكُردستانية في عهد الإمارات الكُردية في الجامعات التي ظهرت فيما بعد، وخصوصاً جامعة سور (الحمراء) التي كانت مثالاً ونموذجاً يُحتذى به من قبل الجامعات النقشبندية (الخالدية) ، وتكمن أهمية جامعة سور أن ملايه جزيري كان مدرساً فيها، فلقد وحّد المتصوف ملايه جزيري العلم العقلي والقلبي ليساهم بذلك بدمج التصوف والتدريس في الجامعات الكُردستانية، وكانت الأساس والأرضية الممهدة لظهور جامعات ترتبط بالطرق الصوفية، وخصوصاً مع ظهور الشيخ خالد مؤسس الطريقة (الخالدية) النقشبندية ، والجامعات النقشبندية ذات الطابع الصوفي في كُردستان.
يُلاحظ أن الجامعات الكُردستانية في ظل حكم الإمارات الكونفدرالية تطورت وبلغت مستوىً عالياً في التدريس نتيجة البعد عن الإيديولوجيات الفكرية المختلفة، ونتيجة الدعم المادي المباشر من قبل الأمراء الكُرد، يُلاحظ ظهور كوكبة من العلماء الكُرد المشهورين في شتى المجالات ممن درسوا في هذه الجامعات منهم مَن ذُكر اسمهم وكثيرون لم يُذكروا وذلك لضيق المقال في هذا البحث.
وكما لا يفوتنا الإشارة إلى تطور اللغة والشعر الكُردي بشكل منقطع النظير في هذا العهد، ويمكن ملاحظة ظهور البوادر الأولى للدمج بين التصوف الديني والتدريس الجامعي بـ كُردستان في حين نرى أن عهد السكولاستية في أوروبا قد ولّى بلا رجعة مع بدأ عصر النهضة والتنوير والإقبال على العلوم الحديثة كـ الفيزياء والرياضيات والكيمياء وغيرها، فربما تعتبر هذه أول خطوة نحو مرحلة الانحطاط الجامعي والتدريسي في كُردستان.

الجامعات النقشبندية (الخالدية):
ظهرت وانتشرت هذه الجامعات من خلال الطريقة (الخالدية) النقشبندية التي تأسست في كُردستان على يد الشيخ خالد في عام (1811) م ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، وما يميز الجامعات النقشبندية أنها دمجت بين التصوف والتدريس بشكل عملي ومنظم، فشيوخ الطريقة هم مُدرسون ورؤساء روحيون لها في نفس الوقت، ولا يمكن لمدرس في الجامعات النقشبندية التدريس إلا بالانتماء إلى الطريقة، فأكسبت هذه الحالة المدرسين شخصية اجتماعية مرموقة لدمجها بين العلم والعرفان، وتماهت جامعات نورشين، واوخين، وزوكيد، وتيللو، وخيزان، مع الفكر (الخالدي) النقشبندي في كُردستان.
وتؤكد المصادر التاريخية انتشار الطريقة النقشبندية في القرن السابع عشر الميلادي، أو على الأقل في نصفه الثاني، فحسب رواية الرحالة أوليا جلبي أقدمت السلطة العثمانية على قتل الشيخ محمود النقشبندي بتهمة تهديد نظام الحكم والأمن في الدولة ، تثبت هذه الحادثة مدى انتشار الطريقة النقشبندية في كُردستان مما دعت السلطان العثماني مراد الرابع إلى إعدام أحد شيوخها، ورغم الخلاف حول هذه الحادثة إلا أنها تحمل بصمات تشير إلى انتشار النقشبندية في تلك الفترة ، وتعيد إلى الأذهان حادثة اغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي النقشبندي على يد سلطات البعث في سوريا، وتوضح مرة أخرى اعتماد السلطة السياسية على تصفية العلماء والأكاديميين للاستمرار في السلطة والحكم.
ولد الشيخ خالد في عام (1779) م بالسليمانية في كُردستان ، وعمل مدرساً في جامعتها قبل أن يسافر إلى الهند، وينتسب إلى فكر الشيخ عبدالله الدهلوي، ويعود في عام (1809) م إلى كُردستان ، وفي عام (1811) م ينشر الشيخ خالد (ذو الجناحين) الطريقة النقشبندية (الخالدية)، ويعمل على إنشاء الجامعات النقشبندية التي جمعت بين الفكر التصوفي والتدريس الجامعي ، ليساهم هذا الدمج بانتشار الجامعات في كُردستان بشكل أكبر، بالإضافة إلى العدد الكبير للمدرسين (الخلفاء) في الطريقة النقشبندية (الخالدية) الذين درسوا في الجامعات الأمراء (الإمارات) ثم انتسبوا إلى النقشبندية ، ومع إجراءات التصفية التي أقدمت عليها الدولة العثمانية بهدف تقوية سلطة الدولة المركزية تم إنهاء حكم الإمارات الكُردية في كُردستان، ومنها أردلان (1169-1867)، وبهدينان (1376-1843)، وسوران (1399-1838)، وبابان (1649-1851)، وبدليس (1182-1851) وغيرها، فإذا كانت الدولة العثمانية قد نجحت في إنهاء حكم الإمارات الكُردية غير أنها لم تستطع السيطرة على النظام وفرض النفوذ مما سبب حالة من الفراغ السياسي والفوضى والاقتتال الشعبي في كُردستان، مما اضطرت الدولة العثمانية مرغمةً إلى تقديم الدعم للمدارس النقشبندية لسد الفراغ الحاصل ، وكما أدى تخلص السلطان العثماني محمود الثاني مع "يني جير" من "البكتاشية" إلى تحويل كل مراكز الأخيرة إلى مراكز للنقشبندية ، أما عن انتشارها في القرن التاسع عشر، فقد أدت حركات التبشير المسيحي التي قامت بها بعض الدول الأوروبية إلى التفاف الناس حول جامعات الطريقة النقشبندية.
تعرضت الجامعات النقشبندية إلى نقد كبير من قبل بعض الباحثين، منها ما هو متعلق بمناهج التعليم التي لم تتغير طوال ثلاثة قرون، لا بل على العكس تم إخراج المواد العلمية كـ الفلسفة والجبر والهندسة والفلك من مناهج التدريس، وتم التركيز على المواد الدينية فقط ، ورغم استعمال اللغة الكُردية في الوعظ والإرشاد والتدريس اللفظي في الجامعات ، إلا أنها لم تصل إلى حد اعتماد التعليم الكامل باللغة الكُردية رغم ما كانت تفرضه المرحلة من الإقدام على هذه الخطوة، ويدّعي باحثون أن مدرسي الجامعات النقشبندية صرفوا الطلاب عن الأمور الدنيوية وسُخروا في خدمة مدرسي الجامعات النقشبندية.
يوجه الشاعر والأديب الكُردي جكرخُين النقد الشديد لجامعات التي دمجت بين التصوف والتدريس رغم دراسته فيها عندما كان شاباً، "فمدرسوها إذا كانوا متدينين إلا أنهم جهلاء حسب حد وصفه، وأنهم استغلوا الشعب الكُردي" ، وعلى عكس الجامعات الأميرية التي كانت تأخذ دعمها المباشر من السلطات الكُردستانية، اعتمدت الجامعات النقشبندية على المساعدات الشعبية والزكاة في إدارة جامعاتها ، كما أفقدت الصراعات بين الجامعات والتكيات في ظل الدولة العثمانية جودة التدريس في الجامعات النقشبندية ، (وفي مقابلة مع مدرس الجامعة النورشينية في بدليس عن سبب عدم تدريس كتاب "الشرف نامه" للبدليسي في المناهج الدراسية؟ "قال لنا المدرس نورالدين: نحن نرى أن تدريس التاريخ الكُردي من خلال مؤلفات مثل "الشرف نامه" يؤدي إلى اقتتال الإخوة في الدين الواحد، كانت المقابلة خلال لقاء حدث بـ تاريخ 31 أذار 2016 بين الإداري نور الدين والباحث محمد جليك)!
كانت الجامعات الأميرية في مراحلها النهائية تشهد تحولاً قائماً على دمج التصوف والتدريس معاً، وظهر هذا الدمج بشكل واضح وفعلي مع الجامعات النقشبندية، عوامل عدة أدت إلى تراجع الجامعات على رأسها أدلجة التعليم واخضاعه لفكر معين، والاعتماد على المواد الدينية والنظرية فقط في مناهج التدريس، وربما أهم الأسباب يعود إلى انتهاء سلطة الإمارات الكُردية التي تزامنت مع سيطرة العثمانيين على مناطق كُردستان ليتراجع التدريس الجامعي إلى مستويات متدنية جداً، وفي حين نرى أن التقدم الغربي في مجال التدريس الجامعي كان في أوجّه، والمكتشفات العلمية تتوالى في شتى المجالات، ورغم اختلاف تجربة الغرب مع الكنيسة والدين عن تجربة الشرق، يرى باحثون أن فصل الدين والأيديولوجيا عن التدريس كان السبب الرئيسي وراء تطور الغرب العلمي، وبالتالي تشخيص حالة الشرق من خلال تجربة الغرب مع الدين.
الجامعة النورشينية
تقع جامعة نورشين التي أسسها المدرس عبدالرحمن التاخي (1831-1886م) في مدينة نورشين التابعة لمحافظة بدليس في كُردستان، ومثل غيرها من الجامعات في تلك الفترة دمجت هذه الجامعة التصوف والتدريس الجامعي مخلصةً لنهج المدارس النقشبندية (الخالدية)، ولم تنظم الجامعة إدارياً وتُجهز بشكل جيد إلا في عهد المدرس محمد ضياء الدين التاخي (1856-1924م)، ولغة التدريس في جامعة نورشين هي الكُردية، بالإضافة إلى منهاجها المكتوب باللغة الكُردية، ومجموعة كتب كُردية، كـ المولد للمدرس حسين الباتي، وعقد الإيمان لـ أحمد خاني، ومعجم نوبهار الكُردي والعربي، ولا تفوتنا الإشارة أن العلامة الكُردي بديع الزمان سعيد النورسي قد درس في هذه الجامعة.
ويُرجح الباحثون أن استعمال اللغة الكُردية في التدريس الجامعي بدأ مع العهد الأيوبي واستمر إلى يومنا هذا وإن كان بأشكل مختلفة إلا أنه يُسجل للجامعات الكُردستانية محافظتها على اللغة الكُردية من الاندثار والنسيان.
وظهرت الجامعة النقشبندية (الخزنوية) في قامشلو (القامشلي) على يد المدرس أحمد الخزنوي (1887-1950م) م، ورغم أن أحمد الخزنوي لم يدرس في جامعة نورشين بشكل مباشر إلا أنه أخذ العلم وإجازة التدريس من مدرسيها، وتابع نهج النقشبندية (الخالدية) بدمج التصوف والتدريس الجامعي معاً، فكانت الجامعة مقصداً لطلاب العلم من كل مكان.
الخاتمة
تمتلك الجامعات الكُردستانية تاريخاً طويلاً وعريقاً لا يقل عن تاريخ وعراقة الجامعات الأوروبية الحالية، مثل جامعات بولونيا (1088م) م، وأوكسفورد (1100م)، وكامبريدج (1209م)، وباريس "سوربون" (1253م)، هذه الجامعات في بداياتها كانت "مدارس" لا تختلف عن "المدارس" الكُردستانية، لا بل كانت تخضع لسلطة الكنيسة المتخلفة التي استندت إلى المعرفة اليونانية القديمة، ولم يحدث تجديد في واقع الجامعات إلا مع عصر النهضة الذي يتزامن مع عهد الجامعات الأميرية في كُردستان، وفي حين أن الجامعات الأوروبية شهدت تطوراً هائلاً في القرن الثامن عشر "عهد التنوير" دخلت الجامعات الكُردستانية في انحطاط كبير ذكرنا أسبابها سابقاً، وفي القرن التاسع عشر تابعت الجامعات الكُردستانية تراجعها وانحطاطها إلى أن أصبحت مواقع أثرية أو مراكز تدريس شعبية هامشية، فالدول الحديثة التي ظهرت بعد "سايكس بيكو" تقصدت إهمال الجامعات الكُردستانية ومسح تاريخها.
الجامعات الكُردستانية الحالية التي تخضع للإدارة الكُردية محصورة في عددها وإمكانياتها، ولا تزال الأيديولوجيا الحزبية والفكرية مسيطرة على كل شيء فيها، ربما لم يُدرك الكُرد بَعد التأثير السلبي لأدلجة التعليم تاريخياً، إلا اللهم إذا كانت الأحزاب تنظر إلى طلاب العلم كـ "أفراد حزبيين للمستقبل" ولا يهمها التدريس والتعليم أصلاً.
لا شك عرّت الحرب الأهلية في السورية وجه الأحزاب السياسية الكُردية المسيطرة التي خرجت لنا "بمناهج دراسية" جامعية ومدرسية مؤدلجة بشكل فج وحتى العظم تخدم أجنداتها الحزبية الضيقة، ليس هذا وحسب فبعد التمعن سترى ما لم تره أبداً، فروع ومواد جامعية مُخترعة وجديدة تماماً، كالفرع الجامعي "جنولوجيا" أي "علم المرأة" أو مواد التدريس التي تأتي جاهزة من الخارج رغم وجود كفاءات أقدر حسب رأينا في كتابة مناهج التدريس.
وفي جانب آخر ترى الجامعات تدرس بلغة مختلفة عن لغة التدريس الثانوي، أو التدريس بلغة أثناء العام الدراسي وإجراء الامتحان بلغة أخرى، كما لا تخلو هي الأخرى من الأيديولوجيا العائلية والحزبية، وبدلاً من أن تقوم إدارة هذه الجامعات باحتضان "الكُرد السوريون" الهاربين من أتون الحرب والتسلط الحزبي، أغلقت أبوابها في وجههم ليفقد آلاف الطلاب فرصة إكمال دراستهم الجامعية، أما المتخرجون والأكاديميون منهم هاجروا مرغمين إلى بلاد أوروبا الواسعة بعد التضييق في العمل والعيش، في حين ترى أن دولاً تنفق أموالاً ضخمة لجذب العقول المتعلمة والمنتجة.
النهوض بالواقع التدريسي أصبح ضرورة حتمية على السلطات الكُردية لإنشاء جيل متعلم ومنتج قادر على بناء الحاضر والمستقبل.

المراجع
الشكر مقدم للباحث محمد جليك المتخصص في التاريخ وعلم الآثار، ولكل من ساهم في إنجاز هذا البحث.
أحمد جلبي، تاريخ التربية والتعليم الإسلامي، منشورات داملا، استنبول 2013.
أحمد يشار اوجاك، أثار بصمات الإسلام في الأناضول بالعصر الوسيط، منشورات الكتاب، استنبول 1970.
ادم اركان، دعم نظام الملك للأشاعرة وعلاقته مع السنة، مجلة العلوم الإسلامية، انقرة 2011.
اوليا جلبي، سياحة نامه، منشورات يابه كريدي، مكتبة قصر توب قابي، (رقم: 305، بغداد)، (اشراف يوجله داغلي وسيد كرهان)، استنبول 2001.
إبراهيم باز، جنوب شرق تركيا مركز العرفان: كلية وتكية سردهل، جامعة شرناق، مجلة العلوم الإسلامية، 2011، السنة الثانية، المجلد الثاني، شرناق 2011.
ابوزدمير، المدارس الكُردستانية في عهد الإمارات والنقشبندية، منشورات نوبهار، استنبول 2014.
صلاح الدين بالا، المؤسسة التعليمية "المدرسة الشرقية نموذجا"، (أطروحة ماجستير غير منشورة)، دياربكر 2012.
نبي بوزكورت، " المدرسة" الموسوعة الدينية الإسلامية، منشورات الأوقاف الدينية التركية، أنقرة 2003.
علي انكول، نظرة عامة حول رجال العلم وفعاليات التعليم في العهد السلوقي، مجلة العلوم الاجتماعية في جامعة جلال بيار، 2003.
عبد الكريم اوز ايدن، " المدرسة النظامية" الموسوعة الدينية الإسلامية، الأوقاف الدينية التركية، استنبول 2007.
عبدالرحمن اجار، المدارس دياربكر ومكانتها في النظام التعليمي العثماني، محافظة دياربكر ومعهد العلوم الأبحاث الثقافية التركية، أنقرة 2008.
محمد يوسف غندور، تاريخ جيزرة في العصر الوسيط (815-1515) م، منشورات بشير انت، (ترجمة فاضل بدرخان اغلو)، انقرة 2008. (اسم الكتاب باللغة العربية، تاريخ جزيرة ابن عمر: منذ تأسيسها حتى الفتح العثماني).
محمد جيجك، مآلات المدارس الشرقية، منشورات البيان، استنبول 2009.
مارتين فان بورنيسين، أبحاث حول كُردستان، التواصل، (ترجمة نوزت كليج، بيكر، كسكينر)، استنبول 2010.
محمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكردستان، (الترجمة التركية)، منشورات نوبهار، استنبول 2014.
موسى كاظم يلماز، مستوى التربية والتعليم في المدارس الكُردستانية ومشروع بديع الزمان في مدرسة الزهراء، ورقة مقدمة في مؤتمر سيرت حول المدارس (ورقة غير منشورة)، ص 27-28 تشرين الأول 2013.
موسى كاظم يلماز، الكُرد (المجتمع والدين)، منشورات نداء، استنبول 2015.
شاكر ابوزدمير، خمسمائة عام من الاتفاقيات بين الكُرد والدولة العثمانية، منشورات فنك، دياربكر 2014.
شرف خان البدليسي، الشرف نامه، تاريخ الكُرد المجلد الأول، (ترجمة عبدالله يغين)، منشورات نوبهار، استنبول 2014.
حميد الكار، النقشبندية، (ترجمة جُنيت كوكسل، وأدهم جبجي اغلو، وإسماعيل تاشينر)، إنسان، استنبول 2013.
يحيى اكيوز، تاريخ التربية والتعليم في تركيا بعد القرن العاشر الميلادي، منشورات بيكام، أنقرة 2010.
بورنيسين، الأغا. الشيخ. الدولة، منشورات التواصل، (ترجمة بانو يالكوت)، ص 278-288.
مفيد يوكسل، مرحلة التغيير في كُردستان، منشورات سور، أنقرة 1993.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن