صيّاد الشعراء

حسان الجودي
has_joudi@yahoo.com

2018 / 8 / 17

هناك نسختان من بطل روايتي الجديدة. النسخة الأولى ترتدي قميصاً على شكل معجون أسنان وبنطالاً قصيراًعلى شكل فرشاة أسنان. وقد تركتها في أحد الفصول نائمةً في مقصورة العلاج الكيماوي للأطفال المصابين بالسرطان. لقد استنفد بطلي قواه، وهو ينظف أسنان الأطفال بلين ولطف وبراعة، حتى لا يؤذي لثتهم المتقرحة. بينما كانت النسخة الأخرى تتجول في محيط المشفى الضخم وهي تحمل سلاحاً قاتلاً تحت معطفها الجلدي الفضفاض تريد به اصطياد الشعراء الراغبين بزيارة أحلامهم في المشفى.
وقد وقعت في حيرة بالغة، أنا الروائي خالق هذا البطل، حين شاهدت النسختين تشربان القهوة السوداء في كافيه المشفى ، تتحدثان قليلاً ثم تنصرفان إلى وجهتييما المختلفتين. حاولت بدون جدوى إعادتهما إلى نسخة واحدة أستطيع متابعة الرواية معها، لكنني فوجئت برفض قاطع. ثم بناء على إلحاحي المتواصل وُعدتُ بتحقيق ذلك بعد إنجاز المهمة المطلوبة. لم أعرف أية مهمة تقصدان، رعاية أسنان الأطفال المحتضرين أم قتل الشعراء الأصحاء!
ثم قررت الراحة والتوقف المؤقت عن كتابة الرواية. فاستأجرت عربة كبيرة ملونة لبيع البوب كورن. وقفت في إحدى الحدائق الجانبية المطلة على مشفى الأمل الضخم .وفرحت بأرتال من الأطفال قدموا من الداخل لشراء الذرة اللذيذة. كانوا أطفالا مبتسمين ضاحكين مما سمح لي بمعاينة لثتهم السليمة وأسنانهم البراقة. أخبروني أن معدل نجاتهم تجاوز 90% وأن الفضل يعود إلى صائد الشعراء الذي نظف مستقبلهم من الرثائيات، والسياسيات، والمأتميات، والسلوكيات الحسنة للديكتاتوريات واللاهوتيات، والبلاغيات المستنفدة، واللغويات المتحجرة والهشة، والخصوصيات الفظة، والعموميات المريضة. وقبل كل هذا، الحزن مثير الاكتئاب، والنواح، الدليل العربي الممتاز إلى المقابر.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن