البصرة: مرضعه العرق الاقتصادية ونافذته الحضارية و.....ثورته المستقبلية!! .... (3))

خلف الناصر
kh_anaseeratamyme@yahoo.com

2018 / 8 / 13

وإذا كانت ((الثورة حق مشروع للشعوب، بعد أن تعجز جميع الطرق السلمية في استخلاص حقوقها الإنسانية!))(ج2)

فإن للبصرة أكثر من حق مشروع في الانتفاضة والثورة السلمية وغير السلمية، لأنها حملت العراق بكامله على أكتافها اقتصادياً، بينما هي محرومه من كل حقوقها في ثرواتها الطبيعية وجميع حقوقها الإنسانية تقريباً!
والحقيقة الغائبة عن أذهاننا لكنها ماثلة أمام أبصارنا بكل وضوح، تؤكد لنا: بأن البصرة لو لم تكن عراقية، لأصبح العراق واحداً من أفقر البلدان العربية!

فالبصرة تقع على الخليج العربي، وهي جزء من هذا الحوض النفطي الخليجي الهائل، الذي يمد العالم كله بالطاقة.. وباحتلال الولايات المتحدة للعراق مبتدئا باحتلال البصرة، تكون قد وضعت يدها على معظم نفوط إقليم الشرق الأوسط بأكمله، ولم يتبق خارج هذه اليد الأمريكية الطويلة إلا النفط الإيراني وحده!
ولهذا تصعد الولايات المتحدة مع إيران متبعه سياسة "حافه الهاوية" وصولاً لحاله الحرب معها، إذا اقتضى تطور الأحداث الحالية بينهما هذه الحرب، خصوصاً بعد أن أمن الأمريكان مواقعهم حول إيران، وطوقوها بقوى معاديه من جميع جهاتها ـ أفغانستان ، دول آسيا الوسطى ، تركيا ، مشيخات الخليج ، وحتى العراق ، بالإضافة للكيان الصهيوني ـ وهذه دول جميعها خاضعة وتابعة للولايات المتحدة بدرجات متفاوتة!

وإذا ما نجحت الولايات المتحدة بالسيطرة على النفط الإيراني ـ سواءاً بإسقاط النظام أو بخضوعه لها مجبراً ـ فإنها ستهيمن على إقليم الشرق الأوسط بأكمله: نفطياً واقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً!
وهذا يعني هيمنه الأمريكان من خلاله على العالم كله تقريباً، كنتيجة طبيعية لما يمثله النفط من سلعة استراتيجية ومادة حيوية للحضارة الحديثة وحياة إنسانها.. والأهم بالنسبة للأمريكان هو: أن هذه الهيمنة الأمريكية على نفط المنطقة، ستضمن لهم بأن يكون هذا (القرن الواحد والعشرين) قرناً أمريكياً خالصاً، بالإضافة إلى تخلصهم من الهم الإيراني ولما تمثله إيران من نهج استقلالي في عالم اليوم، وامتلاكها لإيديولوجيا معاديه في جوهرها للإمبريالية الأمريكية والغربية عموماً، وللصهيونية العالمية وكيانها المزروع في فلسطين المحتلة!
*****
ويمكن القول دون مجازفة كبيرة، بأن الولايات المتحدة ما كانت لتقدم على احتلال العراق لو لم تكن البصرة جزءاً منه، وتمثل ثقلاً نفطياً عالمياً ملموساً، وله دور محوري في مقاييس ومستويات تشكيلات هياكل القوى العظمى، إذا ما امتلكته أو استحوذت عليه، أو أنها تحكمت بسياسته الإنتاجية والتسعيريه معاً!

والبصرة من الناحية الإنتاجية والاحتياط النفطي تشكل قوة موازية، إن لم تكن متفوقة على كل من الكويت وعلى دبي وربما أبو ضبي أيضاً كلاً على حده، وهي من ناحيه الغنى ـ لولا السياسات الخاطئة ـ يمكن أن تكون أغنى من هذه المشيخات الثلاث كل على حده أيضاً!
لكن، ومع كل هذا الغنى البصري، فإن الداخل إلى البصرة ـ قضيت فيها 4 سنوات من خدمتي العسكرية أثنا الحرب مع إيران ـ سيصاب بخيبة أمل كبيرة، وسيشعر بأنه قد دخل لمحافظة منكوبة وربما سيحس ـ إذا ما كان عراقياً ـ بالخزي من تخلفها المروع الذي يراه على كل المستويات، وبمشكلاتها المزمنة التي رافقتها وواجهتها مع جميع العهود: سواء كانت ملكية أو جمهورية :
فبنيتها التحتية متهالكة ومدمره وعمرها الافتراضي انتهى منذ عشرات السنين، ومائها شبه آسن وتنبعث منه روائح كريهة وغير صالح للاستهلاك البشري، وبعض مدارسها لا زالت طينية وبدائية وخالية من اهم المستلزمات المدرسية، وبعض طلابها لا زالوا يفترشون الأرض بدلاً من الرحلات المدرسية، وأغلب أحيائها ـ رغم تاريخية بعضها ـ لا زالت تفتقر إلى الخدمات الأساسية الأولية، بالإضافة إلى انتشار البطالة والفقر والجوع، الذي عم جميع مدن البصرة وأريافها، والفساد الذي نخر كل مرافقها ودوائرها ومسؤوليها وموظفيها.........الخ
*****
عند زيارة رئيس الوزراء العبادي للبصرة بعد انتفاضتها اصطحب معه وفد كبير من كبار العسكريين، دون أن يرافقه أيٌ من الوزراء والمسؤولين المدنيين أصحاب الشأن في البناء والإعمار والتشغيل والتوظيف.. وكانت هذه إشارة توحي لأهل البصرة بالحلول الأمنية وحدها، للتعامل مع مطالبه المشروعة!!
ومع هذا فقد وعدهم العبادي بالكثير من الوعود والحلول لمشاكلهم المزمنة، دون أن ينفذ وعداً واحداً منها، ليس لأنه لا يريد أن يفي بوعوده لهم.. إنما لأسباب موضوعية مهمة :
o أولها : أنه، وبحكم كونه رئيس وزراء مؤقت لحكومة "تصريف أعمال" بعد الانتخابات الأخيرة، فهو لا يستطيع ـ دستورياً ـ أن يقدم على قرارات سياسيه واقتصاديه وماليه خارج هذه الصفة المؤقتة لحكومته، بالإضافة إلى شل يده من قبل منافسيه على منصبه الخطير، كي لا تحسب لصالحه عند المنافسة مستقبلاً على هذا المنصب!
o وثانيها : وعده لمواطني البصرة بعشرة آلاف وظيفة، وهو يعلم جيداً أنه غير قادر على تنفيذ وعده هذا، لأنه قد تعهد قبلها للـ "البنك الدولي" ـ المختص بإفقار الشعوب والسيطرة عل مقدراتها ـ بإيقاف جميع تعينات التوظيف في العراق للسنوات: 2019,2018,2017 .. وهو لا يستطيع تجاوز هذه التعهدات الدولية بأي حال من الأحول!
o وثالثها : أنه لا يستطيع تنفيذ باقي وعوده الأخرى لأهل البصرة من ماء وكهرباء ومدارس وخدمات أساسية كثيره، والتي عجزت جميع العهود الملكية والجمهورية عن تقديمها، لصعوبة تنفيذها زمنياً ولما تحتاجه من أموال طائله وجهود تستغرق سنوات طويله، وليست أياماً معدودة سيقضيها بصفته رئيس وزراء مؤقت.. لــ (حكومة تصريف أعمال) منتهية ولايتها!
*****
وعوده على بدأ.. لو أنك دخلت البصرة قادماً من أيه دوله خليجيه، ستشعر بأنك قد دخلت مدينه منكوبة، ودخلت عالماً غريباً لا يمت إلى هذا المحيط الخليجي البراق بصله، رغم أن البصرة تشكل جزءاً بشرياً وحضارياً من هذا الخليج العربي، ورغم أنه كان يشكل جزءاً حيوياً من امتداد خارطتها الكبيرة وتاريخها الطويل، والتي مزقتها اتفاقيات سايكس/بيكو!

فالبصرة محافظه منكوبة حقاً : فهي التي تحملت العبء الأساسي من سنوات الحرب الثمان العجاف مع إيران، وهي التي حملت عبء دخول الكويت وحربها وحصارها الطويل، الذي (يبس) دماء أهلها ودماء العراقيين جميعهم، بالإضافة إلى تلقيها الصدمة الأولى المروعة من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003!

لكل هذا ولغيره، كانت البصرة محافظه ومدينه منكوبة منذ سنين طوال، ولو أنك قد قارنتها، ليس بدول الخليج العربي لبعد الشبه بينهما، إنما ببعض المدن والمحافظات العراقية الأخرى ـ كمحافظات إقليم كردستان مثلاً ـ ستجد أن البون شاسعا بينهما أيضاً، رغم تاريخيه البصرة وحداثه هذا الإقليم زمنياً وتاريخياً!
فعدد سكان محافظه البصرة مثلاً يتجاوز نصف عدد سكان إقليم كردستان.. لكن هذا الإقليم يحصل على 17% بالمائة من ميزانيه الدولة العراقية ـ بالإضافة لرواتب موظفيه وبيشمركته وحصة الإقليم التموينية ـ في حين أن البصرة لا تحصل على 5% بالمائة مما يحصل عليه هذا الإقليم من ميزانيه العراق ككل!
ورغم ان هذا الإقليم يحاول بناء دوله، بما يحصل عليه من ميزانيه العراق ـ وبسرقات النفط الذي هو ملك الشعب العراقي بأجمعه حسب الدستور ـ وقد بناها فعلاً، وحاول أن ينفصل بها عن الوطن الأم العراق ـ بالاستفتاء الأخير ـ لولا أن التوازنات الإقليمية قد أحبطت محاولته هذه.. في حين أن البصرة رفضت ـ وباستفتاء رسمي ـ أن تكون (إقليماً شبه مستقل) وتمسكت بعراقيتها وعروبتها، رغم ثرائها الذي يمكنها من أن تكون بمستوى ومصاف مشيخات الخليج العربي، أو قريباً منه على أقل تقدير!
فالبصرة هنا، وعذراً لهذه التشبيهات التي قد يراها البعض غير لائقة [كالإبل التي تحمل ذهباً وتأكل شوكاً].. أو هي "كالإبل التي يقتلها الضمأ .. والماْء على ظهرها محمول"!!
*****
فحتى في هذه المقارنة البسيطة بين الإقليم والبصرة، ستجد ظلماً كبيراً وبوناً شاسعاً بيت الاثنين أيضاً:
فالإقليم بأغلب مدنه قد تحول ـ بإرادة خارجيه ومنافسه إقليميه عربيه ـ إلى واحه جميله، بمدنه الحديثة وشوارعها العريضة والنظيفة، وبالخدمات الأساسية المتكاملة لأغلب زواره ومواطنيه.. بينما البصرة ومدنها لا زالت ترزح تحت ثقل نكباتها المتتالية، ولا زالت شوارعها مغبره وغير معبده أو معبده بطريقه رديئة، ولا زالت تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية الأولية التي يحتاجها مواطنوها في جميع المجالات، من الصحة إلى التعليم والتوظيف والسكن.......الخ

فمن هذه الزاوية الحاده، ومن هذه المقارنة البسيطة بين البصرة وإقليم كردستان ـ وحتى ببعض المحافظات العراقية الأخرى ـ وصنفنا كل منهما في مرتبه معينه.. فإن هذا التصنيف سيجعل :
o من البصرة محافظه منتجة توزع خيراتها على جميع العراقيين، وتحمل العراق بأجمعه اقتصادياً على اكتافها المنهكة!
o ويضع إقليم كردستان في مرتبه الإقليم الأناني المستهلك لجهد وثروات الآخرين.. فهو يأخذ من ثروات العراق ـ ومن البصرة خصوصاً ـ ولا يعطيهما شيئا تقريباً!!

فالبصرة (هنا) وحتى في هذه المقارنة البسيطة يقع عليها ظلم كبير.. وهي هنا أيضاً [كالإبل التي تحمل ذهباً وتأكل شوكاً].. أو هي "كالإبل التي يقتلها الضمأ .. والماْء على ظهرها محمول"!!
وعذراً مره ثانيه لهذه التشبيهات التي قد يراها البعض غير لائقة!
*****
إن هذا الوضع الظالم والغير عادل الذي عاشته البصرة على مدى تاريخها الطويل ـ وبالأخص بعد الاحتلال ـ قد حولها وأهلها جميعهم، إلى ما يشبه وضع (زنوج البصرة في القرن الثالث الهجري).. وقد تراكم هذا الظلم التاريخي للبصرة وتفجر أخيراً بصورة هبة البصرة وانتفاضتها الحالية، والتي قد تتحول إلى ثوره عارمه كـ "ثوره الزنج" ، وقد تقود تداعياتها إلى ثوره كبرى للعراقيين جميعهم في مستقبل الأيام!
وعندها ستصبح البصرة أم لثوره العراق المستقبلية، كما كانت ـ وعلى مدى تاريخها ـ مرضعه العرق الاقتصادية ونافذته الحضارية.. (من وإلى) العالم أجمع!

kh_anaseeratamyme@yahoo.com



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن