مخاطر التطور الاجتماعي العربي المشوه (11-18)

غازي الصوراني
cdideology@hotmail.com

2018 / 7 / 3


3/7/2018

اليوم ونحن في مطلع الألفية الثالثة، تتعرض مجتمعاتنا العربية، من جديد، لمرحلة انتقالية لم تتحدد أهدافها النهائية بعد، على الرغم من مظاهر الهيمنة الواسعة للشرائح والفئات الرأسمالية العليا، بكل أشكالها التقليدية والحديثة، التجارية والصناعية والزراعية، والكومبرادورية والبيروقراطية الطفيلية، التي باتت تستحوذ على النظام السياسي، وتعوق أيَّ تحول ديمقراطي حقيقي في مساره، عبر اندماجها الذيلي التابع للنظام الرأسمالي المعولم الجديد من جهة، وتكريسها لمظاهر التبعية والتخلف والاستبداد الأبوي على الصعيد المجتمعي بأشكاله المتنوعة من جهة أخرى، من خلال التكيف والتفاعل بين النمط شبه الرأسمالي الذي تطور عبر عملية الانفتاح والخصخصة خلال العقود الثلاثة الماضية، وبين النمط القبلي /العائلي، شبه الإقطاعي، الريعي، الذي ما زال سائداً برواسبه وأدواته الحاكمة أو رموزه الاجتماعية ذات الطابع التراثي التقليدي الموروث.
إن مخاطر هذا النمط المشوه من العلاقات الاقتصادية تنعكس بالضرورة على العلاقات الاجتماعية العربية بما يعمق الأزمة الاجتماعية، واتساعها الأفقي والعامودي معاً، خاصة مع استشراء تراكم الثروات غير المشروعة، وأشكال »الثراء السريع« كنتيجة مباشرة لسياسات الانفتاح والخصخصة، والهبوط بالثوابت السياسية والاجتماعية الوطنية، التي وفرت مقومات ازدهار اقتصاد المحاسيب وأهل الثقة، القائم على الصفقات والرشوة والعمولات بأنواعها، حيث يتحول الفرد العادي الفقير إلى مليونير في زمن قياسي، وهذه الظاهرة شكلت بدورها، المدخل الرئيسي لتضخم ظاهرة الفساد بكل أنواعه، في السياسة والاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية الداخلية، بحيث تصبح الوسائل غير المشروعة، هي القاعدة في التعامل ضمن إطار أهل الثقة أو المحاسيب، بعيداً عن أهل الكفاءة والخبرة، ودونما أي اعتبار هام للقانون العام والمصالح الوطنية، مما يحول دون ممارسة الحد الأدنى من مفهوم المجتمع المدني أو تطبيقاته السياسية بحكم استعمال الاستبداد الناجم عن استفحال الفساد.
و مما هو جدير بالحس بالمسؤولية، أو بالتأمل –كحد أدنى- ليس الخطر الناجم عن هذه الظواهر فحسب، بل أن تصبح هي القاعدة التي تحكم أو تحدد مسارَ العلاقات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا العربية وطبيعتها، حينئذ تصبح »مؤسسة« الفساد هي التي تملك السيطرة على دفة القيادة في هذا البلد أو ذاك، وتوجيهها وفق قواعد إدارة الأزمة بالأزمة، وهنا ينتقل الحس بالمسؤولية، إلى ضرورات التغيير الديمقراطي المطلوب في مواجهة هذا الوضع المأزوم، الذي تفرضه طبيعة أزمة التحرر الوطني والقومي، بحكم أنها تعبير عن أزمة هذا التطور المشوه الذي فرضته حالة التبعية البنيوية للإمبريالية، حسب تعبير المفكر الشهيد مهدي عامل –بحيث »تصبح الطبقة المسيطرة أو نظامها في تناقض بين السير في منطق الحركة التحررية الديمقراطية، وهو منطق معادٍ لها، وبين السير ضده (و النتيجة واحدة)، حيث بات السير في منطق التحرر يضع هذه الطبقة (أو التحالف أو النظام) في تناقض مع مصالحها الطبقية، فيقتضى بالتالي بضرورة زوال سيطرتها الطبقية، وكذلك الأمر بالنسبة لسيرها ضد منطق الحركة التحررية حيث تفقد هذه الطبقة التي هي البورجوازية الكولونيالية كل مبرر لوجودها في موقع القيادة«(1).
ولكن الإشكالية الكبرى، أنه في موازاة هذه الأحوال والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المحلية الداخلية المأزومة، تراجعت أحزاب وقوى التغيير الديمقراطي في بلداننا (وهي أهم مكونات المجتمع المدني)، إلى الخلف بصورة مريعة، وبخاصة القوى القومية واليسارية منها، التي لم تستطع –حتى اللحظة- بلورة أو إنتاج صيغة معرفية، سياسية اقتصادية اجتماعية، علمية وواقعية، قادرة على رسم مستقبل المجتمع العربي والخروج من أزمته، وقد ترك هذا التراجع آثاره الضارة في أوساط الجماهير ووعيها العفوي، التي وجدت في الحركات السياسية الدينية ملاذاً وملجأ يكاد يكون وحيداً، يدفعها الى ذلك نزوعها الى النضال ضد العدو الرئيسي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والنضال من أجل الخلاص من كل مظاهر المعاناة والحرمان والفقر ومواجهة الظلم الطبقي والاستبداد السياسي الداخلي من جهة أخرى.
ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم، زمن الحداثة والعولمة وثورة العلم والمعلومات والاتصال، يشهد مجتمعنا العربي عودة الى الماضي عبر تجديد عوامل التخلف فيه، لم يعرف مثيلاً لها في تاريخه الحديث منذ مائة عام أو يزيد، فهو الى جانب ترعرع الأنماط القديمة القبلية والحمائلية والطائفية، والأصولية والتعصب الديني، يوصف اليوم بحق على أنه »مجتمع شديد التنوع في بنيته وانتماءاته الاجتماعية، أبوي، يعاني النزعة الاستبدادية على مختلف الصعد، مرحلي، انتقالي، تراثي، تتجاذبه الحداثة والسلفية، شخصاني في علاقاته الاجتماعية يعيش حتى الوقت الحاضر مرحلة ما قبل المرحلة الصناعية والتكنولوجية، وبالتالي مرحلة ما قبل الحداثة«(2). ..... يتبع

1- مهدي عامل –النظرية في الممارسة السياسية-دار الفارابي-الطبعة الثالثة-بيروت-1990-ص356.
2- د. حليم بركات –المجتمع العربي في القرن العشرين –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت-تموز 2000-ص19.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن