ضوء نقدي (( شموع الانتظار )) الشاعرة الفلسطينية (( فاطمة جلال ))

منير الكلداني
vision.moh2018@gmail.com

2018 / 4 / 20

النص : شموع الانتظار
الشاعرة الفلسطينية : فاطمة جلال
ضوء نقدي : منير الكلداني

النص

لَقَدْ تَعِبَتُ
وَأَنَا أُطَارِدُ الحُلْمَ
فوق سُفُوحٍ اِنْهَزِمِي

وَأَنَا أَبْحَثُ
عَنْ أَمَلٍ فِي
وَاحَاتِ صَبْرِي

وَأَنَا أَنْتَظِرُ
عَوْدَة غَائِب لَا يَعُود
وَلَا يَعْلَم أَنَّنِي
قَدْ أَشْعَلْتُ شُمُوعَ الاِنْتِظَارِ
مُنْذُ أَلْفٍ عَامٍّ أَوْ يَزِيد

رسمته فِي أَحْلَامِي
أَسْكَنْتُهُ صدْرَ الحكايا
خَبَّأَتْهُ فِي حُجْرَاتِ القَلْبِ
وَزَّعَتْ أزاهير الياسمين
تَتَدَلَّى عَلَى شُرْفَاتِه …

وَمَا زِلْتُ أُشْعِلُ لَهُ شَوْقَ العُمْرِ …
حَتَّى عَقَارِبِ الزَّمَنِ
ما زالت تَلْدَغُنِي
بِوَقْتِهَا المسمُومُ

مَا زِلْتُ أُلَوِّحُ له
بِشَالِي الحَرِيرِي
كَلَّمَا مَرَّ قِطَارٍ
ورحل
ولَا أَمَّلُ من الانتظار…

دالة النص
في تجسيد الحدث يحتاج الفرد في كثير الى ذلك التجلي الذي يخصه كانسان ومنه ينطلق الى باحات رغباته الحاضرة والتي لا تنفك عنه في لحظات عمره ، وكلما كانت تلك اللحظات عميقة كان الحال اشد على الفرد وهو يحاول ان يجسدها او يعبر عنها ويبقى ذلك التعبير الغائب خاصا جدا يدور في افق الفرد ولا يتجاوزه كثيرا ، ولعل اصعب تلك اللحظات (( انتظار العدم )) حيث يكون كابوسا مرعبا لا يتخلص منه الفرد بسهولة فهو انتظار لا امل فيه ولا منطق عقلائي يقبله فهو يمثل شعورا انسانيا نبيلا ، يمثله (( الوفاء )) ، وهذا ما لمسناه بشكل صريح في نص الاديبة (( فاطمة جلال )) حيث تقول
وانا انتظر ؟
وعندما نسالها عن انتظارها تقول
عودة غائب لا يعود
وهي لحظة الفقد الحقيقي الذي يظهر بصورة مكثفة من العمق الدلالي الذي يحيلنا الى الفهم بمدى معاناة الشاعرة وهي تتالم في تلك الصورة الغريبة ونتيجة لان هذا الانتظار هو انتظار داخلي لا يرتبط بمدلول واقعي خارجي نجد الشاعرة تبتعد عن الزمن بالكلية لانها لا تعيش زمنا معينا في خطها الشعوري بل (( حزن عميق )) لا يحتويه الزمن

قَدْ أَشْعَلْتُ شُمُوعَ الاِنْتِظَارِ
مُنْذُ أَلْفٍ عَامٍّ أَوْ يَزِيد
فالف عام ما هي الا دلالة التوقف ، فلا يوجد عمر منطقي يصل اليه الفرد في وقتنا الحاضر فدالة العدم هو العدم ليس الا ، وهو ايحاء يجعل من الشاعرة تعيش حالة الفراغ تلك باقسى صورها ، فالتكرار (( رمز الاشعال )) ما هو الا وصف لتلك الظلمة التي تعيشها طيلة هذه السنوات الافتراضية ول كان تتصور فقط اشعال الشمع وما يتطلبه هذا الشيء مضافا الى ان كل هذا (( لن يجدي نفعا )) بل هو يزيد (( القلق )) ويجعل الشاعرة في حالة من عدم الوعي لما يدور حولها وفي خضم ذلك (( الجنون الرمزي )) :
وَمَا زِلْتُ أُشْعِلُ لَهُ شَوْقَ العُمْرِ
فهي وصل بها الحال الى اشعال العمر ، اغلى ما يملكه الانسان (( شوقا للرمز )) وتعتبر هذه الفقرة المقطعية العمق الكامل لما تشعر به حيث تمثل حالها بالذبول والوهن وعدم القدرة على الاستمرار ، اذ هي اقرب الى فقدان الوعي التام من خلال تكثيف الحدث على (( السلب الكلي )) ، وهي تحاول بطريقة ما الرجوع الى وضع يسمح لها بمعادلة تلك الانهيارات التي تعيشها وفي حال تسيطر فيه على ما تبقى منها اذ تقول
رسمته فِي أَحْلَامِي
وهذا الهروب من الواقع يعطي بعدا الى التخلص الجزئي في بناء عالم خاص تكون فيه مع (( الرمز )) حيث تستطيع ان تعبر ما لم تقدر عليه في واقعها الذي يشبه القوقعة المظلمة وهي طاقة (( ايجابية )) في مثل هذا الظرف الحرج (( الجنوني )) ومن ذلك الخيال ياتي مشهد تصويري مفاجا (( صدمة الحدث ))

مَا زِلْتُ أُلَوِّحُ له
بِشَالِي الحَرِيرِي
مقطع ياخذ الشعور ويرميه بعيدا حيث تلك (( اللقطة )) تصوير بمضمون بسيط الا انه عميق ، يجمع بين اصالة الماضي وعبق الحاضر (( الشال )) ومن حقها ان تصل الى الانهيار التام بعد ذلك وتدخل دوامة لا خروج منها وجاء الوقت لترفع راية الاستسلام بشكل صريح
لقد تعبت
وانا اطارد الحلم
وتاتي لحظة الحقيقة التي لا بد منها ، حقيقة الفقد اللانهائي وان الحلم اصبح عائقا ولا بد من الخلاص منه ، ولهذا لا بد من صفحة اخرى تطوى رغم الالم
ولا امل من الانتظار

دالة اللغة :
1 – الالفاظ بسيطة لا يوجد اي غريب فيها بل هي في متناول المتلقي .
2 – استطاعت الشاعرة بمقاطع مكثفة قليلة ان توصل مضمونها من اقرب الطرق باستخدام ادوات االبلاغة المناسبة في ذلك من استعارات وتشبيهات منتقاة باحكام
3 – تكرار (( انا )) ثلاثة مرات جاء موفقا جدا رغم ما فيه من قول من بعض ناقدي هذا النوع ، الا انه استخدم باتقان في تصوير الحالات المتكررة وغير المتشابهة وهذا اعطى بعدا اعمق لغويا ومعنى .

دالة خارجية ..
لكل فعل رد فعل في كل شيء انساني تقريبا ، وفي حالة التشتت الذهني لدى الفرد يقوم بحالة من المقاومة يسمونها (( الكبت )) وهم كما وصفوها – بغض النظر عن مصداقيتها التامة _ : ((عملية غير شعورية، تستبعد الأنا، بموجبها، الحفزات الغريزية، والأفكار، والصراعات، والذكريات المؤلمة، والمثيرة للقلق، والرغبات المستكرهة، من مستوى الوعي، إلى مستوى اللا وعي ))
وهذا ما نراه جليا في المقطع اعلاه ..
وحتى لو ضاع الامل وفقد في الطريق و
كَلَّمَا مَرَّ قِطَارٍ
تبقى للشاعرة فاطمة جلال رحلة لا تنتهي في مضمار المعاني العميقة



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن