عطفا على ثورة يوليو والقطاع العام: الوظيفة الاجتماعية للدولة، والمسار المشئوم

محمد عبد الشفيع عيسى
moh_eesaa@hotmail.com

2018 / 7 / 25

نبدأ حديثنا حول القضية المهمة للقطاع العام في ظل ثورة يوليو ( 1952-1970) وما جرى عليه بعدها( 1971-...) بأن نعرج سريعا على مقدمات نظرية تشكل مدخلا لمعالجة موقف ثورة 23 يوليو 1952 من القطاع العام كتجسيد للوظيفة الاجتماعية للدولة في مصر العربية، الجمهورية العربية المتحدة في زمن ما. وسوف نتناول، من بعدها، عملية تكوين القطاع العام كأحد المكونات الأساسية للمنهج التنموي الناصري. ثم نستعرض حلقات المسلسل المشئوم لمحاولة التخلص من القطاع العام، في ظل "الثورة المضادة" التي انطلقت شرارتها الأولى في مايو 1971، ونتبعها، أخيرا، بمحاولة تفسيرية لفهم ماحدث، إجابة على السؤال: لماذا يتخلصون من القطاع العام ...؟
ونبدأ في هذا المقام بعرض لثلاثة عناصر أولية، على النحو الآتي:
1- إن القيادة السياسية- عند القيام بالثورة- لم يكن لديها (نظرية) للتغيير، بمعنى: رؤية تفصيلية محددة تحديدا قاطعا حول مسار التحرر الوطني والقومي، والتحول الاجتماعي، وخاصة فيما يتصل بالاختيار بين نموذج النمو "الرأسمالي" و الطريق "الاشتراكي"، وبالمفاضلة بين القطاع العام والقطاع الخاص.

2- إن القيادة السياسية، مع ذلك، لم تكن خلوّا من الرؤية النظرية؛ فقد توفر"إطار نظري"، ممثلا في رؤية عامة للتغيير الثوري المبتغَى، وطنيا وقوميا واجتماعيا وعالميا، وظهرت معالم هذه الرؤية، في (المبادىء الستة) وخطب جمال عبد الناصر وقراراته في معاركه الكبرى، وفي مقدمة هذه المعارك: الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبدء مشروع السد العالي، ومساندة ثورة الجزائر في مواجهة فرنسا منذ 1954، ومواجهة العدوان الثلاثي (1956)، وتصميم وتنفيذ (برنامج السنوات الخمس للصناعة اعتبارا من 1957، والتصدي لحلف بغداد الاستعماري منذ 1955، ومساندة سوريا في مواجهة استفزازات ذلك الحلف، وإقامة الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة) عام 1958، ووضع (الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية) في دولة الوحدة منذ 1960/1961، ثم مباشرة عملية التأميمات الكبرى منذ يوليو 1961، والتي تذرعت بها حركة الانفصال في سوريا في سبتمبر في نفس العام، وتلاها مساندة ثورة اليمن عسكريا منذ 1962.
وأهم مقومات الرؤية الوطنية-القومية-الاجتماعية للثورة، بقيادة عبد الناصر، مايلي:

• الاستقلال الوطني، والتحرر القومي العربي عامة، و العمل على تحقيق حرية إرادة "الوطن العربي" ككل في مواجهة الاستعمار القديم، والكتل الدولية المسيطرة .
• تصفية نفوذ (الإقطاع) ممثلا في كبار ملاك الأراضي الزراعية، والحد من سيطرة رأس المال الكبير على الحكم، تمهيدا للقضاء على هذه السيطرة نهائيا.
• فتح المجال أمام القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير- الفلاحين والعمال في المقام الأول- لتجسيد إرادتها اقتصاديا واجتماعيا، وإلى حدّ أقل: سياسيا. على أن ذلك يتم من خلال الحفاظ على سيطرة القيادة السياسية على السلطة، وقيامها بعملية "التعبئة السياسية" لما أصبح يسمى (الجماهير) لمساندة الثورة.
3- من حصيلة التلاقح بين الإطار النظري العام والواقع المجسد، تطور الفكر في سياق "الممارسة"، ليحقق درجة عالية من التبلور، تجسدت في (الميثاق الوطني) لعام 1962. وقد تجسدت قيادة عبد الناصر بعد حسم أزمة مارس 1954، وخاصة بعد الاستفتاء على رئاسة الجمهورية لأول مرة في يونيو 1956 وتقلده هذا الموقع، لتمثل هذه القيادة عنصر الإلهام العقائدي والسياسي الأساسي لمسيرة الثورة، حتى ليمكن ان تقرن هذه الثورة بشخصه واسمه، فيقال ثورة يوليو-عبد الناصر، على سبيل المثال.

ومن واقع هذه العناصر تجسدت المبادىء العامة الحاكمة للموقف من قضية القطاع العام، وأهمها مبدآن :
1-ضرورة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، انطلاقا من الدور المحوري لقطاع الصناعة التحويلية في الهكل الإنتاجي، وتطوير علاقات الإنتاج الزراعية والصناعية باتجاه العدل الاجتماعي، و"تثوير" الخدمات التعليمية والصحية، على قاعدة من توسيع هامش الفرص لأبناء الفلاحين والعمال.
2- سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، وخاصة في المجال الصناعي، وفي قطاعات البنية الأساسية (النقل والمواصلات، والمياه والكهرباء، وغيرها). وتتحقق هذه السيطرة أساسا من خلال بناء قطاع عام قوي، يمثل القوة الضاربة في عملية التحول الاقتصادي والاجتماعي.
ولكن عملية بناء القطاع العام شابتها بعض المثالب، كما أن الاستراتيجية الصناعية شابتها عيوب الطريقة المسماة (تسليم المفتاح) و (سياسة إحلال الواردات) بنتائجها المتفرعة مثل بعض الآثار السلبية على عرض الغذاء الزراعي وتعاظم الإنفاق الاستهلاكي على (السلع المعمّرة).

تكوين القطاع العام : إيجابية المنهج التنموي
إن حصيلة التفاعل بين الفكر والممارسة في مسيرة ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر قد أنتجت نسيجا نظريا وعمليا متميزا، على أساس حماية مصالح العمال والفلاحين والطبقة المتوسطة. وفي المرحلة الأولى للثورة كان هناك جهد دؤوب لتلمس إمكانات مشاركة أصحاب رأس المال الكبير في التنمية الصناعية، استمر طوال عشر سنوات تقريبا. ومع وضع برنامج السنوات الخمس للصناعة (اعتبارا من عام 1957) أخذت تنشأ نواة لقطاع عام، من مصادر مختلفة في القطاعين المالي والصناعي، وخاصة من خلال حركة (تمصير) بعض المصالح الأجنبية بعد عدوان 1956، و إنشاء عدد من مشروعات الدولة التي ضمتها في البداية (المؤسسة الاقتصادية) ثم (مؤسسة مصر) و(مؤسسة النصر).
ووضعت (الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية)- "سنة الأساس" بالنسبة لها 1959/1960- لتغطي الفترة من 1960/1961 إلى 1964/1965. وكان قد بدا، ثم تأكد، طوال عشر سنوات- عبر فترة أولى لانتهاج آلية (الحرية الاقتصادية) في ظل الثورة، من عام 1952 إلى 1956 ، وفترة ثانية من ( الاقتصاد الموجه) من عام 1957 إلى 1961- أن رأس المال الخاص (أو القطاع الخاص) غير راغب، وغير قادر، على المشاركة الجادة في عملية التنمية الشاملة عموما، والتنمية الصناعية خصوصا. وبذلك أصبح المسرح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، وفي سوريا أيضا، ضمن (الجمهورية العربية المتحدة)، مهيأ لتنفيذ (ضربة المُعلّم) الكبرى- ونقصد حركة التأميمات التي نفذت اعتبارا من يوليو 1961 وحتى 1964، ونتج عنها بناء الكتلة الرئيسية للقطاع العام.
ومن المعلوم أن تأميم (الشركة الخماسية) في سوريا، كان من بين الأسباب المهيِّئة لتنفيذ جريمة الانفصال في 28 سبتمبر 1961. وبرغم الانفصال، اشتد عود الثورة الاجتماعية بقيادة عبد الناصر، وإن لم تواكبها ثورة سياسية داخلية بنفس التوجه والعمق، من أجل تجسيد المحتوى الشعبي الحقيقي للسلطة- اللهم إلا من خلال منهجية (التعبئة السياسية).
وما يهمنا هنا هو استخلاص النتائج الأساسية والدروس والعِبَر. فما أهم النتائج..؟

فلنبدأ تقييم التجربة بعرض أبرز ما جاءت به من جديد في مسار ثورة الثالث والعشرين من يوليو، أو فلنقل، باللغة الجارية، إنه حديث (الإيجابيات).
1-إن بناء القطاع العام، شأنه العمليات الثورية الكبرى على مسار 23 يوليو، مثل الإصلاح الزراعي وبناء القطاع الصناعي الحديث وتأميم قناة السويس ومشروع السد العالي ومواجهة العدوان الثلاثي وإقامة الوحدة مع سوريا ومساندة ثورة اليمن – لا يتسنى النظر إليه معزولا أو مجردا في إطاره التقني الضيق. فبناء القطاع العام تجسيد لممارسة كبرى، أو هو، في الحقيقة، مختبر لبناء الذات الوطنية في الميدان الاقتصادي، ثم هو مدرسة فنية-تقنية شاملة تخرج منها مئات الألوف ( نكاد نقول "الملايين") من العاملين بأيديهم وبعقولهم، أو بهذه الأيدي وهاتيك العقول معا: عمال الإنتاج ومساعدي المهندسين والمهندسين والتلامذة الصناعيين، والمحاسبين والمديرين، والمشرفين ورؤساء العمال، والقيادات التنفيذية من المستويات العليا، في جميع القطاعات والمجالات، على أرض مصر العربية.
هي معركة شأنها شأن سائر معارك الثورة، وهي (مدرسة) مثل مدرسة (بناء السد العالي) على وجه الخصوص. وماذا بعد..؟

2- يمثل القطاع العام القاعدة المادية الصلبة للسياسة الثورية، التحررية الاستقلالية، التي انتهجتها القيادة السياسية للثورة، في مواجهة المحاولات الغربية –الأمريكية، بإسناد صهيوني، من أجل الاختراق والحصار الاقتصادي ومحاولات إفشال العملية التنموية والتصنيعية التي بلغت أوجها المتقدم خلال الأعوام الخمسة من 1961 إلى 1966 بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي وحلفائه فيما كان يسمى بمجموعة الدول الاشتراكية، أو (الكتلة الشرقية). كما شكّل القطاع العام قاعدة الصمود الاقتصادي في مرحلة ما بعد عدوان 1967، وخاصة خلال (حرب الاستنزاف) من 1968 حتى 1970، ثم خلال حرب أكتوبر 1973.
وماذا عن (الإيجابيات) أيضا..؟

3- إن القطاع العام، يمثل "رأس الحربة" في (الوظيفة الاجتماعية) للدولة عبر مسارثورة 23 يوليو، وفي ظلها الممتد حتى بعد وفاة القائد عبد الناصر، لسنوات عديدة. هذه الوظيفة عبرت عن نفسها من خلال كفالة مستوى معيشي مقبول إلى حد بعيد، بمعايير العصر السائدة في وقتها، في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات. وتمثل ذلك في هيكلة نظم الإنتاج والاستهلاك والاستثمار، وتوزيع الدخول والثروات، وفي جدولة العلاقة بين الدخول والأجور والأسعار، و بينها وبين الإنتاجية إلى حد معين، من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي وفق رؤية الثورة، ضمن الحدود والقيود التي حكمت تطورها عبر الزمن.
لهذا فإن القطاع العام لم يكن يقيّم مشروعاته وأنشطته بمعايير الربحية المالية أو التجارية، وإنما بمعايير المنفعة الاقتصادية والاجتماعية الكلية. ومن هنا نفهم كيف قامت الصناعات الثقيلة، وصناعة للآلات والمعدات الإنتاجية، في كل من القطاعين المدني والحربي، حتى لو لم تكن جدواها المالية مؤكدة في الأجل القصير والمتوسط. ونفهم لماذا استوعبت شركات القطاع العام قوة العمل المتخرجة من مراحل التعليم العالي والمتوسط، تطبيقا لقرار (التعيين الإلزامي للخريجين)، وبالتالي امتناع ظاهرة (بطالة الخريجين) المعروفة. كما نفهم كيف أن السلع والخدمات التي تنتجها شركات القطاع العام كانت تقدَّم للجمهور العام بأسعار في متناول الغالبية الاجتماعية، حتى لو لم تحقق ربحا أو عائدا ماليا بالمعايير التجارية.


المسلسل المشئوم لتصفية القطاع العام..!
.. وهذا المسلسل المشئوم- مسلسل (تصفية القطاع العام) في مصر العربية- حدث كجزء من عملية، وبالأحرى: "محاولة" تصفية (الإرث الناصري) طوال "حقبة السادات –مبارك" بالذات، وما نزال نعيش معقباتها. وهو مسلسل مشئوم مرتين: مرة لأنه مشئوم في حد ذاته، ومرة أخرى لأنه جزء من عملية أو محاولة كبرى لفرض قواعد اللعبة الرأسمالية العالمية على الأرض العربية.. بكل النتائج ذات الطابع (الكارثي) المترتبة عليها.
فأما أنه مشئوم في حدّ ذاته، فذلك ربما يكون واضحا للعيان، بعد أن انفرد القطاع الخاص الكبير، ممثلا في الطغمة المسماة (رجال الأعمال)، بتقرير مصائر الاقتصاد الوطني، وتفردت (السوق المشوهة) بلعب دور "آلية التسيير" الوحيدة للحياة الاقتصادية المصرية، في غيبة تامة تقريبا لجهاز الدولة ككيان توجيهي لهندسة المجتمع باتجاه عملية التنمية. وقد كان تقليص القطاع العام، بمساحته العريضة وعمقه البعيد في الممارسة المصرية المعاصرة، بمثابة "إضافة" تلقائية لدور (الغول) المُمثّل في "ثنائي" مكون من: رأس المال الخاص الاحتكاري، والسوق العمياء. ونظرة واحدة إلى (مسرح التبادل) -المسمى بالسوق- تكشف عن بعض الحقائق مما جرى: فها هو "انفلات الأسعار" يسود، وها هو وحش "الغلاء" يسرح ويمرح بين الجنبات دون رقيب. وها هي الطبقات الشعبية تئن أنينا متصلا، دون أمل في استعادة التوازن المفقود ل "ميزان الدخل والإنفاق"، أو (ميزانية الأسرة)، وخاصة بعد إعلان الدولة انسحابها من الميدان الاجتماعي، و عدم مقدرتها على تعويض المستهلكين تعويضا مجزيا، عينا أو نقدا، عما يفقدونه من "الدخول الحقيقية" في ظل التضخم المنفلت. وما ذلك إلا لأن القطاع العام قد أُقصي من ساحة الأسواق، ولأن الدولة غابت عن المشهد الاجنماعي الكبير الأثمان..!
فما ذا فعلوا بالقطاع العام، وماهي حلقات المسلسل المشئوم منذ بدأ أولها للعمل على تصفية وجوده وفاعليته، اعتبارا من منتصف السبعينات، على امتداد أربعة عشريات زمنية أو يزيد..؟
1-كانت الحلقة الأولى، ترك شركات القطاع العام فريسة لما سمي (خلل الهياكل التمويلية) الناجم عن الاقتراض المفرط، و(السحب على المكشوف) من الجهاز المصرفي، وبالتالي تراكم جبل الديون. وما كان القطاع العام إلا ضحية للسياسات الاقتصادية الكلية القائمة على استخدام الشركات العامة قناة لتشغيل الخريجين وأداة لتزويد الجمهور بالسلع والخدمات المدعومة. 2- تحول القطاع العام إلى "مزرعة" للقيادات الإدارية الفاسدة، التي ورثت النخبة العسكرية، وعاثت فسادا بين أطنابه، لتحولها إلى خرائب وأطلال، من اجل أن يكون البيع للخواص والأجانب هو الحل الوحيد..! وهذا ما كان..! وليس ببعيد ما جرى لقطاع الإلكترونيات (قضية "الحبّاك") وقطاع المسبوكات المعدنية ( قضية "أسامة عبد الوهاب"). 3- حرمان شركات القطاع العام من مخصصات (التوسعات الاستثمارية) ومخصصات (الإحلال والتجديد)، مما أدى إلى حرمان هذه الشركات من "ماء الحياة" : ماليا وإنتاجيا وتكنولوجيا. وقد أشرنا إلى ذلك آنفا. 4- اعتبار المشروعات التي تمت الموافقة عليها طبقا لقانون (الاستثمار العربي والأجنبي)، على أساس المشاركة بين القطاع والقطاع الخاص، بمثابة "شركات للقطاع الخاص"، مهما بلغ نصيب شركات القطاع العام فيها بالنسبة لحصة الشريك الأجنبي. وقد فتح ذلك الباب واسعا لرأس المال الأجنبي والمحلي لتصفية بعض أهم قلاع الصناعة المصرية، بحجة تطويرها تكنولوجيا والتخلص من المخزون والرواكد. وهذا ما جرى مثلا للشركة العامة للبطاريات (بمنطقة دارالسلام بالقاهرة) والشركات التابعة للشركة القابضة للإلكترونيات.
5- التدليس والتواطؤ في أعمال تقييم الأصول و شروط البيع لبعض أهم قلاع الصناعة الثقيلة المصرية، مثلما جرى لشركة المراجل البخارية ( لتصنيع "الغلايات العملاقة") ، وترسانة الإسكندرية (لبناء السفن). وجرى مثل ذلك لقلاع أخرى للصناعة الثقيلة: كشركة سيماف (لتصنيع قاطرات السكك الحديدية) وشركة كيما ( للبتروكياويات) وشركة النحاس المصرية. ولم يفلت حتى الآن إلا شركة مصانع الألومينوم في مدينة نجع حمادي، التي يفكر البعض في حل لها..!!. أما مصنع الحديد والصلب في منطقة "الدخيلة" بالإسكندرية، فقد جرى له ما جرى كما هو معروف.
ويبقى ان نشير إلى موضوعين: 1- أن الرمز المخزي لمحصلة ما جرى للقطاع العام، هي الحالة المزرية، ماليا وتجاريا وتكنولوجيا، التي وصل إليها قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، بمصانعه العديدة، كأكبر قطاع في الصناعة التحويلية المصرية، وخاصة من حيث نصيبه في قوة العمل الصناعية، عبر شركاته في كفر الدوار والمحلة الكبرى وشبرا الخيمة وضواحي الإسكندرية، سواء في ذلك شركات القطاع العام الكبير أو القطاع الخاص الصغير والمتوسط، في ظل حمّى الخصخصة و إهمال كل ما هو (عام). وجاءت الإضرابات العمالية قبل ثورة يناير 2011 في بعض هذه المصانع مصداقا لذلك. 2- إن الإهمال و التراجع قد امتدت يداه ، فيما يبدو، إلى قطاع مهم من قطاعات الدولة من إرث عبد الناصر، وهو مايسمى (الإنتاج المدني لقطاع الإنتاج الحربي والصناعة العسكرية) من خلال شركات (الهيئة العامة للإنتاج الحربي) و (الهيئة العربية للتصنيع "العسكري"). ففي هذا القطاع بالذات تأسست أهم مكامن القوة في التكنولوجيا الصناعية المصرية، كما أثبتت الدراسات الموثقة.

ولكن لماذا حاولوا دائما التخلص من القطاع العام، بدء من الخصخصة الصريحة، و الخصخصة غير الصريحة، إن وجدت، وانتهاءً بما يسمى "برنامج الطروحات"؟


لماذا يتخلصون من القطاع العام..؟
لماذا يتخلصون من القطاع العام..؟ ولنسأل بصيغة أدق: لماذا يحاولون دائما التخلص من القطاع العام..؟
ويستمد السؤال مشروعيته من الحقيقة القائلة بأن القطاع العام – وفق التجربة المعاشة منذ الستينات حتى الآن- لم يفشل بالمعيار الاقتصادي والاجتماعي، بل ولم يفشل بالمعيار المالي أيضا، إلى حدّ ما.
تكمن الإجابة في جانبين: جانب فكري، وجانب عملي. فأما الجانب الفكري (أو الإيديولوجي) ففحواه زعم لم تثبت صحته، بأن الملكية الخاصة أكفأ بطبيعتها من الملكية العامة، وأن المشروعات الخاصة تتمتع بأفضلية مطلقة، من حيث المبدأ، على المشروع العام. وهذا، وأيْمٌ الحق ادعاء لم تتأكد صدقيته قط، لا على المستوى النظري والمنطقي، ولا على المستوى التطبيقي. وكان ثار جدل في أواسط القرن العشرين حول هذه القضية، بمبادرة من الاقتصادي اليميني (فون مايزس) ورد عليه عدد من الاقتصاديين الاشتراكيين منهم (أوسكار لانج). واتضح من الجدل الفكري حول القضية أن القول بأفضلية مُدّعاة للقطاع الخاص، إنما يعكس إيمانا مسبقا بأفضلية النظام الرأسمالي على النظام الاشتراكي، فهي إذن مسألة (تفضيل ذاتي – قيمي) ليس غير. ويوما بعد يوم يتأكد أن الرأسمالية تخلق من المشكلات ما هو فوق طاقتها على الحل، فتؤدي إلى مآسِ إنسانية عظمى. وأحدث الأدلة على ذلك هو التصعيد الجاري، في ظل العولمة، لنزعة الاستهلاك الغفير، وتحريض الجماهير على هذا الاستهلاك، تحقيقا لمصالح الطغمة الرأسمالية العالمية في "تعظيم" الأرباح. وتكون النتيجة تدمير الطبيعة واستنزاف الموارد وغلاء الأسعار، وإصابة البشر بالسُّعار الناجم عن شعور الأفراد والجماعات بعدم المقدرة على التحكم في شروط الحياة. وهذا ما نراه أمامنا كل يوم. أما الاشتراكية فلم تختبر اختبارها النهائي بعد. وكل ما حدث في ظل التجربة السوفيتية والصينية مقاربة أولى لم تكتمل أدواتها، ولم تصقل وسائلها، وسوف تتلوها محاولات اشتراكية في المستقبل، أكثرتعبيرا عن الجوهر الإنساني الحقيقي للاشتراكية.
هذا كله عن الجانب الإيديولوجي المفسر لحمى التخلص العبثي من القطاع العام.أما الجانب العملي أو التطبيقي المفسر للظاهرة فهو السعي إلى تحقيق مصالح رأس المال الخاص الكبير (الناشىء في جزء منه من باطن القطاع العام) والمتوغل في أحشاء الاقتصاد الوطني قهرا، من خلال تزاوج المال والسلطة، كأحد المواريث الكئيبة لحقبة "السادات-مبارك" بالذات.
هذه خلاصة أولى من حديث محاولة الخلاص من القطاع العام.
وهاك خلاصة ثانية: إن القطاع العام في مصر، كان يتم تدميره قصدا طوال العقود الأربعة التالية لوفاة عبد الناصر، فيما يشبه (جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار) كما يقول الحقوقيون. وربما يمكن تفسير عملية التدمير "الاستئصالي" للقطاع العام، بنمط التفكير الرأسمالي – على الصعيد الدولي- إزاء التجارب المناوئة له اجتماعيا، بالعمل على اجتثاثها من الجذور، حتى لايبقى منها معالم أو شواهد نكون حية في ذاكرة الشعب. ومن أوضح الأمثلة على ذلك، ما قامت به الرأسمالية الألمانية الغربية إزاء الصرح الصناعي للشطر الشرقي من ألمانيا، الذي كان قائما، قبل قيام الوحدة الألمانية في عام 1991. فقد تم القضاء على هذا الصرح المشيّد في أحضان (جمهورية ألمانيا الديموقراطية) ليتم البدء من نقطة الصفر، بدون مبرر حقيقي، اللهم إلا محاولة "تصغير" الأمل الاشتراكي في أعين الجماهير. وكانت النتيجة الثمن الباهظ الذي دفعته ألمانيا الموحدة، ودفعته (ألمانيا الغربية) فاتورة لم تكن "ذات موضوع" أصلا، إلى حد معين.
وخلاصة ثالثة متفرعة عما سبق. إن ما حدث ببطء خلال أربعين عاما في مصر العربية ويزيد، هو (تخسير) القطاع العام، وليس مجرد الخسارة. ومن خلال متابعتنا للتغير في أسلوب تعامل الحكومة مع القطاع العام منذ السبعينات، تبين لنا وجود ما يشبه (المؤامرة الإجرامية) لتجريد مشروعات القطاع العام من أسباب القوة، شيئا فشيئا. وقد ذكرنا هذا التعبير الحاد: (المؤامرة الإجرامية)، إذ ماذا نقول إزاء سياسات متدرجة، مقصودة قصدا، عبر سنين، لإضعاف المشروعات العامة إضعافا، ثم إقصائها من ساحة العمل الاقتصادي إقصاء..؟ ونكتفي اليوم بشيء واحد، تم خلال فترة الثمانينات والتسعينات: حرمان القطاع العام، بقرارات متتالية صادرة من "المركز" ، حرمانه من مخصصات "الاستثمار الجديد" أو التوسعات الاستثمارية، حتى يبقى كل مشروع من مشروعات القطاع العام في حدوده لايتجاوزها. وصدرت قرارات أخرى بتقليص ثم بمنع أعمال (الإحلال والتجديد) لمشروعات القطاع العام. ولم يبدأ إنقاذ بعض الشركات إلا في آخر لحظة، من أجل "تجهيزها للذبح"، أو للبيع، لافرق. وإذا كانت المشروعات قابلة للإصلاح ولتحقيق الأرباح، فلماذا تبيعونها.؟ أم هو البيع بغرض البيع، لتذهب المشروعات لقمة سائغة لبعض رموز المال والسلطة في حقبة السادات-مبارك، ولبعض الشركات الأجنبية..؟ إنها حكاية جديدة لنهب مصر، مماثلة لحكاية قديمة، رواها الاقتصاديون المؤرخون للعهد الاستعماري القديم للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
و هناك أساليب أخرى عديدة اتبعوها من أجل (تخسير القطاع العام) لإجباره على الرحيل. وماتزال للحديث بقية. فما العمل..؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن