في اقتصاد السودان

محمد عادل زكي
Muhmmad_Adel@yahoo.com

2018 / 7 / 23

يمكن القول أن القطاع الزراعي في السودان يعكس جُل مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي، بمفهومه التقليدي، الذي يميز القطاع الزراعي العربي بوجه عام، على النحو التالي: (أولاً) عدم إجراء مسح دوري شامل للثروة الحيوانية منذ عام 1975- 1976 وكان المسح في ذلك العام قد أجرى عن طريق المسح الجوي (العشوائي والبدائي) ولم يتم التدقيق في بياناته. يضاف إلى ذلك تدهور المراعي الطبيعية وانكماشها، وعدم توافر مياه الشرب الصالحة للحيوان، واندلاع نيران الحروب من أجلها بين القبائل المتناحرة، وبين القبائل وبين السلطة المركزية. وهو الأمر الذي تضافر مع مشاكل حيازة الأراضي، وغياب سياسات تنظيم استخداماتها, وما يستصحب ذلك من إثارة لإشكاليات الصراعات القبلية وبسط النفوذ (على الأرض بما فيها وبمن عليها) في مرحلة أولى؛ كي تطرح في مرحلة ثانية إشكالية الصراع بين الطبقات المكونة للقبيلة ذاتها. (ثانياً) الاعتماد الكامل تقريباً، مع الاتجاه إلى تحديث الزراعة والإنتاج من أجل السوق، على وسائل إنتاج (الجرارات، والمحاريث، والحصادات، والهراسات، والمضخات، ومجموعات الري، والمحركات،... إلخ) منتجة في الأجزاء المتقدمة أو الآخذة في طريقها إلى بلوغ تلك الأجزاء (كاتربلر، فورد، فيرجسون، هيتاشى، كوماتسو، ميتسوبيشى، ياماها،... إلخ) الأمر الذي يعني تسرب القيمة الزائدة إلى الخارج من أجل شراء آلات العمل بالإضافة إلى السلع الاستهلاكية والغذائية المنتجة في الأجزاء المتقدمة. (ثالثاً) انتشار الفقر (57% من سكان الريف تحت خط الفقر) والأمراض المستوطنة والوافدة. والتاريخ المرضي للجنوب السوداني زاخر بالمأسي بعد تدمير الانعزال الصحي الطبيعي مع أول تعارف عدائي مع الرأسمال الدولي، الأمر الذي تساوق مع استمرار وجود الآفات الزراعية والأمراض الحيوانية، وعدم اعتماد برامج وقائية للحماية منها. (رابعاً) ضعف آليات ومصادر التمويل الوطنية، (كانت حكومة الخرطوم قبل الانفصال تدعم الزراعة بخمسين مليون دولار، في حين تدعم البنزين بـ 300 مليون دولار!) مع ارتفاع نفقة التمويل وقصر مدته واقتصاره على عمليات الإنتاج من أجل التصدير. أي من أجل السوق العالمي؛ وبالتبع الاندماج المباشر في منظومة الأثمان الدولية، وإنما ابتداءً من تسرب القيمة الزائدة المنتجة بسواعد أبناء الأجزاء المتخلفة إلى الأجزاء المتقدمة. فكما ذكرنا بالمتن أن التسرب يسبق التبادل، بل وذهبنا إلى أبعد من ذلك، لأننا نرى أن ما ينفق من أجل إنتاج عامل فرنسي يفوق ما ينفق من أجل إنتاج عامل سنغالي مثلاً، ومن ثم يكون من المنطقي أن يعوض بالأجر المختلف عن هذه النفقات المختلفة. ونفس الأمر ينطبق على العامل/الفلاح السوداني، الذى لا يتكلف إنتاجه (كعامل/كفلاح) سوى لقيمات قليلة وكساء متواضع وشربة ماء ملوثة! فهو تقريباً بلا ثمن! للأسف! (خامساً) ارتفاع نفقة الإنتاج، مع ارتفاع نسبة الهدر، إضافة إلى الأعباء الضريبية السائدة على المدخلات وتعدد الرسوم (ضرائب العبور)، والجبايات على حركة الحيوان. بالإضافة إلى انخفاض أثمان بعض المنتجات الزراعية، وهو ما ينعكس سلباً على قرارات الإنتاج. وكذلك ارتفاع نفقات الإنتاج، وانخفاض مستويات الميكنة الزراعية (13,8 جراراً لكل 100 كيلو متر، على الرغم من تدفق الاستثمارات السعودية، والإمارتية، والكورية الجنوبية، وتخصيص آلاف الأفدنة لتغذية شعوب هذه الدول!) أضف إلى ذلك عدم توافر التقاوي والبذور المحسنة والمبيدات بالشكل الكافي (7,9 كيلو جرام سماد لكل هكتار) مع استمرار الضعف في البنى الخدمية والتسويقية للنشاط الزراعي. وهذا كله إنما يتم في إطار من انعدام الترابط بين القطاعات الاقتصادية، وانعدام آلية التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية وذات الصلة بالثروة الحيوانية (المراعي، المياه، الأبحاث،... إلخ). (سادساً) تأثير الوضع الأمني المرتبك في دارفور؛ حيث يوجد في إقليم دارفور أكثر من خمس الثروة الحيوانية في السودان. (سابعاً) ونذكر أنه في بداية عام 2008 تسبب ارتفاع سعر النفط في زيادة أثمان الغذاء العالمية، مما دفع العديد من الدول العربية والأسيوية إلى التوجه للبحث عن الأراضي الزراعية من أجل إنتاج المحاصيل الزراعية الأساسية، وبالفعل، كما أشرنا بالمتن، وقع اختيار عدة دول عربية، مثل المملكة العربية السعودية (لم يعلن حجم الاستثمارات السعودية!)، والإمارات المتحدة (400 ألف هكتار)، وكذلك كوريا الجنوبية (690 ألف هكتار)، على الأراضي السودانية من أجل تأمين احتياجات شعوبهم الغذائية، الأمر الذي استصحب تلقي السودان مجموعة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الزراعة. وهو ما يعني في النهاية المزيد من إنتاج القيمة الزائدة بفضل يد الفلاح السوداني، والمزيد من تعميق حالة التخلف، كصراع ما بين الإبقاء على معدلات القيمة الزائدة المرتفعة بل والعمل على رفعها، والضعف المزمن في آليات إنتاجها (وبسبب التحديث النسبي للزراعة تأخذ إنتاجية العامل الزراعي اتجاهاً عاماً نحو الارتفاع من890 دولاراً عام 2000، إلى 918 دولاراً عام2003، ثم 929 دولار عام 2008، ثم 995 دولاراً عام 2010) ولأن السودان سوف يستكمل نزيف الماضي الاستعماري؛ لأنه سينتج لغيره، ويرهق تربته الخصبة، ولا يستخدم الفائض، إن وجد، من أجل سد حاجات الشعب السوداني، وإنما من أجل تغذية الشعوب الشقيقة في قارة أسيا! فلسوف يكون مشروعاً السؤال عن المستفيد من هذا الريع الناتج عن تأجير أرض الوطن للدول الشقيقة! بكلمات أدق: ما هي الطبقة المهيمنة التي ستفرض، في الواقع هي الآن تفرض، سطوتها على الريع الناتج عن إنهاك التربة، وضخ المزيد من القيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد الفلاح السوداني نحو خارج الوطن؟(ثامناً) بناء على ما سبق؛ يمسي منطقياً، ويصبح سائغاً فهم استمرار التخلف والتبعية وفقاً لما كتبه والتر رودني:"... لقد نشأت تناقضات غير منطقية عديدة على نطاق أفريقيا المستعمرة... فإن السودانيين والأوغنديين يزرعون القطن، لكنهم يستوردون سلعاً قطنية مصنعة... كما أن ساحل العاج تنتج الكاكاو لكنها تستورد الكاكاو المعلب والشيكولاته". انظر: والتر رودني، أوروبا والتخلف في أفريقيا، ترجمة أحمد القصير، مراجعة إبراهيم عثمان، عالم المعرفة؛132(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998)، ص189. (تاسعاً) وأخيراً نذكر عدم استقرار سعر صرف العملة الوطنية بالنسبة إلى الدولار الأمريكي، الأمر الذي ينعكس على المدخلات بشكل رئيسي. انظر: التقرير السوداني السنوي الخامس(2004) مركز البحوث الأفريقية، التقرير الاستراتيجي الأفريقي (2007)؛(2009) مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية (2012). وللمزيد من التحليل لظاهرة تجديد إنتاج التخلف ابتداءً من قانون القيمة، انظر مؤلفنا: الاقتصاد السياسي للتخلف: مع إشارة خاصة إلى السودان وفنزويلا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، بصفة خاصة الفصل الخامس.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن