متى يدخل المسلمون عصر التنوير؟

رابح لونيسي
lounici.rabah2008@yahoo.fr

2018 / 6 / 24


ان الأنظمة السائدة في عالم اليوم، ومنه العالم الإسلامي، يغلب عليها طابع الإستبداد بكل أشكاله، فنجد إحتكار فئة محدودة للسلطة والقرار داخل الدولة وللثروة في المجال الإقتصادي والإجتماعي، كما نجد إستبدادا فكريا وثقافيا ودينيا بالسيطرة على المدرسة والمؤسسات التربوية والدينية وإحتكار وسائل الإعلام، ويبدو أن البعض من الفئات قد وعت بهذا الإستبداد، إلا أنها عاجزة عن طرح الحلول العملية والمؤسساتية للتحرر منه نهائيا بدل إعادة إنتاجه تحت غطاءات شتى كالقومية واللبيرالية والإسلام وغيرها من الأفكار والمشاريع التي جربت كلها في بلداننا إلا أنها أبقتها في التخلف، وكبلت الشعوب في الإستبداد أكثر كلما أعتقدت هذه الشعوب المسكينة أنها ستتحرر منه .
وكثيرا ما تلجأ هذه الشعوب في بلداننا -خاصة في العقود الأخيرة- إلى ما تطرحه بعض القوى السياسية والأيديولوجية من بدائل، والتي تدعي أنها تستمد مشروعها من المرجعية الإسلامية، ولا تدري هذه الشعوب أن ما تطرحه أغلب هذه القوى هو مجرد إعادة وتكرار لإٌستبداد أشد وأنكى، لأنه مغلف بالدين، وتتخذه لباسا وغطاءا لفرض إستبدادها وأخذ مكان المستبدين السابقين، ويقود الكثير من هذه المشاريع المطروحة ممن يعتبرون أنفسهم أنهم أوصياء على الدين وضمائر الناس، ويضيفون بتصرفاتهم تلك إستبدادا دينيا إلى الإستبداد السياسي والإقتصادي السائد من قبل، ويعرقلون في غالب الأحيان التقدم وحرية الفكر والإبداع، ويحولون الدين إلى مشكلة وعامل تفتيت وزرع للإضطراب في بلداننا، وأكثر من هذا فإن هؤلاء الأوصياء الجدد يسجنون المسلم في تراث الماضي وأثقاله التاريخية السلبية المثيرة للطائفية بدل النظر إلى المستقبل، كما يسجنه أيضا البعض من المعادين لأصحاب هذه الطروحات في التراث الأوروبي .
أليس ما يهدد البلدان الإسلامية اليوم من فتنة طائفية بين من يسمون أنفسهم بأهل السنة والذين يسمون أنفسهم بالشيعة هو مجرد صراع تاريخي وقع منذ أكثر من أربعة عشر قرنا حول السلطة بسبب عدم وجود ميكانيزمات عملية لحل هذه المشكلة العويصة سلميا كما حلتها أوروبا بأنظمتها الديمقراطية ؟، ولازالت مشكلة السلطة مستمرة عندنا إلى حد اليوم، وقد حاولنا في كتابنا "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع" إيجاد حل نهائي لها، خاصة في الفصل الخامس منه .
فما دخلنا نحن اليوم في هذا الصراع السياسي القديم بين أنصار علي بن أبي طالب وأنصار معاوية بن أبي سفيان الذي أتخذ طابعا وغطاءا دينيا، أليس من الأجدر بنا أن نبقيه تاريخا نتعظ به وكفى، وننظر إلى واقعنا ومستقبلنا بدل الجدال العقيم في قضايا وأمور قد تجاوزها الزمن ولافائدة ترجى من طرحها، وأكثر من هذا لماذا يستحضر المسلمون دائما هذا الماضي الديني والتاريخي المثقل عند مواجهة مشاكل الحاضر؟، أليس ذلك بسبب طغيان الخطاب الديني المتخلف والمنحط على عقل المسلم، والذي يسوقه الكثير من هؤلاء الأوصياء على الدين، والذي أصبح يلعب دورا سلبيا في حياتنا ومستقبلنا ؟، ألم يحن الوقت لتحرير المسلم من هؤلاء الأوصياء الذين يستغلون الدين ويأولونه حسب نزواتهم ومدى علاقتهم بالسلطة السائدة، ويقومون بذلك كله بدعوى أنهم يمتلكون علم الدين ويسمون أنفسهم ب"علماء الدين" ؟، ألم يتخذ البعض من المسلمين اليوم الكثير ممن يسمون أنفسهم ب"علماء الدين" أربابا من دون الله يحرمون ويحللون لهم حسب نزواتهم، شأنهم في ذلك شأن البعض من اليهود والنصارى الذين قال فيهم القرآن الكريم " أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" ؟ ألم يحن الوقت للقضاء على أي وساطة بين المسلم وبين النص القرآني والتخلص من إحتكار أي كان لتأويل النص الديني كما فعل البروتستانت الذين قضوا على وساطة البابا بين الإنسان المسيحي والأنجيل في القرن السادس عشر؟ ألم يحن الوقت لإبعاد الدين عن النقاش والصراع السياسي والإبقاء فقط على الإستلهام من قيمه وأخلاقه ومبادئه الكبرى دون أي تضييق على الفرد والمجتمع، مما يسمح لنا دخول الحداثة دون أن نتخلى عن هويتنا الحضارية.
فما يمنع المسلم المعاصر أن يعيش مثل الأمريكي أو الأوروبي مثلا دون أن يتخلى عن عبادته لله وأركان وأخلاق الإسلام، فما يمنع المسلم المعاصر أن يستلهم الحل لمشكلة التوفيق بين الإسلام والحداثة من الحل الذي طرحته الثورة الجزائرية التي قالت في بيان أول نوفمبر 1954 "إقامة دولة ديمقراطية وإجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المباديء الإسلامية"، أي بمعنى أن نعيش في إطار تلك المباديء الكبرى المنصوص عليها في القرآن الكريم، وهذا ليس معناه النظر في كل قضية هل هي حلال أم حرام، لأن ذلك هو التضييق بعينه وإدخالنا في نقاشات عقيمة لا معنى لها، وندور في حلقة مفرغة، بل أكثر من هذا نضيق على هذا الدين الواسع مثلما ضيق بني إسرائيل على أنفسهم عندما أمروا بذبح البقرة، لكن للأسف يكرر الأوصياء على الدين ممن يسمون أنفسهم بالعلماء هذا المشهد القرآني يوميا علينا بتضييقهم على الإنسان المسلم وتحريم أشياء ما قال بها الله من السلطان، ووجدوا آذانا صاغية لها بسبب الجهل، فعرقلوا المسلمين من دخول الحداثة، فكرسوا فيهم التخلف والإستبداد بشكل أكبر ومركب .
ويبدو أنه قد غاب عن الكثير من أصحاب مختلف الطروحات السائدة عندنا بأن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر بكل أشكاله تغلب عليه سمة العجز وعدم القدرة على الخروج من السجن الذي وضع فيه، فإما أن تجده فكرا يكاد لا يخرج عن اجترار التراث الإسلامي القديم أو نقل ما أنجزه الفكر الأوروبي في عصر التنوير، لكن لم يستطع هذا الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر تجاوز هذين التراثين الفكريين، أو بالأحرى السجنين اللذين وضع نفسه فيهما إلى مرحلة جديدة هي مرحلة الإبداع الفكري بعد نقد التراث الفكري الإسلامي والتراث الفكري الأوروبي مثلما فعل الأوروبيون بعد عصر النهضة مع التراث الإغريقي الروماني والفكر الإسلامي.
ونتساءل إن كان هناك عصر النهضة الإسلامية الذي تميز بإحياء التراث الفكري الإسلامي ونقل التراث الفكري الأوروبي في القرن19، فمتى سيكون لنا عصر العقل والتنوير أين نبدع من خلال نقد التراثين أفكارا وأنظمة ومؤسسات ومناهج جديدة، فلماذا لم ينتج فكرنا الحديث والمعاصر مفكرين أمثال روسو ومونتسيكو وماركس وآدم سميث... وغيرهم من المفكرين الأوروبيين الذين أبدعوا في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفلسفي. ولم يكتفو باجترار التراث الإغريقي-الروماني أو نقل ما كان لدى المفكرين المسلمين الأوائل؟.



البروفسور رابح لونيسي
-جامعة وهران-



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن