ذكرى ثورة تموز: ليس بالنزاهة يتميّز السياسي

ناجح العبيدي
nagih.al-obaidi@dw.com

2018 / 7 / 13

في كل مرة تمر فيها ذكرى ثورة تموز 1958 يستعيد الكثيرون "مآثر" قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم. هذا العام توفر الذكرى اليوبيلية الستون فرصة أكبر لذلك ، لاسيما في ظل الفوضى السياسية التي تجتاح البلاد حاليا. غالبا ما نقرأ هنا آيات المديح والإشادة بالزعيم. ومن اللافت أنها تركز دائما على نزاهته وعفة يده التي يتبادل العراقيون عنها حكايات الإعجاب ترقى أحيانا إلى الأساطير، وكيف أنه قُتل على يد "رفاقه" من تنظيم الضباط الأحرار وفي جيبه دينار وبعض مئات من الفلسات فقط. نادرا ما يتحدث أحد عن مواهبه العسكرية وانتصاراته في المعارك باعتباره كان ضابطا برتبة رفيعة في الجيش العراقي. وأندر من ذلك أن يتم الحديث عن حكمته ودهائه السياسي وقدرته على إدارة دفة البلاد في فترة عصيبة مليئة بالصراعات التي ساهم هو شخصيا في إشعال بعض نيرانها. صحيح أن النزاهة أصبحت في عراق ما بعد 2003 عملة نادرة بين السياسيين بعد ان اجتاح وباء الفساد بلاد الرافدين، ولكن لا يجوز أن يصبح التعفف عن استغلال المال العام أو نبذ المحسوبية الصفة الأهم للسياسي في هذه الأيام. وفي كل الاحوال لا يمكن تقييم دور شخصية تاريخية مثل عبد الكريم قاسم استنادا إلى سلوكه الشخصي وصفاته الأخلاقية مع تجاهل النتائج العملية لنهجه في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذه النظرة العاطفية لدى العديد من المحللين والباحثين المعاصرين لها جذور تاريخية في الخطاب والفكر السياسي العربي على الرغم من انتباه مفكرين عقلايين لسطحية هذه الطريقة.
قبل أكثر من ستة قرون لخص العلامة ابن خلدون صفات السياسي الجيد حسب وجهة نظرة عندما كتب في مقدمته الشهيرة :" اِعلم: أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه، من شكله أو ملاحة وجه، أو عظم جثمانه ، أو اتساع علمه، أو جودة خطه، أو ثقوب ذهنه." لا يشترط ابن خلدون في الحاكم أن يتفوق بالضرورة على أقرانه في الذكاء أو الشجاعة أو الكرم أو العلم أو البلاغة، وإنما يجب أن يتميّز بأهم صفة وهي "حُسْنُ المَلَكَةِ" والتي يقصد بها فن الحكم والقيادة والمهارة في إدارة شؤون الدولة. لهذا رأى المفكر الشهير في اللجوء إلى القهر والبطش والتعسف مقدمة لإنهيار الدول وتلاشي العمران. هذه الفكرة الخلدونية طوّرها رائد علم الاجتماع ماكس فيبر الذي أكد في عام 1919 في محاضرة له بعنوان "السياسة كحرفة" على ضرورة إعطاء الأولوية لمبدأ المسؤولية على مبدأ الدافع الأخلاقي. ويقصد فيبر بذلك بأن السياسي المحترف مسؤول بالدرجة الأولى عن النتائج الفعلية لسياسته ولا يُحكم عليه بناءً على دوافعه الأخلاقية، أو بكلمات أخرى: يُقاس السياسي بأفعاله وليس بنواياه، أي بعكس القول المأثور "إنما الأعمال بالنيات" والذي كثيرا ما يعتمد عن وعي أو بدونه في تقييم وتحليل المراحل التاريخية المختلفة لبلادنا. ولهذا جعل فيبر من الشعور بالمسؤولية الفضيلة الأهم لأي سياسي محترف وليس مواقفه الأخلاقية والعقائدية والأيديولوجية المعلنة من قبله أو المنسوبة إليه.
من البديهي أن تتوفر في السياسي الناجح صفة "النزاهة". غير أن كل مواطن عادي مطالب من الناحية القانونية والأخلاقية أن يكون نزيها، وبالتالي لا يمكن أن تصبح نظافة اليد وكأنها معجزة يجترحها هذا الزعيم أو ذلك. ولا يمكن أن تكون بأية حال من الأحوال ذريعة للتغطية على أخطائه في إدارة شؤون البلاد والنتائج السلبية لسياسته الداخلية والخارجية أو تهوره في التعامل مع خصومه وحلفائه. من جانب آخر لم تكن نزاهة عبد الكريم قاسم ظاهرة نادرة في تلك الفترة. لقد أرسى النظام الملكي بالتدريج قواعد جيدة تتناسب مع ظروف المرحلة للتصرف بالمال العام الأمر الذي ساهم في الإبقاء على الفساد المالي والإدراي ضمن حدود معقولة. صحيح أن النظام لم يكن ملكيا دستوريا وأن الملك كان يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة في جانب الصرف أيضا، إلا أن الحرص على المال العام كان أحد المبادئ السائدة حينها إلى حد بعيد. وتكفي هنا الإشارة إلى الحكايات عن ساسون حسقيل أول وزير مالية عراقي ومواقفه أمام فيصل الأول والتي تعكس احتراما كبيرا لميزانية الدولة. لم يكن الملك الشاب فيصل الثاني أو الوصى وحتى نوري السعيد وكثيرون من أقطاب النظام الملكي أقل نزاهة من عبد الكريم قاسم وصحبه. كما أن الضباط الأحرار لم يبرروا انقلابهم على أسلافهم الذين تمت تصفيتهم بطريقة بشعة، لأن هؤلاء كانوا مرتشين أو اختلسوا المال العام وعرفوا بالمحسوبية، وإنما بالدرجة الأولى بتهمة أنهم "أذناب الاستعمار". من هنا يمكن القول إن نزاهة قاسم ورفاقه، وبما فيهم أيضا أعداؤه لاحقا الذين أقدموا على إعدامه بطريقة بشعة أثناء الانقلاب الفاشي في شباط 1963، إنما جاءت في الغالب امتدادا لتقاليد أرساها النظام الملكي قبل أن تبدأ عملية تآكلها التدريجي مع ترسخ مبدأ الانفراد بالحكم بعد ثورة تموز. وهنا بالذات - وليس في النزاهة - تكمن إحدى الخصائص الجوهرية الجديدة لنهج عبد الكريم قاسم التي تستحق فعلا الدراسة والبحث. أما حكاية عدم امتلاكه بيتا أو قصرا خاصا به وتفضيله السكن في وزارة الدفاع، فلا تعود إلى الزهد والتقشف وإنما أولا وأخيرأ إلى كابوس خوفه من انقلاب رفاقه عليه، لا سيما بعدما خبر بنفسه ما حدث في 14 تموز 1958.
لم تلعب النزاهة بالمعنى القاسمي أي دور يستحق الذكر في التقييم التاريخي لقادة دول آخرين ولطغاة ألحقوا بشعوبهم وبالعالم أضرارا فادحة. لم يقرّب مثلا الزعيم النازي أدولف هتلر بعد استلامه للسلطة عام 1933 أقاربه ولم يتكرم عليهم بالمناصب. حتى الآن يتذكر الألمان حكاية ابن عم هتلر المقيم في أمريكا والذي حاول استغلال اسم عائلته للحصول على امتيازات اقتصادية من قريبه الحاكم المطلق في برلين. غير أن هتلر صده بجفاء وعبر عن احتقاره له. لم يُعرف أيضا عن ستالين ميله للمحسوبية، وإنما كان "عادلا" في توزيع قمعه على الجميع. حتى يومنا هذا يتداول الناس قصة رفضه مبادلة نجله الأكبر الأسير لدى ألمانيا مع جنرال ألماني أسير لدى الجيش الأحمر أثناء الحرب العالمية الثانية. ولا نحتاج للحديث مفصلا عن زهد "الولي الفقيه" الخميني في إيران وعزوفه عن مغريات الحياة. لا يمكن بالطبع مقارنة قاسم بهؤلاء، لكن "نزاهة" هتلر وستالين والخميني تبقى مجرد تفصيل ثانوي عند تقييم دور هذه الشخصيات في تاريخ بلدانهم والعالم.
هكذا يجب أيضا التعامل مع أسطورة النزاهة التي لا تزال ترافق عبد الكريم قاسم وتضفي عليه هالة تغطي على جوانب أخرى أهم. لقد مضت ستون عاما على ثورة تموز 1958 وحان الوقت لكي يتصالح العراقيون مع هذا الحدث الهام في تاريخهم المعاصر وأن يتعاملوا بقدر من الحيادية مع أبطال هذه الحدث وضحاياه ودون تحيّز مسبق لهذا الطرف أو ذاك.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن