Coming out .. 8 .. Shattered dreams .. 2 / 2 .. جزء عاشر ..

هيام محمود
houyemmahmoud1984@hotmail.com

2018 / 7 / 18

* ( تامارا ) و ( أميرة ) .. 5 ..

أدلّةُ الحبّ كثيرة عندَ ( تامارا ) , منها البُكاء .. بَكَتْ كثيرًا أخاها عندما كانَتْ صغيرة , تمنَّتْ مِرارًا أنْ تَفْعَلَ ذلك في حُضْنِ أمّها لكنّها لَمْ تَستطِعْ .. كانتْ مُلزَمَةً بإخفاءِ حُزنها ودُموعها عَنْ أمّها التي حاوَلَتْ قدر اِستطاعتها مُؤازرَتها والتخفيفَ عن اِبنتها لكنها لمْ تُفْلِحْ .. مَنْ تَسبَّبَ في بُكائها ومَنْ حَرَمَهَا مِن أنْ تُخفِّفَ أحزانَها في حُضْنِ أمّها كأيّ صغيرة ؟ .... "الله" !

لمْ تَبْكِ ( تامارا ) بَعدَ ذلك .. لمْ تَنْسَ ( علاء ) لكنَّ السنينَ ساعَدَتْهَا على رُؤية الواقع وعَيْشه كما هو حتى أصبَحَتْ أغلب الأوقات لا تَبكي عندَ زيارةِ قبرهِ ؛ رَأَتْ ذلك اِنتصارًا لها وله , قالَتْ أنه لا يُريدُ لها إلا أن تكونَ سعيدة وقَرَّرَتْ أنْ تكونَ كذلك عند زيارته , صارَتْ تَلبسُ أَحسنَ الملابس عندما تزوره , تَبتسِمُ عندما تُخاطِبهُ , تَحكي له أشياء كثيرة منها حتى النوادر والنّكت و .. تَضحك .. معه وله . لكنها أخفَتْ دُموعها عنه مراتٍ كثيرة , لمْ تَكنْ تستطيعُ السيطرةَ عليها كلّما قالَتْ له : "أفتقدكَ" , وكلّما كلَّمَتْهَا اِمرأةٌ غَريبةٌ عنها مِمَّنْ كنَّ يَزُرْنَ "أَهاليهنّ" , كنّ يَعرفْنَ القصة وكانَتْ ( تامارا ) مَعروفةً عِندَ رواد تلك المقبرة ..

منذ مدة ليست بالبعيدة كنّا معًا ثلاثتنا .. رَوَى ( علاء ) ساخرًا كيفَ "أَهْدَى" له أحد الأشخاص في عمله قنينةً صغيرةً فيها ماء زمزم , فما كان منه إلا أن أهرقها مباشرة بعد خروج ذلك الشخص .. اِستغربنا مِن موقف ( تامارا ) التي ظَهَرَ غضب شديد وغريب على وجهها , وعند سؤالها عن السبب قالت أنها قبل السادسة عشرة حمَلَتْ معها عدة مرات ماء زمزم عند زيارة أخيها , كان ذلك بإيعازٍ مِنْ "ماما كريمة" ..

كانَتْ ( تامارا ) تَرشُّ الماء على كلّ القبر والكمية الأكبر جِهةَ الرّأس .. قالَتْ أنّها لنْ تَغفرَ تلك اللحظات لأحدٍ بِمَنْ في ذلك نفسها بالرّغم مِنْ صِغرها وقتَهَا ومِنْ كونها كانتْ لا تزالُ تقول أنَّ الله شرير وظالم .. بعد السادسة عشرة اِنتهَتْ مِنَ الله ومِنْ ماءِ زمزم الذي كانَ دائمَ التواجد عندَ مُدبِّرة المنزل , الـ "كريمة" . لكنّها لمْ تَنْتَهِ مِنَ .. الحلوى والكعك , كانَتْ تُعْطِي الأطفالَ الفقراءَ فيَأْكلونَ ويَفْرَحُونَ , كانت تَفرَحُ لفرحِهم لكنها كانتْ تَحْزَنُ كلما رَأَتْ فيهم أختَيْن أو أخوَيْنِ أو أختًا و .. أخًا . كانت تَخجلُ مِنْ موقفها ذاك فهي لا تتمنى لأحد أن يفقد أخاه , لكن السؤالَ كان يَفرضُ نفسه عليها : لماذا أَخي أنَا ؟!

يَنسى الأطفال الكثير مِنَ الأحداث التي عاشوها في صغرهم , لكنهم يَتذكّرونَ الكثير .. قد يَنسون المناسبات السعيدة لكنّ الكثير مِنَ السيئةِ يَستحيلُ أنْ تُنْسَى .. دموع الفرح قد يُنْسَى منها الكثير أما دموع الألم فتَظلّ منقوشةً أبدًا بأحرفٍ مِنْ سمٍّ يُقطِّع الأوصال ونارٍ تَحْرِقُ دون رحمةٍ , وكيف تُغْفَرُ تلك الدموع للظالم الذي تَسبَّبَ فيها ؟!

يَفْتَخِرُ البشر بثقافةِ الغفران لكنّهم يَجهلونَ الذّلَّ والمهانةَ اللذيْنِ يَكمُنان وراءها .. إذا جازَ لي أنْ أَفتخرَ بشيء سأفعلُ مع أشياء كثيرة منها ثقافة "عدم الغفران" التي تعلّمْتُ أُصولَها ووعَيْتُ حقيقتها مِنْ ( تامارا ) ثم بعد ذلك ( علاء ) :

لا غُفران مع الأيديولوجيات !

لا غُفران مع الرّموز !

لا غُفران مع العوامّ لكنْ شفقة ورحمة لأنه لا خيار !

وأوّلُ مَنْ يَجبُ حِرمانُهم مِن الغفران والشفقة والرحمة : نَحْنْ ! وعندنا الخيار !

نحنُ نَرى أنفسنا "الحقّ" , يوم نكتشفُ أوهامنا بأنفسنا لا يُمكنُ أن نَغفرَ لأنفسنا ماضينا , ذلك الماضي يجبُ أن يَبْقَى وسامَ عارٍ لا يُنْسَى لكي نَتذكّر كل لحظةٍ فظاعةَ جرائمنا .... أمّا إذَا أَيْقَظَنَا أحدٌ مِنْ أوهامِنَا , فالخِزْيُ أَعْظَمُ والجُرْمُ أفدَحُ ويَستحيلُ أنْ يُغْفَرَ . الغفران يُولِّدُ الاستهتارَ واللامبالاة بِمَا أُقْتُرِفَ مِنْ فظائع , الغفرانُ لاعدلٌ وظلمٌ , ومنْ تَاقَ إلى الحرية عليه البدء بالعدل لِيَتَحَرَّرَ مِنْ كل القيود وأوّلها : نَحْنْ ! ومَا عَلِقَ في أذهاننا مِنْ مآسي يَتشدَّقُ بِها البشر إلى اليوم دُونَ مُراجعةٍ !

"الذي أَبْكَانِي إمَّا حَتْمًا ظَلَمَنِي وإمَّا حتمًا أُحِبُّهُ وفِي الحالتَيْنِ عَلَيَّ حَرْقُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْرِقَنِي" : هكذا تكلَّمَتْ ( تامارا ) عن الله وعن ( أميرة ) بعد أن اِكتشفَتْ كل الأوهام .. لكنها صائفة التاسِعة عشرة لم يكن لله حضور في عالَمها , كانت ( أميرة ) الحاضرة الوحيدة التي حكمَتْ صيفها ذاك .. كانت واقعية فقالتْ : "ليكنْ كمَا أَردْتِ .. لتكنْ النِّهاية !"

بعد سنوات طويلةٍ حَضَرَ ( علاء ) فَـ "أعجبته" "قصةَ الحَرْق" .. قال لِـ ( تامارا ) أنه مِنْ "أتباع اِبن تيمية" وأنه يكره القبور وسكانها , لم يَزُرْ قبرا ولنْ يَزور ... قال أنه لن يَسمحَ لأحد بأن يُبْكِيهَا وأن كل من فعل ذلك يجبُ أن يُحْرَقَ .... بَكَتْ ( تامارا ) لأنَّ المقصودَ كان أخاها , فحاولَتْ أن تَنْسَى لكنها لم تَستطِعْ .. لمْ تَزُرْ ذلك القبر منذُ ذلك اليوم , ظَنَّتْ لزمنٍ أنها اِنتصرَتْ وصارَتْ من أتباع "الشيخ الجليل" لكنها اِكتشفَتْ أنّ القبر ودموعه هَجروا المقبرة ليسكنوا عقلها .... اليوم , وكلما حاولَتْ دفعي لأن لا أزورَ قبر ( أميرة ) , أجيبُهَا بأني أكره البدو وشيوخهم وبأن مَنْ بيته مِنْ زجاج لا يستطيع قَذْفَ الآخرين بالطوب .

.

https://www.youtube.com/watch?v=WSj35ph9USY

.

https://www.youtube.com/watch?v=QbJ9hpC9Ai0

Amamos ....



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن