التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية: أضواء نظرية من الفكر الاقتصادي و إشارات تطبيقية من التجربة الراهنة لليبرالية الجديدة في جمهورية مصر العربية

محمد عبد الشفيع عيسى
moh_eesaa@hotmail.com

2018 / 8 / 8

القسم الأول
التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية
فى الفكر الاقتصادى العربي

مبحث أول
مفهوم "التنمية الشاملة": تحديات النشأة والتطور
ظهر ثم انتشر مفهوم "التنمية"، وبخاصة "التنمية الشاملة"، على مستوى الفكر الاقتصادى العربى والعالمى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، معبرا عن إحداث الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية للدول الوطنية الجديدة في عصر (ما بعد الاستعمار) اعتمادا على إحدث تحولات هيكلية جذرية في الاقتصاد الوطني، باتجاه تقوية القاعدة الصناعية والتكنولوجية وإنجاز خطوات ملموسة على طريق العدالة الاجتماعية ومواجهة إرث التبعية على صعيد العلاقات الاقتصادية الخارجية.
وقبل أن نعرض للمفهوم من حيث مضمونه وبعض تجلياته في الفكر الاقتصادي العربي، نقدم السياق الذي نشأ وتطور من خلاله، انطلاقا من التحديات الفكرية المصاحبة.
كان أول هذه التحديات تحدى "الفقر" الذى تمت صياغته ابتداءً فى أروقة البنك الدولى فى عقد الثمانينات من القرن المنصرم ، خلال ولاية وزير الدفاع الأمريكى الأسبق روبرت ماكنمارا، ليكون بديلا للتنمية الشاملة الحقيقية
و قد تحول "الفقر" خلال سنوات ليصير بمثابة "أقنوم" جامع لتفسير التخلف والتنمية جميعاً، حتى لقد أصبحت مواجهة أو مكافحة الفقر "وصفة" تبدو صالحة للتعبير عن نظرية كاملة فى التنمية ، تبدو بديلة للتنمية الشاملة بالذات (1) .
وكان ظهور "الفقر" (بطلاً) قد أعقب ظهور جملة مفاهيم مرتبطة بالدعوة إلى (إقامة نظام اقتصادى عالمى جديد) فى عقد السبعينات وشىء من مطلع الثمانينات ، وأخصها مفهوم "الاحتياجات الأساسية Basic Needs " أى اعتبار الاحتياجات الاجتماعية الضرورية مرشداً أساسياً لعملية التنمية وتم تلخيصها فى خمسة حاجات : الغذاء ، الكساء ، السكن ، التعليم ، الدواء . ومع هذا المفهوم برزت أخريات مرتبطات مثل : "التكنولوجيا الملائمة" ، و "الاعتماد على الذات" ، و "الاعتماد الجماعى على الذات" ، و "التوجه نحو الداخل" (2) .
ولكن التسعينات والعقد الأول من القرن الجديد ، وما بعده .. حتى الآن ، شهدت (بطلاً) مختلفاً تحت مسمى "التنمية البشرية" أو "التنمية الإنسانية" أحياناً ، وكان انتشار المفهوم أو التعبير الجديد يمثل ما اعتبر بديلاً كاملاً لمفهوم "التنمية الشاملة" . وتم تلخيص "التنمية البشرية" فى أمر واحد تقريباً هو "توسيع الخيارات للناس" اتباعاً للمفكر الاقتصادى الأمريكى (من أصل هندى) -أمارتيا سن- فى كتابه الأشهر (التنمية حرية) وهو ما تم تركيزه آخر الأمر في جانبيْن: أولهما تحسين مستويات الدخول وتوفير فرص العمل المُكسبة للدخل وهو ما يعتبر بمثابة الترياق الشافى لما سمى بفقر الدخول ، وثانيهما : تحسين القدرات لاسيما القدرات التعليمية والصحية، وقد اعتبر ترياقا لما سمى "فقر القدرات" أو "الحرمان البشرى" .
وهكذا قدمت "التنمية البشرية" كمفهوم جامع للتنمية فى حد ذاتها ، من ناحية أولى، و للمفهوم السابق (الفقر)، من ناحية ثانية .
وقد أصاب هذا الالتباس بعض أعلام الفكر الاقتصادى العربى بقدر من الحيرة ، وخاصة مع النشاط الجم من قبل (الليبراليين الجدد) من المدرسة المشتركة لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى الثمانينات والتسعينات ، لإحلال ما سمى بالمدرسة النقدية بزعامة الاقتصادى الأمريكى الحائز لجائزة نوبل (ميلتون فريدمان) محل المدرسة الكينزية (نسبة للاقتصادى البريطانى الكبير جون ماينارد كينز) .. ويعنى هذا إحلال الاتجاه الداعى إلى خفض العجز فى الموازنات العامة للدول ، والمؤدى إلى التضخم والركود معاً من خلال خفض مخصصات الإنفاق الاجتماعى الموجه إلى الفئات محدودة الدخل (كالإنفاق على التأمينات الاجتماعية و خاصة التأمين الصحى والتقاعدى وتعويضات الغذاء والبطالة) بدلاً من خفض نفقات التسليح وعسكرة الاقتصاد الصناعى وخاصة فى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية .
انتشرت دعوات (الليبراليين الجدد) فى الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم ومطلع القرن الجديد ، فى أرجاء الوطن العربى الفسيح ، وخاصة فى البلدان العربية غير المنتجة للنفط ، انتشار النار فى الهشيم ، كما يقولون ، تحت مسميات مثل (توافق واشنطن) أو (إجماع واشنطن) Washington Consensus – بناء على إجماع طواقم العاملين فى كل من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى القائمين فى العاصمة الأمريكية ، ومثل (التثبيت الاقتصادى) أى تثبيت أوضاع الموازنات النقدية والمالية للبلدان الواقعة فى فخ الاستدامة الخارجية ، و "التصحيح" و "التكيف الهيكلى" ، أو "وصفة الصندوق" والقائمة على خفض عجز الموازين النقدية والمالية على حساب النفقات الاجتماعية .
فى هذا الخضم المعقد للفكر التنموى العالمى والعربى ، عبر البعض عن المأزق المركب للفكر التنموى المواكب لمقولة "التنمية الشاملة" العتيدة المتمركزة حول التحول الهيكلى باتجاه التصنيع والتطور التكنولوجى المنسجم، والعدل الاجتماعى الجذرى، حيث ذكر نفر على سبيل المثال ، ما يأتي فى معرض المقابلة مع "التنمية البشرية" بالذات:
(.. حدث فى بداية التسعينات أن ابتدعت الأمم المتحدة شعاراً جديداً هو "التنمية البشرية" قدم كبديل للأهداف الإنسانية التى شاع الاهتمام بها فى السبعينات ـ ولكن مفهوم التنمية البشرية هذا وعلى الرغم من سعيه على المستوى النظرى لاستيعاب كل الأهداف الإنسانية المهمة ، ما زال مقيداً عملياً ضمن حدود مؤشرات احصائية قاصرة .. وقد قُدَم إلينا هذا المعيار الجديد لتقييم الأداء فى التنمية دون أن تبذل أية محاولة لبيان لماذا فضلت هذه الصياغة لأهداف التنمية على تلك الصياغة الأقدم والأبسط وهى إشباع الحاجات الأساسية ..) (1).
.. أما أحدث (الصرعات) البديلة لمفهوم التنمية الشاملة ، فهى (التنمية المستدامة) والتى ظهرت بداية فى التسعينات كترجمة للتنمية البيئية أو التنمية المتصالحة مع البيئة Eco-Development ثم حررت من (اختطاف) البيئيّين لتقدمها (الأمم المتحدة) مؤخراً كأقنوم (شامل) جديد ، حتى اعتبرت أساساً لاستراتيجيات التنمية الجديدة علَماً على مرحلة زمنية تمتد من 2015 إلى 2030 فى أعقاب (ألفية التنمية) الممتدة من عام 2000 إلى 2015. ومثلاً فقد قام فريق كبير مشتغل فى إطار وزارة التخطيط المصرية بإعداد ما سمى (استراتيجية التنمية المستدامة حتى عام 2030) ، وحدث أمر مشابه فى المملكة العربية السعودية؛ و يجسّد هذا وذاك تأثيراً اختراقياً عميقاً لصرعات الفكر الاقتصادى (الرسمى) العالمى ممثلاً فى أسرة الأمم المتحدة ، فى صلب التوجهات الفكرية للسياسات الاقتصادية والتنموية الرسمية فى عديد الدول العربية.

مبحثٌ ثانٍ
بعض التجديدات والتجليات
حدثت بعض التجديدات فى الفكر التنموى منذ أوائل القرن الجديد ، من أهم هذه التجديدات: الدعوة إلى مواكبة تحولات الاقتصاد العالمى باتجاه عصر "ما بعد الصناعة " حيث تعطى الأولوية للخدمات القائمة على العلم والتكنولوجيا، فيما يسمّى (الاقتصاد الخدمى) مقابل اقتصاد الزراعة ثم الصناعة. وفى إطار هذه الدعوة جاء الاهتمام بأبعاد جديدة للتنمية فيما يتصل بالبعد العلمى والتكنولوجى خاصة، مثل ضرورة الاهتمام بجودة التعليم العالى و "البحوث والتطوير" والابتكارات الإنتاجية ، واستغلال الملكية الفكرية. وجرت فى هذا الإطار دعوات مرتبطة بما سبق ، مثل "الاقتصاد الجديد" و "الاقتصاد المعرفى" و "الثورة الرقمية" .
وتتمثل الإضافة الرئيسية لهذه الأفكار فى ضرورة "تنويع الهياكل الاقتصادية" بحيث لا تبقى حبيسة الاهتمام بالموارد الطبيعية التقليدية الزراعية والمجتمعية ومصادر الطاقة الأحفورية (من النفط والغاز الطبيعى) ، وإنما تحقق الارتقاء الصاعد نحو الأخذ بأحدث كلمة قالها العلم والتكنولوجيا الملائمة للبيئة والمجتمع .
طوال مسيرة التطور الفكر الاقتصادى العالمى على النحو السابق ، كان الفكر الاقتصادى العربى مواكبا له بتجلياته المختلفة، وخاصة فى عهد "الآباء المؤسسين للفكر الاقتصادى العربى مثل يوسف صايغ و إسماعيل صبرى عبد الله ومحمد محمود الإمام وسمير أمين ومعهم كوكبة متنوعة النجوم من أمثال فتح الله ولعلو والشاذلى العيارى ومنصور الأطرش وخير الدين حسيب ومحمد دويدار وعبد اللطيف بن اشنهو؛ ثم اقتصاديون عرب كُثر ذهبوا زرافات و وحدانا ، نحو إثراء وتجديد الفكر الاقتصادى العربى ضمن مجموعات و "حلقات" علمية تعتبر بمثابة مدارس للفكر التنموى فى السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم ، كما هو الحال بالنسبة للمعهد العربى للتخطيط ومقره في الكويت ، ومعهد التخطيط القومى في القاهرة ، و "المؤتمر العلمى للاقتصاديين المصريين" فى إطار الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع .. وغيرها .
وقد تمت الاستفادة فى ذلك من التراث العربى الإسلامى فى مجال الاقتصاد والاجتماع ، انطلاقاً من ابن خلدون ، وبرزت اجتهادات من قبل عدد من المؤرخين العرب حول التاريخ الاقتصادى العربى على أيدى عدد من الرواد مثل عبد العزيز الدورى وعلى الوردى .
تبلورت جملة أفكار اقتصادية عربية فى ضوء ما سبق تمثل ما يمكن اعتباره "فكراً اقتصادياً عربياً"، فى القلب منه الاهتمام بشمول التنمية (التنمية الشاملة) وبأهمية التحولات الهيكلية الجذرية للاقتصاد ، والاهتمام بالبعد الاجتماعى المتصل بقضية العدالة ، والأبعاد الثقافية (التغير القيمى التنموى) بالإضافة إلى الأبعاد السياسية (كالمشاركة الديمقراطية) .
وفى ضوء ذلك يورد الدكتور يوسف صايغ –مثلا- عدداً من الكلمات الدالة بخصوص "محتوى التنمية" – وخاصة من حيث عدم كفاية "النمو الاقتصادى" للدلالة على "التنمية الشاملة" ، إذ يقول :
( إن التنمية كما أنظر إليها تتضمن تحسين معدل النمو الحقيقى ، ولكنها بالإضافة إلى ذلك تتضمن بعض الشروط الضرورية والهامة . وهذه الشروط هى أن الإنجاز الاقتصادى الذى يؤدى إلى النمو يجب أن يكون ناجماً عن نشاط يقوم به المجتمع والاقتصاد ، فلا يكون نتيجة جزر قائمة فى الداخل من التكنولوجيا الأجنبية و رأس المال الأجنبى ، وأن يكون معدل النمو المحسّن قادراً على الاستمرار وليس مجرد طفرة عابرة، وأن يرافق الأوضاع المحسنة ، إن لم يسبقها، تغييرات اجتماعية وسياسية تعطى أهمية لهذه الأوضاع وتكملها وتحافظ على استمرارها. كما يراعى أن يرافق الأداء المحسّن مشاركة اقتصادية واسعة من قبل السكان ، وأن يرافق القرارات الاجتماعية والسياسية المتضمنة فى تخطيط استراتيجيات وسياسات التنمية ، وفى توزيع واستعمال موارد التنمية مشاركة اجتماعية وسياسية واسعة من قبل السكان . وأخيراً أن يرافق الزيادة الملحوظة فى الإنتاج والإنتاجية قدر كبير من عدالة التوزيع كى يفيد بشكل واف أوْلئك الذين عملوا على خلق هذا الناتج . وأخيراً يجب أن توجه التنمية إلى تلبية حاجات الجماهير بالمقارنة مع التنمية الإحصائية التى تكتفى بالمعدلات الحسابية ولكنها تبقى صامتة حول ما يحدث للكائنات البشرية الحقيقية فى البؤر السكنية المدنية والمناطق الريفية المعدومة).
ويذكر كاتب آخر فى معرض التنقيح بالتعديل الجوهرى للتنمية البشرية والتنمية المستدامة كليهما : { ... يتم التنقيح بالتعديل الجوهرى التنمية البشرية والتنمية المستدامة كليهما عن طريق دمجهما فى مفهوم "التنمية الشاملة" التى تعانق الأبعاد المختلفة للتنمية: الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية – التكنولوجية ، فى إطار من كفاية الإنتاج والعدل التوزيعى ، وتعظيم أدوار "الشركاء الاجتماعيين" فى ظل انتقال ديمقراطى منسجم مع الظروف التاريخية للمجتمعات النامية ، بما فيها البلدان العربية. و فى مركز المفهوم الشامل للتنمية، تحقيق تحولات هيكلية للاقتصاد الوطنى ، بزيادة النصيب النسبى لقطاعىْ الصناعة التحويلية ذات العمق الانتاجى والتكنولوجى الحقيقى ، والخدمات العلمية -التكنولوجية بالمفاهيم العصرية ، فى توليد الناتج المحلى الاجمالى. وهذه التحولات ينبغى أن تكون تحولات ، بل و "مخططة"، بفعل الدور التوجيهى والقيادى للدولة والسلطة العامة الشعبية بالمشاركة مع منظمات المجتمع المدنى ، من دون إخلال بالدور المفترض الرئيسى فى عملية الإنتاج للشركاء من القطاع الخاص ، سواء من الأصغر أم الصغير و المتوسط ، و كذا الشرائح من "القطاع الخاص الكبير" المتجاوبة تشاركياً مع مقتضيات التنمية بمفهومها الكلى و مع التخطيط الوطنى الشامل ، بما فيه "التخطيط التأشيرى" } (1) .


خلاصة
يتضح في النهاية أن "التنمية الشاملة" مقولة تقوم على ركنين : أ-التحول الهيكلي، بمعنى إحداث تغير جذري باتجاه غلبة الوزن النسبي للصناعة التحويلية والخدمات العلمية التكنولوجية على هيكلية القطاعات المولدة للناتج المحلي الإجمالي. ب العدالة الاجتماعية، ولها مدلول جذري قائم على إعادة توزيع الدخل الوطني والثروة الإجمالية بما يتكافأ مع الوزن النسبي للقوى الاجتماعية الممثلة للغالبية الساحقة من المجتمع، ويتصل بمفهوم العدالة معنى جزئي ذو طابع انتقالي يقوم على ما يسمى بالإنصاف، ويدل على توزيع الأعباء الناجمة عن المسار الإنمائي-أو "عدم الإنمائي" بالأحرى في حالات أخرى- استرشادا بالمساهمة النسبية للقوى الاجتماعية في توليد الناتج الإجمالي للمجتمع.
وإذا كان المفهوم العدالي بالمعنى الواسع قد تجلّى بشكل أساسي في الفكر الاشتراكي العلمي، فقد ظهر، وإن بصورة هامشية، في الإطار العام للفكر الاقتصادي الرأسمالي بالدول الصناعية من خلال "الكينزية" عبر تجربة "دولة الرفاهة" في أوربا الغربية و لفترات متقطعة بالولايات المتحدة الأمريكية، في المرحلة الممتدة من ثلاثينات القرن المنصرم حتى منتصف السبعينات، تاريخ نشوء ما يسمى بالليبرالية الجديدة وخاصة في البلدان النامية، و أوكل الإشراف على تطبيقها لصندوق النقد الدولي، كما ظهر في عديد التجارب العربية ، ومن بينها التجربة الأخيرة لجمهورية مصر العربية.






القسم الثاني

إشارات تطبيقية من التجربة الراهنة لليبرالية الجديدة في جمهورية مصر العربية


مبحث أول
نحو الليبرالية الجديدة في مصر: مسارات و مآلات "الاقتصاد الحر"

ماذا تعني كلمة " الاقتصاد الحر "..؟
في محاولة للإجابة على السؤال، بلغة علم الاقتصاد، نقول إن لهذه الكلمة، غير الشائعة كثيرا بنصها في الكتابات الاقتصادية المعاصرة، ثلاثة معان مترابطة:
المعنى الأول هو إيلاء الثقة الكاملة أو شبه الكاملة للمبادرات الفردية ولأصحاب الملكية الخاصة (القطاع الخاص) أكثر من جهاز السلطة العامة ولو كان جهازاً ديموقراطى التكوين والأداء .. وقد كانت الدولة المصرية في عصر ثورة 23 يوليو (1952-1970) قد أقامت قطاعاً عاماً عريضاً ، بوسائل
متنوعة، كانت ولم تزل محل اختلاف وخلاف ، ثم جاءت سياسة "الانفتاح الاقتصادى" ، وخاصة من بعد حرب اكتوبر 1973 ، لتضع علي رأس جدول أعمالها التحول عن القطاع العام الي القطاع الخاص بذرائع مختلفة .
ومن الناحية العملية فقد تم التخلص من الجسم الرئيسي للقطاع العام بجمهورية مصر العربية، ولا سيّما شركاته الصناعية، بأساليب مختلفة، عبر ما سمى بعد ذلك " الخصخصة "، حيث تحول نحو سبعمائة شركة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، خلال فترة الاندفاعة الكبيرة إلى "الخصخصة" في عقد التسعينات وحتى عام 2005 وهي فترة الانعطافة الحادة نحو القطاع الخاص الكبير، من عالم "رجال الأعمال". وبذلك عاد الاقتصاد المصرى عارياً من القاعدة التصنيعية الى حد كبير، إلا في إطار القوات المسلحة بالمعنى العام ، سواءمن خلال الشركة القابضة لشركات الإنتاج الحربي ، أم الهيئة العربية للتصنيع- العسكرى .
أما من الناحية الفكرية فإن الخصخصة الشاملة جرت، و لسوْف تجرى توابعها فيما يبدو خلال الفترة القريبة القادمة – تحت ظل مقولة فكرية نراها عارية عن الصحة من زواية الفكر الاقتصادى الذي نراه كذلك. إذْ يقول خصوم الملكية العامة إن القطاع الخاص أكفأ بطبيعته من القطاع العام. و الحقّ أن فارق الكفاءة، إن وُجد، لا يكون بسبب نمط الملكية ولكن بسبب أسلوب الإدارة الانتاجية ، فرُبّ مشروع عام حقق مستوى من الانتاجية والكفاءة والقدرة التنافسية أعلي من كثير من المشروعات الخاصة ، لو توفرت له عوامل الإدارة السليمة والقوة البشرية المؤهلة .
هذا إذن هو المعنى أو الركن الأول لدعوى " الاقتصاد الحر"، و قد رأيناها لاتستند الي أساس متين، لا من الناحية العملية ( نزع التصنيع ) و لا من الناحية الفكرية ( مزاعم الكفاءة ).
أما الركن الثانى فهو الإيمان الكامل بآليات السوق الحر كما يقولون، أو اقتصاديات السوق، أو جهاز الثمن، جهاز الأسعار، أو " العرض والطلب"، وفق هذه المترادفات جميعا.
من الناحية الفكرية يستند دعاة " السوق الحر" الخالص - و هم بالمناسبة قليلون جداً على ساحة الفكر الاقتصادى التنموى المعاصر – الي أن السوق هي الأداة المثلي لتخصيص الموارد وتوزيع الدخول، ويرجعون في ذلك الي ماذكره آباء الاقتصاد السياسي الكلاسيكى في الربع الأخير من القرن الثامن عشر في أوروبا، خاصة بريطانيا ، ولا سيما " آدم سميث " الذي دعا الي الحرية المطلقة للنشاط الاقتصادى ، إنتاجاً وتجارة ، وأن الدولة بطبيعتها زارع سيء ، وصانع سيىء ، وتاجر سيىء. و قد جرت مياه كثيرة في الأنهار من بعد آدم سميث. فقد بزغت من بعد المدرسة الكلاسيكية ، مدرسة " النيو كلاسيك " في اواخر القرن التاسع عشر وحتى الثلث الأول من القرن العشرين، ثم جاءت مدرسة جون ماينارد كينز علي وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى في العالم الغربي (1929-33) حيث دعت الي ما هو مختلف تماما، فيما عرف أوربيا ودولياُ بعد ذلك بمذهب " تدخل الدولة الرأسمالية " و " دولة الرفاهة". و استمرت سيادة الكينزية نحو أربعين عاماً، حتى منتصف السبعينات تقريبا، وفي نفس الوقت انتشر الفكر الاقتصادى الاشتراكى ومدارس التنمية و تيار نقد "التبعية" في العالم الثالث، وأصبح من الشائع الحديث فكرياً وعملياً عما هو عكس " السوق الحر " او " الاقتصاد الحر " تماماً .
و أصبح الأقرب الي المنطق الاقتصادى والمصلحة الاجتماعية الدعوة الي قيام الدولة – السلطة العامة ذات الطابع الديقراطى- بأداء وظيفتها التدخلية اقتصادياً واجتماعياً ، لمواجهة الظاهرة الواسعة العميقة التى يطلق عليها "فشل السوق ".
فلأسباب كثيرة ، من الناحية العملية ، اتضح إخفاق السوق الحرة في تحقيق التوازن الاقتصادى عند المستوى القريب من التشغيل الكامل للموارد الاقتصادية ، وقام على أنقاض مذهب " الاقتصاد الحر " اقتصاد جديد مؤسس على المزج بين السوق وتدخل الدولة الفعال ، فيما عرف بالاقتصاد المختلط أو الموجّه ، وخاصة في البلدان شحيحة الموارد فقيرة السكان كما هي مصر الآن.
صحيح أن النظام الرأسمالي الدولي قد انتفض دفاعاً عن نفسه في مواجهة دعوات العدل الاجتماعي وتنمية الجهاز الانتاجى في البلاد المتخلفة اقتصاديا ، فلجأ ذلك النظام الى استعادة فجة " للفكر الكلاسيكى " في ثوب آخر يقال له " الليبرالية الجديدة" كما يدعو إليها " صندوق النقد الدولي " و " البنك الدولي ". وهي بالغة الخطر والخطورة على التوازن الاجتماعي للبلدان النامية ، وعلى مستقبل التنمية الاقتصادية، إذْ تدعو الي تحميل عبء مواجهة الأزمات الاقتصادية علي عاتق الطبقات العاملة من المنتجين اليدويين والذهنيين، باعتبار أن تزايد الإنفاق الاجتماعي علي دعم الفقراء هو السبب االأساسي للخل المالي المزمن ، وليس أى شيء آخر مثل نفقات الاستهلاك غير الضرورى للأغنياء ، ونفقات التسلح والعسكرة الزائدة بلا موجب ضروري.
من هنا إذن – في مضمار الركن الثانى لفكرة و ممارسة " الاقتصاد الحر"- يتضح أن التعويل علي السوق ليقوم بالتصحيح الذاتي لآلية تشغيل الاقتصاد الوطني، أمر لا يمكن الاعتماد عليه علمياً وعملياً ، وأنه يمكن أن يؤدى الي إخلال خطير بالتوازنات الاقتصادية الكلية، و الاجتماعية أيضا، وأنه لا بد من استعادة الدور الفعال للدولة –ديموقراطيا– لتعيد التوازن المفقود وتفرض علي قوى السوق العمياء آليات تنظيمية و أدوات إشرافية تكفل السير علي طريق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
من ثم يأتى موقع الحديث عن الركن الثالث لدعوى لاقتصاد الحر، وهو الاستبعاد الكامل أو شبه الكامل للنهج التخطيطي الحقيقي، نهج التخطيط القومي الشامل بمساراته المتنوعة ولكن المتكاملة في نفس الوقت. وهم يزعمون الخشية علي الحريات الاقتصادية من التخطيط ، متجاهلين أنه يتضمن "التخطيط التأشيرى " المصمم للتأثير في سلوك القطاع الخاص ، بما يتكامل مع التخطيط المركزى لمشروعات القطاع العام والحكومى في منظومة شاملة متوازنة الآداء.
و يأتى في مضمار الركن الثالث أهمية تحقيق أحد الدروس المستخلصة من الحقبة المظلمة لما قبل ثورة يناير ، وهو ضرورة عدم السماح بأى قدر من التزواج بين المال والسلطة تشريعية، كانت أو تنفيذية ، كما كنا نقول جميعاً أثناء وعقب الثورة .
و يتحدث البعض منتقداً أى توجه نحو تفعيل التدخل الحكومى بزعم أنه كان فاشلاً علي الدوام ، و أن تصحيح الخلل بين العرض والطلب، يكون عن طريق زيادة عرض السلع في المنافذ التجارية ولو بالاستيراد، متناسياً أن بناء القاعدة الإنتاجية والتصنيعية هو العامل الرئيسي لتصحيح خلل التوازن بين العرض والطلب .. وأن التدخل من قبل أجهزة الدولة لمواجهة فشل الأسواق ، وتوجيه الاقتصاد بالتخطيط التاشيرى وبالخطة الشاملة ، هو العاصم دون الانحرافات الفعلية والمحتملة للفاعلين من القطاع الخاص بكافة شرائحه، الصغرى والصغيرة ، والمتوسطة والكبيرة جميعاً.







مبحثٌ ثانٍ
تخفيض و "تعويم" العملة المحلية وآثاره

شهدت مصر خلال الأعوام الخمسين الأخيرة ثلاثة قرارات اقتصادية ذات طابع (مصيرى) إذا صح التعبير، بمعنى ترتب آثار رئيسية وأخرى جانبية بالغة الأهمية فى تحديد المسار الاقتصادى المصرى.
- القرار الأول هو قرار "التأميم" عام 1961 تتويجاً لقرارات سابقة بالتمصير والتأميم ، والذى ترتب عليه تكوين "قطاع عام" كبير ، وخاصة فى المجالين المالى والصناعى، إلى حد أن أصبح القطاع الرئيسى المولد للناتج المحلى الإجمالى . وكان ذلك إيذاناً بانعطافة مجتمعية كاملة نحو ما صار يسمى "التحول الاشتراكى"؛ و قد استمر الحال على ذلك حتى وفاة الرئيس عبد الناصر 28 سبتمبر 1970 ، وبدأت بعدها انعطافة معاكسة اعتباراً من 15مايو 1971 .
- القرار الثانى هو إصدار "قانون استثمار المال العربى والأجنبى" عام 1974 ، الذى دشن عصراً كاملاً لأربعين عاما وزيادة ، هو ما قد يسمى عصر "الانفتاح الاقتصادى" .
- القرار الثالث هو "التعويم الحر" للجنيه أمام الدولار فى الثالث من نوفمبر –تشرين الثاني-2016 ، وهو قرار فإنه ستكون له آثار جذرية ذات طابع هيكلى على المجتمع والاقتصاد والسياسة فى مصر المعاصرة ، حتى أنه صار من الممكن أن يؤرخ للأحداث الاقتصادية الجارية فيقال: (قبل التعويم) و (بعد التعويم) ..! وكأنه نقطة فاصلة على مسار التحولات الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة على "المواطن العادى" .
وسبق أن عالجنا، و الآخرون، طبيعة قرار "التعويم الحر" وآثاره المستهدفة ، ولكن هناك جانباً آخر متعلقاً بالآثار "غير المدروسة" والتى لم تؤخذ فى الحسبان لدى صانعى القرار الاقتصادى قبل إصداره، والتى تؤثر بالسلب على الحكمة المفترضة نظريا من هذا الإصدار لدى أصحابه.
وفيما يلى رصد لبعض هذه الآثار غير المدروسة أو غير المحسوبة :

أولا : ترتُّب أعباء إضافية على الموازنة العامة، و منها:
أ - زيادة فوائد الدين العام وخاصة مع التوسع في إصدارات أذون الخزانة لتمويل الإنفاق العام.
ب - زيادة مخصصات الدعم النقدى (كرامة وتكافل ..إلخ)
ج - تعويضات المقاولين فى أشغال الحكومة .
د - زيادة أسعار توريد المحاصيل الزراعية .
هـ- وربما زيادة الحد الأدنى للأجور والمعاشات .
ويعنى ذلك أنه بينما كان أحد الأهداف الأساسية للتعويم هو الحد من عجز الموازنة العامة، فإن الأعباء المترتبة عليه تجعل من تحقيق هذه الغاية أمراً محفوفاً بالصعوبات، على الأقل .

ثانيا :
الأثر المزدوج لرفع أسعار الفائدة (12.50 على الودائع و 12.75 على القروض في بداية الأمر ثم رفع معدل الفائدة على الاقتراض مرة ثانية إلى ما يقرب من حاجز 20% في عدد من البنوك الكبرى ) :
أ‌- أثر إيجابى متمثل فى رفع مستوى الإيداعات للقطاع العائلى، وبالتالى : زيادة معدل الادخار الاجمالى بالإضافة إلى زيادة مستوى السيولة المصرفية المتاحة.
ب‌- أثر سلبى متمثل فى تشجيع تحول فوائض القطاع العائلى وقطاع الأعمال من الاستثمارات الإنتاجية – على قلتها- إلى الإيداع النقدى بالجهاز المصرفى، بالنظر إلى أن معدل العائد على الاستثمار لا يبلغ عادة مستوى العائد على الإيداع المصرفى .
ولكن من جهة أخرى فإن ارتفاع معدل التضخم السعرى، بصفة عامة ، والرقم القياسى لأسعار المستهلكين خاصة ، يؤدى إلى تآكل سعر الفائدة الحقيقى على الودائع المصرفية إلى الحد السالب، و ذلك بالمقارنة بين سعر الفائدة الإسمى ( حوالي12.50) ومعدل التضخم والذى بلغ 20% تقريباً فى شهر نوفمبر 2016 الذى تم فيه اتخاذ قرار التعويم ثم إلى نحو 25% في ديسمبر. علما بأن هذا المعدل محتسب بإعطاء الوزن النسبي الأكبر لسلوك الأسعار في السلع الغذائية، فإذا أعطيت أوزان مكافئة لفئات السلع الاستهلاكية الأخرى، فلسوف يرتفع "الرقم القياسي لأسعار المستهلكين" عن ذلك المعدل المقدر بواسطة جهاز الإحصاء.
و إن انخفاض سعر الفائدة الحقيقى على الودائع المصرفية يعنى انخفاضاً فى الدخل الحقيقى للمواطنين من القطاع العائلي القائمين بالإيداع بنسبة اعتماد فئات المودعين عليها كمصدر للكسْب.

ثالثا
يؤدى ارتفاع أسعار الواردات الناجم عن التعويم وعن بعض القرارات الأخرى، إلى أثر ايجابى بصفة أولية، وهو خفض الواردات عن مستواها السابق عموما، وبالتالى خفض حجم العجز التجارى ونسبته إلى اجمالى معاملات التجارة المنظورة وغير المنظورة (أى السلعية والخدمية). ولكن ارتفاع أسعار المستوردات فى حالة الاقتصاد المصرى المعتمد بصفة أساسية على الاستيراد فى توليد نصيب مؤثر من الناتج المحلى الاجمالى ، أدى، و سوف يؤدى، إلى نتائج متسلسلة قوية على المستوى العام للأسعار فى الداخل .
ومن المعلوم أن ارتفاع المستوى العام للأسعار، بافتراض بقاء الأشياء الأخرى على ما هى عليه، كما يقال بلغة "الاقتصاد التجريدى"، قد يؤدى إلى انخفاض الطلب الكلى إلى المستوى التوازنى عند نقطة القرب من "التشغيل الكامل" . ذلك يمكن ان يصح، ضمن قيود معينة ، فى الاقتصاد الرأسمالى المتقدم . ولكن فى اقتصاد نامٍ ، غير ناضج جهازه الانتاجى مثل الاقتصاد المصري، يؤدى التضخم السعرى المتصاعد إلى ركود اقتصادى و إلى اهتزاز فى البنيان الاجتماعى، فى نفس الوقت . فارتفاع الأسعار، وخاصة المدخلات المستوردة ، يؤدى إلى انكماش الطلب على الناتج ، بفعل رفع أثمان المنتجات النهائية والوسيطة، برغم اشتداد الحاجة إليها لسد الاحتياجات الاستهلاكية، و لتسيير دولاب العمليات الإنتاجية . هذه إذن بمثابة تغذية لدورة ركودية ممتزجة بالتضخم، وقد تتحول إلى أزمة مزمنة لما يسمى بالتضخم الركودى.
وفى أجواء الركود المتعمق بالتضخم ، يقوم المنتجون ملاك رأس المال و متحصلو "ريع الندرة" في قطاع الخدمات المهنية– وهم أصحاب "الدخول المتغيرة" كما يقال- برفع أثمان المنتجات من السلع والخدمات للتعويض عن أثر ارتفاع القيمة النقدية للمدخلات. هذا، بينما يتحمل كاسبو الأجور والمرتبات – أو ذوو "الدخول الثابتة" – الزيادات السعرية المتتالية دون أية مقدرة على إحداث رد الفعل الموازن، وخاصة بفعل انخفاض "المرونة السعرية" على المنتجات الضرورية للمواطن العادى، أى عدم القدرة على تخفيض الشراء بنسبة ارتفاع الثمن. هذا يؤدى إلى تدهور فى المستويات المعيشية للغالبية الاجتماعية المنتجة ، قد يصل إلى حدَ إحداث نوع من الزلزال اجتماعى، توابعه بالغة الأثر عبر الزمن . وإن ذاك ليمثل إهدارا لمبدأ العدل الاجتماعي، ولو في صورته الهيّنة لتطبيق قواعد الإنصاف.

رابعا
قد ارتبط انفلات التضخم السعري خلال الشهور الأخيرة ارتباطا وثيقا بالتغير في سعر الصرف، مرجحا بالمكون الاستيرادي في الناتج المحلي الإجمالي، وكذا بالتغير الحادث في خفض الدعم العيني، وخاصة على الطاقة والمحروقات، إلى جانب أثر الضريبة فيما يتعلق بنواتج فرض ضريبة القيمة المضافة. كما ارتبط انفلات التضخم بالزيادة في إجمالي السيولة بفعل تزايد اللجوء إلى مبيعات أذون الخزانة كأداة لتدبير المصروفات العامة؛ أضف إلى ذك: الأثر (المتبقّي) على معدل التضخم والمتولد من هيكل السوق الحلية المشوّه نتيجة لغلبة النزعات الاحتكارية وفوضى المعاملات بعيدا عن الرقابة الفعالة للسلطة العامة.
و قد يشار هنا إلى الاقتراح القائل بإمكان السيطرة على الأسواق وضبط معدلات التضخم في حال إحداث زيادة في العرض السلعي من خلال منافذ "وزارة التموين" و "القوات المسلحة"، إلى الحد الذي قد يؤمل منه إحداث التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي سيادة ما يسمى "السعر العادل". بيْد أن فرصة نجاح مثل هذا الاقتراح مقيدة إلى حد بعيد بضآلة نسبة المعروض من المنافذ المذكورة إلى إجمالي العرض المحلي في مصر. وفي المقابل، فإن التعاونيات الاستهلاكية- في تجربة دولة "الكويت" على سبيل المثال- تعتبر المزوّد الأكبر لسلع الاستهلاك الغذائي في السوق المحلية، مما يمكنها من الهيمنة، إلى حد بعيد، على سلوك الأسعار، وخاصة بالنظر إلى انخفاض هامش الربحية المقدر في القطاع التعاوني، غير الهادف للربح بطبيعته. أما في مصر فإن التعاونيات الاستهلاكية لا تملك من الطابع التعاوني غير الإسم، بالنظر إلى تبعيتها لوزارة التموين، في غيبة من فاعلية ما يسمى بالاتحاد التعاوني الاستهلاكي، إلى ما يقرب من العدم، إذا صح التعبير.
لذا، لانملك إلا أن ننبه إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار الخصائص البنيوية لسوق الاستهلاك المحلي، مما لايجدي معه الاعتماد على زيادة العرض المقنّن من الدولة لضبط التضخم المنفلت، على إثر التعويم الحر للعملة المحلية.
وإنما يجب إحداث التدخل المباشر للدولة، لضبط مستوى وهيكل الواردات أولا، وهو ما تسمح به اتفاقات التجارة العالمية بكل تأكيد، بالإضافة إلى تحديد هامش الربح للسلع المستوردة، مع التدقيق في (الفواتيرالمضروبة! ) كما يقال. كما يتعين وضع أسعار إرشادية قابلة للمراقبة، و أسعار أخرى "تأشيرية" ذات طابع قانوني، على أن تتكفل بالرقابة الصارمة –في أجواء تشبه "اقتصاديات الحرب"- كل من أجهزة الدولة ذات الصلة، ومنظمات المجتمع المدني، على السواء.



مبحث ثالث
الاقتصاد المصري و صندوق النقد الدولي:
"وصفة العلاج" إلي أين ... ؟


حصلت مصر على قرض من "صندوق النقد الدولي" بقيمة 12 مليار دولار بمقتضى اتفاق يتضمن برنامجا اقتصاديا محددا يتم الالتزام بتنفيذه خلال ثلاث سنوات، في إطار ما يسمى في بعض الأدبيات الاقتصادية العربية بالوصفة أو "الروشتّة" الخاصة بالصندوق المذكور.
تستند وصفة صندوق النقد الدولي أو "الروشتّة" علي نقطتين أساسيتين يمثلان ما يعتبر سياسة اقتصادية كاملة مقترحة للدول المقترضة من الصندوق :
1- خفض قيمة العملة المحلية Devaluation تحت مسمى " إعادة تقييم العملة". و عادةً ما يتم ذلك عبر آلية تتفاوت درجات تطبيقها، هي آلية العرض والطلب على العملة الأجنبية، وتطبق علي طيف ممتد من أقصى اليمن علي الخط المتصل حيث التعويم الحر أو الكامل- وهو الذي طبقته مصر مؤخراً - ويمر عبر "التعويم المدار" ليصل في نهاية الخيط إلي ما يسمى " الربط الزاحف " أى إقامة علاقة مرنة تصاعدية بين العملة المحلية والعملات الأجنبية القوية. وهذا الخط المتصل كله يقف علي الطرف المقابل من خيط آخر يمثله " تثبيت سعر الصرف " بدرجات مختلفة أيضا .
خلاصة النقطة الأولي من " روشتّة الصندوق " إذن هي التخفيض عبر التعويم ، وترك قيمة النقد الأجنبي ( وخاصة الدولار ، مقابل الجنيه) ، تحت تأثير قوى العرض والطلب.
و عرض النقد الأجنبي محدود نظرا لندرة موارده بفعل قلة الصادرات نسبيا وركود القطاع السياحي و توقف سيل العون الخليجي مؤخرا. أما الطلب على الدولار فهو طلب متضخم في سوق مشوه، بالنظر إلى فتح الأبواب الرسمية وغير الرسمية أمام الاستيراد، رغم ما تسمح به اتفاقية منظمة التجارة العالمية من إمكانية فرض قيود على الواردات في الدول التى تعاني من عجز في ميزانية المدفوعات.
وتستند الحجة الاقتصادية المبررة نظرياً لخفض قيمة العملة المحلية إلي أنه يؤدى الي زيادة الصادرات وتقليل الواردات مما يسمح بتوازن ميزان العمليات الجارية في مرحلة أولى وبالتالي توازن ميزان المدفوعات ككل في مرحلة تالية.

2- النقطة الثانية في " روشتة الصندوق " هي خفض الإنفاق الحكومى على الأغراض الاجتماعية ( لاسيما الدعم السلعي والخدمى ) لإحداث التوازن في الموازنة العامة المكونة حسابياُ كما هو معروف من جانبي النفقات والإيرادات .
ولما كانت الطاقة الضريبية للمجتمع النامي كالمجتمع المصري منخفضة نسبياً- هكذا يقولون-بمعنى انخفاض قدرة المجتمع علي توليد إيرادات ضريبة بنسبة مرتفعة الي الناتج المحلى الإجمالي ، علي أساس مقارن، فيكون الحل القريب من حيز الإمكان – في رأيهم – هو خفض النفقات العامة.
ويصعب ضغط النفقات العسكرية وكذا الإنفاق علي البنية الأساسية في مجملها، كما أن هناك قيداُ حديدياُ علي خفض مدفوعات خدمة الدين العام ، فلا يبقي سوى " فاتورة الأجور" للعاملين في جهاز الدولة، وتكاليف الدعم الحكومى خارج دائرة " النفقات غير القابلة للضغط" فهي في رأيهم قابلة للتقييد.
ومع الإقرار بأهمية رفع كفاءة التحصيل الضريبي في مواجهة التهرب الضريبي والمتأخرات، فإن دعاة " روشتّة الصندوق " يرون ألاّ فائدة ترجى اقتصادياُ من رفع معدلات الضريبة علي الشرائح العليا من دخول الشركات والأفراد أو على المكاسب الرأسمالية من الأنشطة العقارية والمالية ، نظراً لأن ذلك – في رأيهم دائماً – يلعب دوراً مثبطاً لنشاط الجهاز الإنتاجي ، أى مؤثراً بالسلب على " العرض " ... تلك أصداء لما كان يسمى في الثمانينات باقتصاديات العرض أو الاقتصاد الريجاني " نسبة إلى الرئيس الأمريكي السابق (رونالد ريجان) الذي كان يتجنب رفع معدلات الضريبة على الأغنياء ، بل وعمل على خفضها. ومثل ذلك قام به بعد ذلك الرئيس ( جورج بوش الابن ) وكلاهما يمثلان فكر غلاة اليمين من ( المحافظين الجدد المجانين ) في الحزب الجمهورى بالولايات المتحدة ، كما هو معروف .
وإن تبرير تقليل مخصصات الدعم بدعوى توازن الميزانية العمومية ، انعكاس في الأساس لنمط من السياسات الاقتصادية التي سميت في فترة سطوة ( الصندوق والبنك ) في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم بالسياسات القائمة علي النظرية " الإرثوذكسية " أو " الأصولية " في علم الاقتصاد ، باعتبار أنها تعود الي المفهوم السائد في النظرية الاقتصادية التقليدية المسمى بنظرية " كمية النقود " والتى تربط توازنيا بين حجم النقود ومستوى الدخل القومى. و ينتج عن ذلك – عندهم – ضرورة ضبط كمية النقود في الاقتصاد لتجنب الأثر التضخمى للأسعار علي معدلات نمو الناتج .
ويتم تقنين حجم النقود عن طريق نقص مستوى " الدخل المتاح للتصرف " لدى الأفراد ، ليس بواسطة رفع معدلات الضريبة ( المباشرة ) علي الدخل ، وهو ما يمس " الأغنياء " في المقام الأول ، ولكن بالضرائب غير المباشرة علي استهلاك السلع والخدمات – فيما يسمى بضريبة الاستهلاك أحياناً ، أو ضريبة المبيعات أحياناً أخرى ، وحديثاً " ضريبة القيمة المضافة ".
و في رأينا أن هذه حجة اقتصادية ذات جوهر سياسي ، نظراُ لما تحمله من تحيز للأغنياء علي حساب محدودى الدخل .
ومن نظرية كمية النقود أتى (تجديد) آخر في الفكر الاقتصادى الرأسمالي علي يد (ميلتون فريدمان ) الذي صار رائداً لمدرسة في الفكر الاقتصادى المعاصر يطلق على أنصارها مصطلح" النقديين الجدد " ، أى المجددين في النظرية النقدية الكلاسكية ، واهم معالم هذا (التجديد) هو مكافحة التضخم النقدى عن طريق كبح نفقات الحكومة، مع التركيز على النفقات الموجهة للأغراض الاجتماعية ذات الاستهداف الرئيسي نحو الفئات محدودة الدخل أو " الفقراء " إجمالاً كما يقال الآن ، وهو ما عرضنا له آنفاً .
من هاتين النقطتين في " روشتّة الصندوق " – خفض قيمة العملية المحلية وخفض الإنفاق الحكومى الاجتماعي – تتبلور الفكرة الأساسية فيما يتصل بالقاعدة النظرية للفكر السائد لدى طواقم خبراء صندوق النقد الدولى وكذا البنك الدولى . انه الفكر القائم على أولوية تحقيق التوازن النقدى – المالى للاقتصاد ، التوازن الإسمى Nominal . ففي رأى أولئك الخبراء أن حفظ توازن الموازنة العامة وميزان المدفوعات ، يحقق ما يسمي بالنمو المستقر Steady growth عبر الزمن ، أى الذي يتجنب التعرض لصدمات التضخم والركود ، مما يعني تحقق" الاستقرار الاقتصادى". و يقولون إن الاستقرار شرط النمو المنتظم ، ونحن نرى على العكس إن ذلك درس مستمد من خبرة الدول الغربية المتقدمة اقتصادياً ذات النظام الرأسمالي – أو القائمة على اقتصاديات السوق – حيث مشكلتها الرئيسية هي " الدورات الاقتصادية " بما تؤدى إليه من تقلبات ضارة في معدل النمو الاقتصادى الكلي، نمو الناتج القومى الاجمالي .
وإذن فالحفاظ على التوازن الإسمى للاقتصاد يعتبر ( مهمة مقدسة ) لصانع السياسة الاقتصادية في الدول المتقدمة. أما في الدول النامية والآخذة في النمو – مثل مصر وجلّ الدول العربية الأولي – فإن مشكلتها الأساسية تكمن في تخلف الجهاز الانتاجى أصلاً ، وعدم مرونته، بفعل انخفاض مستوى القدرات الفعلية للقطاعات الانتاجية وخاصة الزراعة والصناعة والخدمات العلمية – التكنولوجية .
لذا فإن المطلب الرئيسي للسياسة الاقتصادية عندنا يجب أن يتجه في المقام الأول الي تنشيط الجهاز الانتاجى ، وإعادة بناء قدراته ، ولو من نقطة الصفر تقريباً ، ومن بعد ذلك نحاول الحفاظ على التوازن المستقر، لتجنب التضخم المنفلت والركود المزمن .
إن هذا يعنى أنه ينبغي علي صانعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا ، ومتخذى القرارات ، أن يجعلوا نقطة انطلاقهم على الضدّ من نقطة انطلاق صانعي السياسات ومتخذى القرارات في الدول المتقدمة اقتصادياً والتى يتخذها خبراء الصندوق والبنك معياراً لرسم السياسات على النطاق المعّمم عالمياً ، وبما يتناقض جذرياً مع ظروف البلدان النامية بالذات ، والبلدان الأقل نمواً في عموم قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولكن هل يعنى ذلك أن صنع السياسة الاقتصادية لدينا يمكنه تجاهل مسألة التوازن النقدى والمالي تماماً ؟ لا ليس ذلك ما نعنيه ، بل ونراه خطأ وخطراً . إنما يجب ان يتم استهداف التوازن في إطار سياسة كلية وعامة تستهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، معّرفة بوصفها تنمية شاملة تبدأ من إعادة بناء القدرات الإنتاجية الحقيقية، ثم أنها تنمية حريصة على التوازن الاجتماعي والطبقي بصفة اساسية.
إذ يمكن للتوازن الاجتماعي الحقيقي أن يؤدي الي زيادة إنتاجية المشتغلين من العمال والفلاحين والأجراء والموظفين والعاملين لحساب أنفسهم في القطاع غير الرسمي ، بدلاً من أن يكون جل اهتمام صانعي القرارات الاقتصادية منصباً فقط على تحفيز المستثمرين الخواص، سيما الفئة الأعلي دخولاً من بينهم .
فهي إذن تنمية شاملة ذات جوهر انتاجى ، وتنمية عادلة ، جوهرها حرص على التوازن الاجتماعي دون انحياز مفرط إلي فئة واحدة علي حساب بقية الفئات المكونة لما يسمى بالأغلبية الساحقة . ثم أنها – أخيراً وليس آخراً – تنمية ذات طابع استقلالي في مجال العلاقات الدولية ، وخاصة عن طريق تقليص علاقة الاعتماد الزائد على الخارج .
ولنا بهذه المناسبة وقفة أخرى لمسألة الاعتماد أو التبعية. ذلك أن خفض قيمة العملة المحلية في ظروف العديد من البلاد النامية – ومنها مصر – لا يستطيع التوصل إلي حفز الصادرات ، نظراً لعدم مرونة الجهاز الإنتاجي كما ذكرنا، فلن تزيد الصادرات بمجرد إعلان خفض أسعارها المحتملة ، وإنما الأهم أن يوجد الإنتاج الموجه للتصدير أصلاً ، بالكم والنوع والجودة المناسبة ، وهو ما لا يتوفر في حالتنا وأحوال الكثير من البلاد النامية والبلاد العربية.
والى جانب أن التعويم والخفض لا يمكنه زيادة الصادرات بنفس نسبة خفض العملة أو قريب منها ، لأسباب هيكلية، فإنه سيؤدى إلي رفع تكلفة الاستيراد ، وهذه تعتبر بمثابة كارثة حقيقية للاقتصادات مثل الاقتصاد المصري ، الذي هو " اقتصاد حساس للواردات " ! import- sensitive Economy ... ففي هذه الحالة يتم الاعتماد شبه الكلي علي الواردات في تسيير دولاب الجهاز الانتاجى ، من المواد الأولية و السلع الوسيطة والمستلزمات والآلات والمعدات الإنتاجية، بل و في إشباع شطر مهم من الحاجات الغذائية، وربما الكسائية أيضا والإسكانية ، والدوائية – الصيدلانية أيضا.. وخاصة في ضوء عدم وجود مشروع وطني عام للتأمين الصحى الشامل علي المواطنين ، وسوء حالة النظام التعليمى مع ارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية .
إن رفع تكلفة الواردات إذن يعنى احتمال تحقيق ما يشبه الشلل المفاجئ لقطاعات إنتاجية عديدة ، ويمثل كارثة أخرى على رؤوس المستهلكين المغلوبين على أمرهم في جملتهم، إذ تنخفض دخولهم الحقيقية فجأة بنسبة مقاربة و ربما أعلي من نسبة الانخفاض في قيمة العملة المحلية. و الكارثة الأكبر إن يتم ذلك في نفس توقيت خفض مخصصات الدعم من باطن الموازنة العامة، سعياُ إلي اقتراب مستويات الأسعار المحلية من الأسعار العالمية .
فكيف يمكن للمستهلك ، وللمنتج الصغير والمتوسط، أن يظل في حالة توازن تقريبي بين الدخل والانفاق ، إذا كان السوق الداخلي مندمجاً في السوق الدولي دون حماية من أثر الصدمات الخارجية والقادمة أساساً من الدول المتقدمة اقتصادياً ؟.
في تجارب أخرى للعالم النامي بعضها كان في أحوال طبيعيته ( مثل كوبا ) وبعضها الآخر كان في حالة غير طبيعية ( مثل العراق من عام 1990 حتى 2003 ) كان يتم قطع السوق المحلى عن العالم الخارجي فيما يسمى Delinking عن طريق نظام للأسعار المحلى منقطع الصلة بالسوق الرأسمالية العالمية، عبر آلية حازمة للدعم الحكومى ومقننات المنظومة التموينية . فلذلك لم يكن يهم المواطن ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار محولاً الي عملتة المحلية ، ما دام يحصل علي احتياجاته الأساسية بأسعار تظل في متناوله بدرجة أو بأخرى ، برغم المعاناة القاسية والتضحيات الجسام .
أما حيث ينخفض أو ينتهي الدعم الحكومى ، ويسود مستوى للأسعار مقارب للأسعار الدولية، في اقتصاد حساس الواردات أصلاً ، فهنا يصبح خفض أو رفع سعر الصرف مسألة مؤثرة بشكل مباشر علي المستهلك وعلي المنتج . و لما كان المنتج يستطيع نقل عبء التضخم على عاتق المستهلك بواسطة رفع السعر، فيكون دخله متغيراً مع المتغيرات السعرية ، فإنه يظل المستهلك وحده، ومن كاسبي الأجور والمرتبات أصحاب الدخول الثابتة ، عرضة للتأثير الصارم للأسعار الدولية دون حماية من الصدمات.
هنا يصبح الاندماج العالمي للسوق المحلى بواسطة الاستيراد المكثف والسعر المقوم دولياُ بواسطة " التعويم الحر " للعملة المحلية، بمثابة " صاعق تفجير " مزدوج اقتصادياً واجتماعياً، ، بحيث يمكن ان يؤدى، إن ترك لمفعوله التلقائي، الي تصدعات اجتماعية محتملة غير محسوبة.
والحل في رأينا أن يكون لدينا سياسة اقتصادية اجتماعية مكونة من شقين : شقّ للصندوق ، و شقّ لنا ... وتلك هي " المعادلة الصعبة " حقاً في زماننا الحالي .
فأما الشق الذي هو للصندوق فيتعلق بتوازن الموازنة العامة كشرط يضعونه لنجاح عملية التوازن المالى للاقتصاد ، قبل الموافقة علي إقرار قرض الصندوق ، ثم لضمان استمراريته وفق برامج المراجعة الدورية لمدى تطبيق الاتفاق المبرم بخصوص القرض. وربما لن نستطيع تحقيق التوازن الإسمى الكامل خلال ثلاث سنوات ، فيجب مدّ الأجل مع الصبر علي احتمال تأجيل بعض دفعات القرض الموعود، مقابل الإسراع الحصيف في مخطط بناء القدرات الإنتاجية المصرية.
إنما البأس كل البأس في اداء الحكومة ، وخاصة وزارة الصناعة ، ووزارة الزراعة، فكلتاهما، في رأينا الشخصي، لا تقومان بالواجب المنوط بهما على الوجه الصحيح، من حيث بناء قاعدة صناعية تحل محل الواردات قدر الإمكان ، ورفع سوية الانتاج الزراعي مع إنصاف المزارعين . لذلك نقترح أن يقوم التركيز الحكومى في الفترة المقبلة علي هذين القطاعين بالذات ، زراعة وصناعة. وكذا غذّ السير حثيثاً علي طريق العدالة الاجتماعية والإنصاف. فليس من العدالةJustice والإنصاف equity أن يتم تحميل الفئات محدودة الدخل ، وذات الدخول الثابتة ، العبء الأكبر من تكلفة تحقيق التوازنات المالية للاقتصاد ، وإنما ينبغى أن يكون فى الأمر تكافؤ equivalence قائم على المساواة فى الفرص وفى الحقوق equality. وليس فى الأمر لغز شديد، فإن الفئات الأعلى دخلاً يجب أن تدفع حق المجتمع عليها من خلال الضريبة.
هذا يستلزم إعادة هيكلة النظام الضريبى جذرياً ، بما يحقق العدل وخاصة بالتصاعد الضريبى الفعال ، وإدخال شرائح جديدة من الدخول والثروات للمنظومة الضرائبية، إلى جانب منح هذا النظام الكفاءة الضرورية للوصول إلى المكلفين بالضرائب أينما وجدوا ، وأيّا كانوا ، دون سماح بالتهرب والتأخير.





خاتمة
وماذا بعد..؟

ارتبط التغير في الفكر الاقتصادي المعاصر بظهور وتجلّي الفكر الاشتراكي والفكر التنموي "العالم-ثالثي" ثم خفوت صوتهما المجلجل بعد انهيار "الاتحاد السوفيتي" مع مطلع التسعينات.
وكان خفوت صوت "الاشتراكية" و "التنمية"، وإن شئت فقل "التنمية الشاملة" بجناحيها من التحول الهيكلي والعدل الاجتماعي، في الإطار الاستقلالي للدولة الوطنية- كان ذلك مرتبطا، على صعيديْ النظرية والممارسة، بصعود سابق لمذهب "الليبرالية الجديدة" على المستوى العالمي.
وكما كانت التنمية الشاملة في العالم الثالث بمافيه مجمل البلدان العربية في الكتلة الدينامية منها، و بنفحة أقرب إلى الاشتراكية، قائمة على جناحيْ "الكفاية والعدل" في "إطار التحرر الوطني، فكذلك-بالمقابل- أطلّت "الليبرالية الجديدة"، فكرا وعملا، لتمثّل وتجسّد إهدارا فادحا لكل من الكفاية المستندة على التحول الهيكلي، والعدل المستند إلى إعادة التوزيع وتكافؤ الفرص والإنصاف. وأُوكل الإشراف على التطبيق "المذهبي" لليبرالية الجديدة إلى صندوق النقد الدولي، كما أشرنا آنفا.
وليست التجربة الأخيرة في جمهورية مصر العربية، بِدْعا من ذلك، فهي مجرد مثال دال على توجه مهيمن على النهج الاقتصادي الراهن على المستوى العالمي، بما في ذلك مستوى البلدان النامية، بما فيها العربية.
ويتضح من الإشارات التطبيقية التي سقناها أن نهج الليبرالية الجديدة، يجور على التنمية، ويجور على العدالة، وفي ذلك جوْر على المستقبل العربي ذاته.
وإنما يمكن صياغة المستقبل الاقتصادي العربي وفق التطلعات الاجتماعية الحقيقية، بتجاوز حقيقي (لنفايات) الفكر الاقتصادي الدولي ومؤسساته ذات الهيمنة، و من خلال استعادة النهج التنموي بجناحيه الكفائي والعدالي، في الإطار الاستقلالي لحركة التحرر الوطني العربية.
ولن يكون كل ذلك ممكنا إلا في الإطار القومي العروبي، بدءً من استعادة اللحمة الوطنية للأقطار العربية التي مزقها تحالف الاستعمار والرجعية والصهيونية، ذلك الثلاثي الذي طالما اشتهر يوما أو أياما في أدبيات الحركة القومية التقدمية العربية.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن