رهانات أعداء الثقافة والفنون

رابح لونيسي
lounici.rabah2008@yahoo.fr

2018 / 8 / 5

رهانات أعداء الثقافة والفنون

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-



كانت دائما الثقافة والفنون محل جدال في مجتمعات منطقتنا، وعادة ما ينطلق ذلك من سجال أيديولوجي، فكل طرف له مفهومه للثقافة والفنون، فهناك من يريد أن يضع لها حدودا معينة، وهناك من يسعى لمنعها تماما وكليا مثل بعض التيارات الإسلاموية، وهناك التيارات الماركسية التي تنطلق من فكرة أن لكل طبقة ثقافتها، وأن الثقافة والفنون هي مجرد بنية فوقية تنتجها البنية التحتية للمجتمع مثلها في ذلك مثل الدين والدولة والأخلاق والذهنيات وغيرها، ولهذا تميز بين الثقافة البرجوازية التي يجب محاربتها وثقافة الطبقات الكادحة التي يجب ترقيتها وتشجيعها، وكان ذلك وراء ماسمي في الصين الشعبية بالثورة الثقافية التي قادها ماوتسي تونغ منذ 1966، والتي عرفت تجاوزات لاحد لها، لكن يمكن تفسير تلك التجاوزات اليوم برغبة ماوتسي تونغ التخلص من خصومه تحت غطاء محاربة الثقافة البرجوازية، وهو نفس ما نجده اليوم في السعودية بتخلي محمد بن سلمان عن فكرة تحريم الفنون في السعودية وتشجيعه لها لدرجة دعوة فنانين كالشاب خالد الجزائر لإقامة حفلات تعتبرها السلفية والوهابية أنها ماجنة، فموقف محمد بن سلمان غير مبني على قناعة أكثر مما هي وسيلة للتخلص من خصومه خاصة داخل الأسرة الحاكمة، وبتعبير آخر كان الصراع حول السلطة وراء الكثير من المواقف من الثقافة والفنون، ولهذا فإن كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يعتبر كل خطاب تاريخي مرتبط بصراع حول السلطة، فإننا نضيف له أن الكثير من المواقف من الثقافة والفنون وشكلها ومضامينها تتحكم فيها نفس العامل، وهو الصراع حول السلطة بشكلها الواسع السياسي والإقتصادي والديني وغيرها.
أن ما يدفعنا لهذا التمهيد هو ما تعيشه الجزائر في صيف 2018 من ظاهرة منع نشاطات ثقافية وفنية بتوظيف الدين وإقامة صلوات جماعية أمام مراكز ثقافية، فقد حدث ذلك في ورقلة وسيدي بلعباس وتبسة، كما أضطرت بعض الولايات والبلديات إلى إيقاف بعض هذه النشاطات خوفا على الأمن العام، لقد استند أصحاب المنع على عاملين هما: أن بعض الحفلات ماجنة ومنافية لأخلاق وتقاليد المجتمع الجزائري، وأن الجزائر في حاجة إلى إنفاق الأموال على التنمية بدل إنفاقها في هذه الحفلات والنشاطات الثقافية والفنية، وقد تناسى هؤلاء أن أي مجتمع كان يحتاج للتنمية والغذاء المادي كما يحتاج أيضا إلى غذاء روحي ومعنوي، والذي يجب توزيعه بشكل يحفظ توازن المجتمع ، نحن لا ننفي طبعا ان السلطة في الجزائر قد أهملت التنمية بشكل كبير جدا، بل هناك تبذير للأموال دون الحديث عن نهب لها بشكل مفرط، ولعلها فعلا تستخدم بعض هذه النشاطات الفنية، وكذلك كرة القدم خاصة كأداة لتخدير الشعوب وإلهائها في الوقت الذي تسلب أموال الشعب الجزائري، لكن يبدو أن ما تعرفه الجزائر في هذه الصائفة من محاولات شعبية منع هذه النشاطات والحفلات هي عملية مشبوهة ومطبوخة بإحكام من عدة أطراف يمكن أنها تلتقي في مصالح أو تتعارض، لكنه يذكر الجزائريين بمظاهر مشابهة في تسعينيات القرن الماضي عندما كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) في أوج قوتها ومسيطرة على الشارع، فإن كان يتذرع البعض بأن بعض هذه الحفلات ماجنة وغناء هابط، لكن نذكرهم بأن في التسعينيات منعت نشاطات ثقافية وفنية راقية جدا ولاعلاقة لها بالمجون إطلاقا آنذاك مثل حفل للونيس آيت منقلات في قاعة الأطلس، وكلك حفل للغناء الأندلسي في تيبازة وغيرها، بل أغلق الفيس الذي ترأس بعض البلديات قاعات السنيما والمسرح، بل نذهب أبعد من ذلك، فكل طلبة الجامعات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي يتذكرون منع بعض الإسلامويين بإستخدام العنف لحفلات كانت تنظمها لجان الجامعة لصالح الطلبة، ولم تكن ماجنة أصلا، بل كانت من المفروض ان ينشطها فنانين كبار معروفين بالوقار، وأغلبيتهم من الفنانين الملتزمين سياسيا، كما منعت مسرحيات، وكلنا يتذكر منع إسلامويين لمسرحيات كاتب ياسين التي كانت تدافع عن المضطهدين والفقراء وتندد بالإستغلال والإستبداد.
أن مايقع في الجزائر في هذه الصائفة يعيد طرح أسئلة جادة: ما الهدف من منع بعض الإسلامويين النشاطات الثقافية والفنية في الوقت الذي يقول فيه رجل مسرح مثل برخت "أعطني مسرحا أعطيك شعبا واعيا"، فهل نسي هؤلاء أن الكثير من مسرحيات علولة وكاتب ياسين وغيرهم، وكذلك آغاني معطوب لوناس وأيت منقلات وفرقة دبزة الأوراسية وأغاني المصري الشيخ إمام والفرقة المغربية ناس الغيوان وغيرهم كانت وراء إنتشار وعي سياسي كبير لدى جزائريي السبعينيات والثمانينيات، وأن غياب هذه الفنون اليوم نسبيا مسؤولة عن هذا الضعف، فالإستبداد يخشى الثقافة والفنون الراقية، ثم لنسأل أنفسنا، لماذا عادة ما يكون المثقف والفنان معاديا للإستبداد وعاشقا للحريات لدرجة تقديسها، كما أنهم ضد العنصرية وكل أشكال الكراهية؟، فلنعلم أن الفنون والثقافة هي إحدى الوسائل الهامة لمحاربة العنصرية والكراهية والإستبداد بكل أشكاله، فما سر منع بعض الإسلامويين للفنون والثقافة؟.
عندما نحلل ظاهرة الإرهاب في التسعيينيات الذي كان سببه التطرف الديني نفهم أن هناك تمازج بين أزمة إجتماعية حادة جدا تدفع الإنسان للذهاب للمسجد ليس عن قناعة دينية وتعبد لله فقط لا غير، بل كملجا أين يجد العزاء، فهناك كانت تتلقفه بعض الجماعات الإسلامية بخطاب متطرف يقول له أن العودة للدين وقيام دولة دينية ستحل كل مشاكله، فبتعبير آخر إنتشار التطرف الديني المنتج للإرهاب هو نتاج يأس إجتماعي للإنسان، وليس تدينا فعليا كما يعتقد البعض، هذا عكس الغير متطرفين اليوم وأجدادنا في الماضي الذي كان يذهب إلى المسجد عبادة لله فقط ولا فائدة دنيوية يرجوها، فالبعض يدفعهم اليأس الإجتماعي إلى الإنتحار، وآخرون يدفعهم إلى الإنتحار أيضا، لكن بالقيام بعمليات إنتحارية ضد الشعب معتقدا أنه يقوم بجهاد، كما لايجب إهمال مسألة هامة جدا في إنتشار الإرهاب، لنسأل أنفسنا: لماذا يركز الذين يختفون وراء دعاة التطرف الديني على تحريم الفنون وكل أشكال الثقافة كالمسرح والسنيما مثلا، فهم في الحقيقة يستهدفون تصحير الساحة ثقافيا وإيجاد الفراغ، فينشا نوع من الإكتئاب النفسي، ثم تأتي الجماعات المتطرفة فتستغل ذلك، لأن المكتئب واليائس يسهل تجنيده في أي جماعة إرهابية.
يبدو أن هذا التصرفات التي سكتت أمامها قوى الأمن، ولعلها تدرك اللعبة الخطيرة لأصحابها، لأنها من غير الممكن مواجهة أناس يؤدون الصلاة جماعة أمام مركز ثقافي، حتى ولو كان غير قانوني، فالصلاة الجماعية تؤدى في المساجد وممنوعة في الشارع والأماكن العامة-حسب قانون تنظيم العبادات في الجزائر-، إلا أن لو تدخلت قوى الأمن لتم إستغلال ذلك لتكفيرها كما كان يفعل في تسعينيات القرن الماضي، ويمكن إدخال الجزائر في فوضى وعدم إستقرار، كما برز بشكل جلي أن هذا المنع وراءها تيار أيديولوجي معروف يستغلها لتجنيد الشعب لصالحه والعودة إلى الساحة من جديد، لكن أيضا يبدو أن هناك أيضا أطراف في السلطة تريد هذا التصعيد بعمليات إتستفزازية تظهر قوة الجماعات الدينية، فيذكر المجتمع بتسعينيات القرن الماضي، فيدفعه إلى الإختيار بين الكوليرا والطاعون -حسب تعبير لويزة حنون-، فيصمت الشعب خوفا على ضرب الأمن والإستقرار من الجماعات الإرهابية، فقد صدق من قال أن محاربة الإرهاب هو الريع الجديد للإستبداديين، ولهذا يحرص الإستبداد على تقويته والحفاظ عليه بشكل متحكم فيه، ثم تخويف الشعب به، فمن غير المستبعد أن يكون هذا هو المفسر لبعض المظاهر الغريبة في الجزائر، ومنها بعض أحداث هذا الصيف، فمن غير المستبعد أن لها علاقة بحرص رجال المال الفاسد المستفيدين من فترة حكم بوتفليقة للتمديد لحكمه بعهدة خامسة، رغم غياب الرئيس تماما عن الساحة، فلم نفهم لحد اليوم مفارقة غريبة في الجزائر كيف تمكن الجيش من هزم الجماعات الإرهابية أمنيا، لكن في نفس الوقت هناك أطراف وعناصر من النظام، شجعت على النشر والترويج للأسس الأيديولوجية للإرهاب بدل إستئصال شأفتها.
أننا لا ننفي تردي الوضع الثقافي والفني في منطقتنا عامة، والجزائر خاصة، وقد صور ذلك عادل إمام في فيلمه "السفارة في العمارة" عندما ذكر المغني شعبان عبدالرحيم كنموذج فني، فرد عليه أحد اليساريين في الفيلم "أنه فعلا تردي ثقافي"، فنحن ضد هذا التردي الفني والثقافي، والذي يبدو أن وراءه الإستبداد والأوليغارشيا المالية بصفتها الطبقة الحاكمة اليوم في بلداننا، والتي نسميها بالكمبرادور أي خدام الإقتصاد الرأسمالي الغربي، والتي تقوم بمهمة إستيراد-إستيراد فقط دون أي إنتاج، ولهذا سأذكر بما كتبته منذ سنوات في كتابنا "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" حول مسؤولية هؤلاء الكمبرادور ودورهم في محاربة البحث العلمي، وكذلك الثقافة والفنون الجادة والراقية فكتبنا "إن الكمبرادورية هي أكبر معرقل للبحث العلمي والتكنولوجي في بلداننا، مثلما تساهم أيضا هذه الطبقة في تحطيم الفكر والثقافة والفن الجاد، لأن كل هذه القطاعات تهدد مصالحها، فمثلما تسعى الكمبرادورية لتبليد العقول ونشر الثقافة الاستهلاكية كوسيلة لنشر نمط استهلاكي غربي، فإنها أيضا تسعى لتحطيم قوى الإنتاج وعرقلة تطورها داخل بلداننا، مما يجعل الإنتاج المحلي عاجزا على منافسة المنتجات الغربية التي تقوم الكمبرادورية بتسويقها في بلداننا، والتي تدر عليها أرباحا ضخمة جدا، ولتحقيق ذلك كله تعتبر البحث العلمي والتكنولوجي أكبر عدو لمصالحها، ولهذا فيبدو أنها كثيرا ما تستعمل نفوذها الإداري والمالي لإقامة العراقيل في وجه العلماء والباحثين، كما تحارب بشكل فعال المفكرين والمثقفين والفنانين الجادين، هذا إن لم يكن الكثير من العناصر الكمبرادورية يعمل في قنوات تهريب النخب العلمية والفكرية والثقافية إلى الغرب باستعمال شتى الوسائل والطرق..
ولهذا فإنه لا يمكن إعادة الاعتبار للبحث العلمي والتكنولوجي في بلداننا وكذلك الثقافة والفنون الجادة والراقية إلا بفك الارتباط بالرأسمالية العالمية وتحويل الكمبرادور إلى مستثمرين في القطاعات المنتجة، فتربط بذلك مصالحها بتطوير قوى الإنتاج المحلية بدل ارتباطها بتطويرها في المركز الرأسمالي، فتدرك هذه الطبقة السائدة ضرورة إعادة الاعتبار للبحث العلمي والتكنولوجي وللثقافة والفنون والفكر الجاد"

البروفسور رابح لونيسي



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن