ولادة الإنسان الفطرية بين العقل والإيمان ح1

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2018 / 4 / 29

ولد الإنسان عاقلا متحسسا لوجوده وشروط الوجود متسلحا بمجموعة من القواعد الفطرية والغريزية التي ستقوده نحو عالم المعرفة والوجود، من خلال ملاحظة التجربة وتكرارها وتثبيت النتائج على أنها محصلته التي ستتراكم لتكون صورة أولية قد تنجح في الإجابة على تساؤلاته المتطورة والمستحدثة مع تقادم الزمن, كيف ولماذا وإلى أين ومتى, هذه المجموعة من التساؤلات الكونية هي التي تبلورت مشروع فكري قاده إلى البحث عن إجابات من التجربة ومن التأمل والحدس، حتى نضجت لديه فكرة أولية شبه متيقن منها أن وجوده مرتبط بعوالم خارج الإدراك الحسي وأحيانا ساهم الوعي الذاتي لديه بأن ينسب الأشياء لمسميات فائقة البعد والتغييب، ليقنع نفسه ويعذرها من التقصير في البحث عن كل الأسئلة التي تتوالى عليه كلما تأمل وجوده وهذا الكون الواسع .
في الشق الأول لماذا لإنسان ولد عاقلا متحسسا للوجود وقد أثبت العلم أن السلالات القديمة مما يعتبر سلف الإنسان العالي لم تكن عاقلة بالمعنى الذي يجعلها ناطقة معرفية ذات وعي متطور، قادر أن يقودها لابتكار الحرف والنغمة الصوتية التي تماثل الحرف المكتوب في الدالة وتعبر عنه, الحقيقة أن كل السلالات التي سبقت الإنسان الحاضر برغم التشابه الجيني بينها وبين سلالات من حيوانات أقل رقيا في التطور وقياسا مع الإنسان، تكاد تكون الصلة الجينية لا تشير قطعا ويقينا إلى إنحدار هذا الكائن الناطق المتعقل الحساس بتلك السلالات، لا المتطورة ولا المتحولة لحقيقة جدا بسيطة أن تأريخ هذا الكائن العاقل الإنسان على وجه الكرة الأرضية في أحسن الأحوال لا يتجاوز الأربعين ألف سنة إن لم يكن أقل من ذلك بكثير, ومع هذه الفترة الزمنية القصيرة جدا أنتج ما لم يستطيع مجموع تلك السلالات جميعا بخمسين مليون سنه أو أكثر أو أقل من أنتاج جزء بسيط من أوليات ما أنتجه هذا الكائن، من النار للعجلة للمسكن للكتابة للقانون للنحت للعلاقات الأسرية المنظمة .
أدرك الإنسان المسمى بني آدم أنه من أحد أطراف ثلاثية محكومة بالترابط والتشارك ولا يمكن الفصل فيما بينها أو عزل أحد أطرافها لا بناء على افتراض ولا حتى بناء على برهان جاد, العلاقة الثلاثية تجمعه مع الوجود الحولي وما يثيره من أسئلة وملاحظات وحاجات وتغيرات وحتى قوانين, وبالتالي لكي يربط وجوده هذا مع الوجود الكلي لا بد من فكرة أو رؤية تبرر وتفسر وتعلل وتجيب على كل شيء, بدأ جادا في بناءها من تجربته وما أثرت عليه قيم الوجود وقوانين الحضور والغياب والمعرفة والجهل، أن أبتكر صيغة ما من شبكة من التصورات وأمن بها وخضع لها ولمنطقها، وحاول أن ينشر هذه الرؤية متمسكا بتجربته ومستمتعا بانجازه فدان لها, فصار الدين الذي أبتكره جوابا وتعليلا وتفسيرا وحضورا إيمانا هو الركن الثالث من هذه الحقيقة، التي كلما أراد أن يتجاوزها وجد نفسه مشدودا لشيء ما يذكره أن الوجود منظومة قوانين مرتبطة بقواعد منها ما هو محسوس ومنها ما هو ليس بالإمكان تفسيره أو تعليله، لأنه لم يتوصل بعد لا بالبرهان ولا بالفرض المتسق مع منطق الوجود إلى حل .
هل قاد الإنسان وجوده العام والخاص لاكتشاف الدين أم أن العقل هو من أستدل على مفاهيم العقيدة والارتباط بعوالم خفية وغيبية صارت مع قوانين الوجود جسم الدين وشكله الخارجي؟ ليعطي إيمانه بهذا الوجود المتبلور فكريا وحسيا روح التدين, الحقيقة قد يكون كلاهما مسئول عن حدوث ما جرى, وقد يكون وجود ظاهرة الغيب والخفاء والتكيف التكويني للإنسان ذاته علاقة ما, ولكن من المؤكد أستحالة حدوث وبلورة فكرة الدين بعيدا عن العقل في النمذجة والتسويق فضلا عن الإيمان والتصور, لولا وجود العقل المفكر المحلل الذي تعود على التفسير بعد السؤال والتعليل والفرز والخزن والاستحضار في كل مرة، لم يكن هناك لا معرفة ولا وجود لنتاج علمي أو حتى ما يسمى بالتراتيب الدنية التي صنعها بوجوده العقلي .
لا ينكر أحد من دارسي علم اجتماع الإنسان ولا الباحثين في المعرفة العامة ولا من مختص علم الديان أن ارتباط الإنسان بالدين هو قديم قدم وجوده على الكوكب الأرضي, كما أن لا أحد منهم يستطيع أن يبرر كيف أكتشف الإنسان ضرورة الدين أو الإحساس به على وجه اليقين الذي لا يرتقي له شك, الديني والذي يؤمن بأن الله الخالق البعيد المتخفي وراء الغيب العظيم هو من أوجد الدين وقبل ذلك زرعه في ذات الإنسان الأولى (بذرة التكوين) وبالتالي فالدين جزء فطري وأصيل من وجود الإنسان ككائن مكيف ومبرمج على الإيمان به.
لذلك من الصعب عليه أن يتصور عالما بلا أديان أو وجودا خارج مفاهيم الدين, العقلي وأصحاب المدرسة المنطقية التجريبية يعزون ويفسرون ذلك على أن نشاط العقل في حالة تصادم مع الواقع يجنح أحيانا لإقناع ذاته بوجود قوى خفية غيبية تحرك الوجود من بعد غير محدود ولا يمكن قياسه أو تصوره, ومن شدة خشيته منها واتقاء لما يمكن أن تسببه من تأثيرات سلبية على الإنسان قادته للإيمان بالغيب وقواه التي عبر عنها بفكرة الدين .
الفلاسفة وبعض الماديين وإن لم ينكر الوجه الأخر من حقيقة الوجود لكنه لا يربطه بالمحتم كعلاقة مع الدين، بل يعود في كل مرة إلى أن العقل في تعامله مع أشياء يصعب عليه تفسيرها وتبريرها أو حتى تبرير وجودها ينسبها في كل مرة إلى عجزه هو في أن يفك أسرار أكبر من قدرته على اكتشافها, فينسبها لقوى عاقلة متحكمة ولكنها تفعل كل ذلك من خلال فكرة دفع الإنسان لأن يخضع ذاتيا للمجهول كحقيقة موجودة، ولكنها غير محددة بأنتظار أن يمنحه الزمن المقدرة العلمية والوقت المناسب لاكتشاف حقيقة هذه القوى وكيفية عملها وتأثيرها على الإنسان .
كثيرون حاولوا الفصل بين الوجود الملموس والغيب ومنهم من حاول أن ينكر وجود الغيب أصلا، بتعبير أنه مجهول لا بد أن تصل له دلالات العلم وينكشف وبالتالي، فتوهم وجود عالم غيبي هو توهم غير واقعي مستند أساسه من قصور التجربة أو قصور في الوصف, الغيب عند منكريه هو ما لا ندركه أما لنقص توصيفي أو لنقص في بيان حدود ما هو الوجود ذاته, وبالتالي أنتساب الدين في جزء منه للغيب هو خداع للعقل قبل أن يكون جزء من الواقع, مقولة أن الشريعة هي قانون الدين المفروض بقوة الغيب متأت من فرض أن القانون هو شريعة الإنسان التي رتبها بعد أن أصبح ذا سلطة وقوة فرض, وبالتالي فكلاهما بشكل أو بأخر اختراع للضرورة قام به البشر على أمل تحسين الواقع, الأول في غياب تنظيم يمارس السلطة وقادر على ذلك أوجد مفهوم الدين المرتبط بالقوة المنتقمة التي ترى كل شيء وتسمع كل شيء, ولكن عندما تمكن الإنسان من الانتظام بمجتمع ذو سلطة وقادر على فرض القانون علينا أن ننحي الدين جانبا لوجود البديل الناجع والفعال .
السؤال الآن هل حقا يمكننا أن نستبدل الدين بالقانون أو من الأفضل الجمع بين الاثنين على أن تكون هناك مرحلة انتقالية يتداخل فيها الديني مع القانوني، ليشكل عبور من مفردات الدين الحاكمة بروحانيتها وتلقائيتها والطوعية التي تتميز بها إلى أحكام القانون الذي يحتاج في كل مرة إلى الرقابة والتشريع المستجد المتطور وإلى آليات التنفيذ التي يفتقدها في وجود ميل فطري عند الإنسان بالتقييد الذاتي بأحكام الدين,البعض يرى في المسالة نوع من الاحتكاك الذي يتولد منه التناقض بين المؤدى الحكمي للقانون وبين الثواب والعقاب المرتبط بالدين وبالتالي نفسد مسيرة الاثنين مها, الحل عند الكثير أن يبقى الدين محدودا في العلاقات الروحية والبينية التي تعتمد الأخلاق والفضيلة والخير وليفسح المجال للقانون للتحكم بالعلاقات القائمة على معاملات الإنسان وعلاقاته اليومية التي تتطلب التنظيم الدقيق والسريع والمحدد والذي لا يحتمل تدخل الضمير والأخلاق والمثل .
فئة قليلة وإن كان لها حضور قوي ونشطة في دفاعها عن الإنسان العاقل الذي خلق الدين وعليه أن يتخلص من أثار ما خلق ببناء قديما بإبداله برؤية أكثر قربا من العقل المجرد وأشد التصاقا بإشكالاته الوجودية, هؤلاء الذين ينكرون أي ضرورة اليوم لبقاء الدوافع الأولى التي شدتنا إلى عالم مخيف وغيبي وخفي بعد أن اكتشفنا الكثير من الأجوبة على الأسئلة الأولى, والتي تبين منها أن سذاجة العقل الطفولي هي من قادتنا للأيمان بحقيقة وجود عالم مواز تختفي فيه قوى فاعلة أكتشف العلم الواقعي أنها لا تعود بالضرورة لقوى خارجية وإنما لقوانين المادة وحركتها الجوهرية .
الملحد واللا ديني مفهومان يقومان على إنكار موضوعي ويتبنيان بديل أخر محدد بموضوعية المفهوم، لكنهما لا يؤمنان بالكفر, أي أنهما لا يعدان أنفسهما كافرين بالموضوع لأن أصل الكفر مبني على مخالفة قاعدة الإيمان أصلا, الملحد ينكر كما قلنا وجود غيب ووجود قوى خفيه لأنه يؤمن بخفاء جزء من حركة المادة لأسباب طبيعية, مثلا حركة الذرة الواحدة داخل كيانها الذاتي هذا غيب نسبي لصعوبة الملاحظة والإحساس بها, أما ننسبها للغيب الطبيعي بمعنى خلاف الحضور الطبيعي فهذا نوع من تجاوز الحقيقة المادية التي تؤكد أحادية الوجود منسوبا للمادة فقط ثم للمكان وأخيرا للزمن, المادة ووجودها الذي يمثل عنصر المكان وما ينتج من هذه الحركة مقاسا بمعيار القوة على المسافة هو الزمن, وبالتالي القول بوجود قوى خفية هو تجاوز على وجود المادة وقوانينها واستغراق حقيقي في إنكار الواقع كما هو .
إذن الملحد لا ينكر الله من حيث هو خالق أو مدبر أو مسيطر بل ولا لكونه موجود أو عدمية الوجود, بل إنكاره مصبوب على أن ما يقدمه العقل الديني من صفات وتكوينات ذهنية عقلية لا تتناسب مع قوانين المادة ولا تتوافق مع منطق العلم في المعرفة بأسس التسليم العلمي, كل وجود لا بد له من خصيصتين الأول الإشغال والثاني المظهر, النجوم الكائنات الأخرى وحتى التي تتميز بالأثيرية كالأحلام مثلا أو المشاعر لها وجود واقعي في الذهن مرتبط بقوانين وخاضعة للقياس والرسم والتوقع, ولها مظهر حقيقي يمكن تلمسه من خلال معدات ووسائل تقنية حتى تكشف مسارات هذا الوجود ومظهريته, فهي ليست غيب ولا من سنخ المقياس التقديري المرتبط بالخفاء, إنها عالم متكامل ووجودي عكس ما نجده مثلا في مفردات الدين الجنة والنار الملائكة الغضب المكافأة وغيرها التي ترتبط حصريا بمسمى عالم الله .
الملحد يتخذ موقف فاحص بموجب معيار العقل الذي يؤمن به فهو متدين به ومنحاز لما يؤشر له أو يستنتجه بموجب ذات القوانين التي يؤمن بها المتدين ويلزم بها نفسه ويطلب من الآخرين أن يصدقوا له وبه, العقل عند المتدين طريق إثبات ونفي وأداة تحرير اليقين وبرهان الفرض, الديني الذي يؤمن خلاف ذلك لا يمكن وصفه مؤمنا بالله بمعنى الإيمان الاختياري وهو نوع من أنواع البهيمية التي لا تفقه لماذا تؤمن أساسا, المتدين صاحب العقل يستصحب إيمانه بنتاج العقل ومشورته, وهو ذات ما يفعله الملحد مع فرق موضوعي أن الملحد أحادي الوجه مستغرقا في إيمانه بالدليل العقلي أما المتدين العاقل لا ينفي عن العقل قصور في الرسم أو قصور في النتيجة, ويمكننا أن نسمي الملحد عقلاني كامل بينما المؤمن العاقل عقلاني نسبي .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن