سماءٌ منشقّة

دلور ميقري

2018 / 5 / 4

السماءُ، بدت لناظري وكأنها انشقت إلى نصفين؛ أحدهما بلون أرجوانيّ يُشبه لهيبَ الغسق، والآخر مشرق مع شمسٍ زاهية الصفرة. رأيتني أسيرُ على الحدّ الفاصل بينهما، على دربٍ يشق بدَوره أرضاً كأنما الفردوسُ السماويّ يرى صورته في مرآتها. على حين فجأة، روّعني وقعُ دويّ متتالٍ للرعد مصاحَبٌ بالبرق. وإنما في هذه اللحظة حَسْب، أدركتُ أنني أجتاز بساتينَ الغوطة سعياً للوصول إلى الحارة.
" أنصتوا إليّ، يا أخوتي! الأهالي هنا يعيشون حياتهم الطبيعية، التي ألفوها منذ عشرات السنين. أنا معكم، بأنها حياة قاسية مع فقدان الكرامة والحرية. وأعرف أيضاً، أن غالبية منكم تنتهز فرصة مناسبة للانشقاق. أنا أقف أمامكم مستعداً، ما لو فكرتم أيضاً بقتلي. ولكن قبل كلّ شيء، تفكّروا بما سيحصل لأولئك الأهالي عندئذٍ من قصف وتدمير وقتل وتهجير "، هكذا كان ضابط شاب يُخاطب جنوده بلكنة محلية مشنوعة. كانوا ينصتون إليه منكسين رؤوسهم، وعلامات الحيرة على ملامحهم. النسيم المعتدل، حمل أصواتِ أنينٍ وآهات من ذلك المكان، الذي كان يُشير إليه الضابط. تابعتُ سيري، مخلّفاً ورائي نظراته المتعاطفة. الدرب، ما عَتَمَ أن حاذى منطقة شبيهة بالجحيم مع أنها امتدادٌ للغوطة الفردوسية. وإذاً، فهمتُ الآنَ أنّ ما راعني قبل قليل ما كان صدى لرعد وإنما لقصفٍ جويّ أو أرضيّ. تحت الأشجار، لاح عددٌ من الشبان المرتدين ملابس عسكرية، وهيئاتهم توحي بأنهم من المنشقين عن جيش النظام. طلبوا مني أن أدع الدرب وأن أقتدي بهم لحماية نفسي من القصف.
" الجبلُ الصديق أصبحَ أكثر قرباً، والمكوث معهم هو الخطر الحقيقيّ! "، فكّرتُ فيما أنا أغذ خطوي على الدرب. أشرفتُ من ثمّ على ما يُشبه هضبة خضراء، مشرفة على أيكة من مختلف الأشجار المثمرة. هنالك، ما لبثتُ أن وجدتني مُعترَضاً من لدُن جنديّ شاب، لا يحمل سلاحاً. شعر رأسه شديد الشقرة، وجرمه الكبير، دلّا على أنه عسكريّ روسيّ. بمقابله، لحظتُ فتاةً مكتسية أيضاً لباساً عسكرياً مُشابهاً. فلم أشكّ بأنها مواطنته. أظهرَ كلاهما سروره، حينَ تكلمت بلغتهما. سألت الفتاة، ما إذا كانت من موسكو. هزّت رأسها بحركة غامضة فيما كانت ترمق مواطنها مبتسمة. استأنفت القول بروسيّتي الركيكة، متوجهاً إليها: " تعجبني موسكو أكثر من سان بطرسبورغ، لأنها مدينة داخلية مثل الشام. أما سان بطرسبورغ، فهي أكثر شبهاً بستوكهولم المفتوحة على البحر! ". اتسعت ابتسامة الفتاة، وربما سخريةً من كلامي الهجين، المتناقض. وإذا زميلها يتدخل، ليقول لي: " كلانا من سان بطرسبورغ، يا صديقي السويديّ! ". وإذا به على الأثر يدعوني لمشاركته برقصة روسية، أسماها " بالالايكا " أو شيئاً من هذا القبيل. شعرتُ بالحرج إزاء دعوته، مع أن روعي أطمأن لأنه أعتقد أنني سويديّ. ما أخرجني من حالة الإحراج، كان رؤيتي لشاب ملامحه ليست غريبة عليّ يقف مع شخص في مثل عمره.
" آه، أنت هنا! "، تقدمتُ من الشاب بعدما عرفتُ فيه جاري وصديق طفولتي. كان عندئذٍ يتطلع إلى جهاز موبايل بيد الشاب الآخر، فرفع رأسه وحياني بود دونما أن تظهر عليه علامة دهشة أو استغراب. رفيقه، رفع رأسه فحدق فيّ ملياً قبل أن يهمس للآخر شيئاً. عرفته أيضاً؛ كان ابن عم ذلك الصديق. فتذكرتُ للحال أمراً، جعل حرجي يتجدد بشكل أكبر: أنني سبقَ ودخلت في نقاش على الفيسبوك مع هذا الشخص، تطوّر إلى مجادلة انتهت بقولي له أنه لا يختلف عن عمه، المُخبر. العم، لم يكن سوى والد صديقي!
إلا أنّ ما خفف من شعوري بالحرج، معرفتي مسبقاً أنه ما كان على وفاق البتة مع أبيه، لدرجة تركه المنزل والبلد بأسره والسفر لدولة خليجية للعمل فيها. فيما كنتُ أخطو نحوهما، باغتني مرأى طفل رضيع، ملفوفٍ بقِماطٍ، لا يبين منه سوى رأسه. كان موضوعاً في وهدة قليلة العمق، تحت موقف الدبّ الروسيّ مباشرة. حفنات التراب المتناثرة على القماط، علاوة على آثار الحذاء العسكريّ حوله، أوضحتا أن ذلك الدبّ كان يكاد أن يهرس الطفل. سألتُ ابنَيّ العم عمن يكون، فلم يزيدا على هز الرأس ومتابعة النظر في الموبايل. الطفل، كان يتطلع إليّ بثغر باسم وكأنه مُدركٌ لهفتي عليه. قلتُ في نفسي بحزن: " لا بدّ أن أمه ماتت بالقصف أو أنها فقدته بطريقة ما ". انحنيت نحوه، وبدأت برفعه عن الأرض، حينما جمّدني صراخُ الآخرين بالعربية والروسية: " انتبه! إياك أن تتحرك! تحت الطفل، هناك لغم زرعه الإرهابيون قبيل انسحابهم من المنطقة! ". بقيتُ على تلك الوضعية، مستسلماً لشعورٍ طاغٍ بالنهاية، بينما السماء فوقي تستعيد لونها الأرجوانيّ.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن