التشظي

محمد الطيب بدور
mbdour969@gmail.com

2018 / 8 / 18

التشظـــــــي

ذهلت لعجزي أمام هذا الحشد الذي يمضي الى وجهات موغلة في التشعب ... ماضون الى مشاغلهم بهمة و دون هواده...قلت لا شك أنهم واعون بما يفعلون في زخم هذا التشظي الذي أصاب كل مفاصل الحياة ...و أن أهم ما يشدهم للركض منذ الفجر في دروب لا أعرفها و الاستلقاء بارتخاء على أرائك المقاهي الفاخرة و تلك التي تعج بالبطالين و بمن
يتدبرون نشر آخر غسيل سقط من نوافذ الفرز ...أهم ما يشدهم معنى التفاصيل التي تحشرهم في جوف الحياة. المعنى الذي أفتقده لأضع قدمي على الأرض و أدرك ما لم يطف على عقلي لأرى الحياة كما يرون . لا شك أنهم وجدوا تفسيرا للضباب الجاثم على الصدور
و لأحزمة الفقر التي تختنق بها المدن و مسالك القرى و لأقبية مسالخ الحمير و القطط و مكامن الجرذان المتسلقة لأعمدة البيوت العتيقة ...و أنهم انسجموا مع أنفسهم حتى و هم يجلسون قبالة قمامة تزخر بفضلات سنوات عجاف و برائحة لم تعد تزكم أنوف العابرين
و أن المشهد سيصبح خواء لو صادف أن نزلت أمطار غزيرة و جرفتها حتى مشارف منازلهم.
هذا هو المعنى الوحيد الذي أدركته ...أن تفعل قوة قاهرة مالم تفعله سواعد و عقول تفرقت بها سبل المعاني ...يغرفها أصحابها بسهولة متناهية من اجتياحات لا متناهية و مجلوبات
موغلة في الغرابة ...يقنعك في الآن نفسه بالشيء و نقيضه ...و لا تجد سوى التيه طريقا
لتمضي حيث يمضون ...
و تذكرت أن بقية من عقل مازالت تحثني على التوقف لأجد بعضا من معنى ...و استوقفت
من العابرين في بوابات الغربة الكثير ممن أحسست على وجوههم حيرتي ...و سألت الجزار عن مصدر اللحم فكاد يشطرني بساطوره اللماع ...و بائع السمك الذي استشاط غضبا بعدما أدرك عدم رغبتي في الشراء ...قال ان اليوم مفلس بكم ...و كان علينا أن ندفع لمجرد النظر الى أسماكه التي يجتاحها الذباب ...و أرملة اعتصرت بين أناملها سنين الحرمان و ضيق الحال لم يشأ قبول نقودها التي لم تكفيها لشراء سمكتين ...و أظن أن المرأة عندما حاصرها بنظرته الشزراء من أسفل قدميها الى أعلى رأسها المكور في قماش عتيق قد أشرفت على السقوط ..فيما تجولت بعينين مكسورتين بين الواقفين و تابعت السير نحو المتاهة ..لا شك أن المعنى الذي يقودها الى مثل هذه المواقف هو أكبر من أن يتصوره واقف على ناصية بائع الأسماك .
و تذكرت الصبية المولعين باللعب في مداخل العمارات و الأحياء و هتافاتهم و تفوههم بأحقر العبارات على مسمع من المارين و بأسفل ما يتلفظ به لسلخ الحياء ...و تذكرت عزم الطفل الذي يتحدى عند الراحة معلمه باندفاعة متعمدة و بألفاظ نابية ...و تذكرت كيف تجنب المربي زرافات المشاغبين خلال تفريغ شحنات ردة الفعل المنحرفة ...أي معنى لكل هذا ؟...الكل يتطاول على الكل و سعيد الحظ من لم يصادف يومه تشابك و لم ينه لهاثه بكرب .
و كان علي أن أفتح في دهاليز عزلتي ما به أستنير لأفهم سر انسجام لم يحصل في عقلي
المشتت و احساسي بغربة ازاء التقنع و لعب أدوار لم أخلق ليراني الناس عليها و أنا أتأملهم بألوانهم الشتى ...و لم تزدني الكتب التي قرأتها الا تيها ...ما صح من علوم انسانية و غير انسانية وجد طريق النفاذ الى مجتمعات تعانق عصر ما بعد الحداثه ...هم يتدبرون شؤون التعقيد بمقاربات غادرت نهائيا التيارات المتصادمه ...لم يعد الأمر متعلقا أي المقاربات أقوى و أيها سيصمد رغم الداء و الأعداء ...انك ترى جيلا يستحث الخطى و يسابق الزمن و الوسائل لمزيد راحة الانسان ...رحلة سعادة بأكف تركت لأخطر وسائل التأثيرقيادة العالم و يعتبر متخليا عن الانسانية أو متخلفا عن ركبها كل من أوغل في احياء السواد و افتعال فتن العصر...ليتشكل في نفس المجتمع من خير الرجوع الى الخلف و من بقي على الربوة و من لامس روحا جديدة لم تتبلور بعد ...ولكن الكل في التيه يرفل ...لكل المعنى الذي يعطيه لحياته و للآخرين ...
و قلت لعل تراكما و انسدادا أصاب قصبات رئتي حياتي ...و أن شيئا من الخرف زارني و استحسن السكن في عقلي ...و أنه يسبب انهيار بناء المعنى لكل سلوك او تفكير أو احساس...فأنا قد أجانب الواقع بتحليلي و تأليف استنتاجاتي و أحكامي ...فقررت الغوص في نفسي فيما يشبه نفقا و اقتنيت رفشا و معولا و فأسا ...فأنا أحتاط لأشجار الجهل التي تكون قد فاضت بها روابي ذاكرتي و لجداول سدتها الأحزان المترامية كالصخور على ضفاف مشاعري ...و قلت لن أخرج قبل أن أتعهدني بالصيانة و التنظيف لأصلح على رصيف الحياة كلفني ذلك ما كلفني ...
و جبت مسالك خلتها بدني ...و مسارب فرعية تقرع كالطبل كلما اقتربت الى ما يشبه اسفنجة تتوسطها نافورة تضخ سائلا أحمر ...و سقفا محكم التطريز يتقلص وينبسط في حركة دورية لا تنتهي ...توقفت أمام ما يشبه الكرة الأرضية فكدت أصعق ببريق أسلاكها المتشابكة ...و هالني أن رأيت في ركن صندوقا أسود ...محكم الغلق ..لم أتمالك عن الفضول كأي بشر على وجه البسيطه ...ارتعشت أناملي وأنا أفتح الصندوق ...و كأن لوحة ارتسمت أمامي ...طفل البيدر ...صبية الوادي ...ابن عمي الذي يختنق بماء غرقه ...مواكب دفن و أخرى لفرسان يزفون العروس التي تعتلي صهوة الهودج ...قهقهات الصبايا على ضفاف النهر الذي رحل بولدين و فتاة ...و بيه ...التي غرقت لتنقذ زيتونة من العطش ...و يد امتدت الي ...و أمسكت بتلابيبي ...كان غصن شجرة تدلت من سقف ذاكرتي ...أمسكت بالفأس و هويت على جذعها الراسخ ...فنزفت ...نزفت نغما حزينا سرعان ما طغى على المكان و كأن سنفونية انطلقت للتو تعزف النحيب وتتساقط مع انسيابها ابتسامة أمي و ضحكات أبي و هرج اخوتي يوم العيد ...شريط السنين الخوالي
يتربص بصبري و الأنغام تخلخل ضلوعي ...تحسستها ...فانسجم الطبل داخلها مع النغم الذي بدأ يطلق زفير تعبه ...كدت أفرغ ذاكرتي و لم أجد جوابا غير أن المعنى نزف كما لم أفهم على ما يبدو ...فقد خفت أن أنبش أكثر ...فألاعيب العقل غير محمودة العواقب ..
هكذا حدثوني و أنا أغادر تلافيف الدماغ الى جدول قادني الى كتلة لحم منتفضة تزرع في النفق سائلا يتدفق في أنابيب ملتوية و ضاربة في عمق النفق ...مضخة تبعث بقرع طبل طاعن في القدم ...و افترضت كما لو أنني لم أغادر عقلي الافتراضي أنه لا يمكن أن يشبه القلب الذي حدثوني عن حجمه ...حمال الأسى و نافورة الفرح ...مكمن الأسرار ...و بوابة الدخول الى الأحاسيس و المشاعر المغدوره ...و آخر الطرق المؤدية الى اليقين الذاتي عندما يتشظى الفكر و يعجز العقل عن لملمة التفاصيل الممعنة في التشظي ...و لم أفلح في فهم مقاصدهم و بحثت عن رابط يصلني بما بقي من الأحاسيس متدفقا و عن خيبات حفرت على جدرانه لوحات الانهيارات و عن ألق أحبة تركوا في صمامه أوشام وفائهم ...
حذروني من مغبة مغامرة قد لا أعود منها غانما بجواب يشفي غليل انشغالي و حيرتي ...و لم يكن بد غير التمادي ...و عرفت أن لعبة العقل هي من تقود التحدي ...كتمتمرس في رواق يستعرض اللوحات الفنية لأحقاب متعاقبة ...صور غريبة لا يجسدها البشر و لا الأشياء و لا حتى الألوان التي ميزتها ...
مررت بما يشبه الشيخ الذي يحتضر...قيل انه اسمه " وفاء" أطلقوا اسمه على الشوارع المكتظة بالغدر تبركا به ...و تخليدا لذكراه ...و بنافورة تنزف سائلا لا لون له ...قيل انه الوجع الذي لا يؤلم غير صاحبه ...ينحدر من سلالة العزلة و الضيم ...و بما يشبه قيثارة تعزف مواويل الضجر ...و لم أجد ما أهدمه بين حناياه ...نسيت كما ينسى البشر أن أحمل مع الفأس و المعول ما به أسقي زهورا ذابلة نمت على سطحه المتصحر ...
عندما انتهت جولتي كنت قد أدركت آخر النفق ...فيما انصبت هواجسي على بذرة أمل تقودني الى فهم ما يجري من حولي ...فكل ما اقتدرت عليه المزيد من النزف داخل النفق و أن المعنى الذي فقدته ذات فوضى ...لم يكن غير ألايقين الذي استوطن الكل ...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن