قراءة جديدة في القضية الفلسطينية (6) مابين مركزية القضية الفلسطينية ومركزية إسرائيل

فتحي علي رشيد
Fathi43ra@gmail.com

2018 / 4 / 9

لا نبالغ إذا قلنا أن فلسطين ومنذ بداية القرن العشرين بدأت تكتسب أهمية استثنائية لدى كافة العرب والمسلمين , كونها باتت محلا لأطماع الحركة الصهيونية المعلنة .والتي لم تكن تخفي نيتها في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ولا أطماعها في المنطقة العربية .
.وبما أن فلسطين كانت من الناحية الجغرافية والتاريخية وإلإدارية والسياسية والثقافية وبشريا وروحيا جزء أساسي من الوطن العربي وبخاصة مما كان يطلق عليها بلاد الشام ( سوريا الطبيعية ) .وبما أنها كانت تحتوي على أهم المقدسات الإسلامية والمسيحية , إضافة لكونها تشكل الخاصرة اليسرى للوطن العربي كله , أوالقطعة الواصلة بين مشرق الوطن العربي ومغربه . لهذا كان هناك وعي وإدراك عام بأن أي عملية أقتطاع أو قطع لتلك الخاصرة من جسد الوطن العربي سوف تشكل مقتلا لهذا الجسد كله , فكيف إذا كان هذا الاقتطاع سيتم لغرس كيان غريب ( سرطان ) من قبل عدو تاريخي , لايخفي أطماعه العدوانية والتوسعية في الوطن العربي .
هبة البراق ومركزية القضية :
من هنا فإن قلوب وأفئدة وعقول جميع العرب كانت معلقة بفلسطين وتخاف عليها حتى من قبل أن يصدر وعد بلفور وومن قبل أن يحتلها الإنكليز, وقبل صدور صك الانتداب عليها بسبب تزايد الهجرة اليهودية التي اتضحت خطورتها بعد أحداث مايسمى حائط المبكى , حيث قام اليهود بعزل هذا الحائط بستار عن بقية أجزااء القدس الشريف , مما تسبب بغضبة عارمة ولدت ثورة عرفت بهبة البراق عام 1929 . وفيها استخدمت لأول مرة في العالم الطائرات والدبابات البريطانية لقمع المتظاهرين العرب , وراح ضحيتها مئات الفلسطينيين وألاف الجرحى , وجرى إعدام عشرين مواطنا ,,إلخ . ومن يومها أصبحت قضية فلسطين والقدس وحائط البراق (مايسمى حائط المبكى عند اليهود ) (1) قضية مركزية للأمتين العربية والإسلامية . وخلال العشرين عاما التالية كان الخوف على فلسطين وشعبها يتزايد ويتعمق ,والحرص عليها يصبح بمثابة الخط الجامع والموحد لكافة المواطنين العرب .أما بعد النكبة فلقد أصبحت قضية فلسطين وتحريرها القضية المركزية للأمة العربية كلها والشغل الشاغل لها .أوقضية العرب الأولى .ولهذا قامت كثير من الانقلابات والثورات لإسقاط الأنظمة التي كانت سببا في ضياع فلسطين ونكبة شعبها .حيث رفعت تلك الأنظمة الثورجية شعار تحرير فلسطين , وتم اعتبار القضية الفلسطينية بمثابة القضية المركزية للعرب .وظل الأمر كذلك طيلة فترة الخمسينات .
بداية التغير :
من المؤسف أن نقول أن الحكومات والنخب والشعوب العربية كلها كانت تدرك أن مهمة التصدي للإحتلال الصهيوني واستعادة الحقوق المسلوبة (المنظورة للفلسطييين , وغير المنظورة للعرب ) هي مهمة ملقاة على عاتق جميع الدول والحكومات والشعوب العربية .والأهم أنهم كانوا يدركون أن الفلسطينيين وحدهم ـ خاصة ـ بعد أن شتتوا في خمسة بلدان عربية مهما تسلحوا وامتلكوا من قوة , لن يتمكنوا من تحرير شبر واحد من بلدهم (2) .لهذا كان جميع الحكام العرب وقياداتهم وأحزابهم تتنافس فيما بينها لإظهار تمسكهم وحرصهم عليها ,وكذلك كأسلوب لاكتساب ود وثقة شعوبهم ولتسهيل حكمهم لها مستغلين حبهم لفلسطين , حيث راحوا يتسابقون في طرح الخطط والشعارات لتحرير فلسطين بل ويزاودون على بعضهم بحب فلسطين .إلى أن زار الزعيم العربي المحبوب "جمال عبد الناصر "غزة عام 1961 وألقى في شعبها خطابا قال فيه ( ردا على إعلان عبد الكريم قاسم في العراق تشكيل جيش لتحرير فلسطين ) " كل من يقول لكم أن لديه خطة لتحرير فلسطين إنما يكذب عليكم " . وهكذا بعد أن كانت النخب الفلسطينيية تناضل من خلال الأحزاب القومية العربية وتعتمد عليها ,بدأت تنحو منحى مختلفا .وبدأوا يدركون أن الحكومات والقيادات الأحزاب العربية ( بما فيهم الزعيم المبجل عبد الناصر ) كانت تكذب عليهم , وبدأت من يومها تفكر وتعمل على إنشاء تنظيمات خاصة , لتقوم هي بالمهمة التي تخلى العرب عنها ,أو ليأخذوا زمام المبادرة في عملية التحرير أو لأن يلعبوا دور رأس الحربة لتحرير بلدهم من هنا بدأت تتشكل تنظيمات فلسطينية عديدة تدعوا إلى تحرير فلسطين . ومن المؤسف أن نقول أن كثيرمن القيادات الفلسطينية والعربية كانت تدرك وتؤكد على عدم إمكانية الفلسطيين حتى لو توحدوا وحصلوا على أحدث الأسلحة ـ لن يتمكنوا ليس من تحرير شبر من فلسطين فقط ,بل حتى مجابهة الاعتداءات الإسرائيلية , وما تخطط له إسرائيل مستقبلا إلا أن العاطفة والحماس الثوري الذي طغى في كثير من مناطق العالم وخاصة بعد انتصار الثورتين الجزائرية والكوبية ,تغلبت على صوت العقل والمنطق وبدأت التنظيمات الفلسطيية تظهر هنا وهناك حتى زاد عددها عن الثلاثون .
تشكيل منظمة التحرير :
وبغض النظر عما إذا كان الحكام العرب يريدون من وراء تشكيل المنظمة استيعاب المد الثوري الحاصل أم لا ,أم لتطويره وتوحيده . إلا أنه من المؤكد أنهم عندما اجتمعوا في القاهرة عام 1964 واعلنوا عن تشكيل منظمة التحرير الفلسطيينة لتقوم هي بتعبئة وتنظيم الفلسطينيين ليطالبو بحقوقهم ويدافعوا عنها , لا يكونون فقط قد تنصلوا من مسؤولياتهم التاريخية والسياسية والأخلاقية تجاه فلسطين وشعبها وحسب , بل تجاه شعوبهم وبلدانهم ومستقبلهم.ويكونون في الوقت ذاته قد وضعوا الفلسطينيين في طريق كانت نهايته معروف سلفا بأنها "مسدودة " . وكان معروفا مسبقا لكثير من الفلسطيين والعرب أن هذا الطريق محكوم عليه بالفشل والخذلان (3) . إن لم يكن ذلك من أجل هدف لئيم , إي إدخال الفلسطيين في نفق مظلم بما يؤدي إلى إنهاكهم بما يجعلهم يضرسون ويضحوا ويموتوا حتى ييئسوا ويستسلموا ويرفعوا الراية ويعترفوا بإسرائيل . وبالتالي ليتخذ الحكام العرب من هذا التسليم والاعتراف ذريعة ليعترفوا بإسرائيل ,ويسلموا لها متخفين حول فكرة "أننا لن نكون ملكيين أكثر من الملك" . وكثير من هؤلاء المفكرين اعتبروا تشكيل المنظمة أول خطوة لتصفية القضية الفلسطينيية . ومع أنه كان ينظر لهذا التفسير كنوع من أنواع التشكيك بالقيادات العربية والفلسطينيية وتخوينها يقوم به الطابور الخامس لمصلحة إسرائيل , إلا أن هذا الموقف كونه استمر وتنامى أكثر , فهو يدلل على أنه يستند على وقائع صحيحة , اتضحت بعد عشر سنوات فقط على تشكيل المنظمة , حيث وافقت القيادة الفلسطينيية على إقامة دولة فلسطينية على مااحتل من الضفة الغربية وغزة عام 1967, متخلية بذلك عنما احتل عام 1948 . ومكافأة لهم على هذا القرار والموقف إجتمع الحكام العرب في ذات العام في مدينة الرباط (بعيدا عن أرض الرباط ) في أقصى المغرب العربي وأصدروا قرارا ينص على اعتبار منظمة التحرير بمثابة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ., وبعد عشر سنوات (بعد الخروج من الجغرافيا السياسية ) بعد أن خرجت فصائل المقاومة من لبنان عام 1983 عقد مجلس وطني فلسطيني في القاهرة تم فيه إقرار فكرة القرار الوطني الفلسطيني المستقل . وهو ما كان عرفات وعباس وكثير من القيادات والنخب الفلسطينية تعتبره انتصارا لهم وللقضية الفلسطينية ,كونه يشكل خروجا من الجغرافيا السياسية ,(4) أي من الوصاية العربية . وهذا ماجعل الحكام العرب يسرون كثيراً, لكون ذلك الخروج من الجغرافيا السياسية مهد لهم الطريق للتلطي خلف مواقف القيادة الفلسطينية , بعد أن تخلت عن الثوابت القومية والفلسطينيية , لتتخلى هي عن أي التزام لها بالقضية الفلسطينية . خاصة بعد أن اعترفت قيادة المنظمة عام 1988 رسميا وعلنا بحق إسرائيل في الوجود .ولم يكن ينقص الحكام العرب إلا دفعة بسيطة ليصبح السلام بعد مؤتمر مدريد ( عام 1991 ) مع العدو التاريخي , العدو الذي احتل الأرض والمقدسات ويهدد وجودنا القومي خيارا استرتيجيا .من المؤكد أن ماحصل خلال أربعين عاما ( من 1964 إلى عام2004 التي جسدتها قرارات قمة بيروت ) كان كبيرا جدا , أوتحولا أو اختراقا كبيرا , ومن يتابعه بدقة يجد أنه مؤلف من خطوات متتابعة ومتتالية كان يتم فيها تبادل الأدوار بين قيادة المنظمة والقيادات العربية . أول خطوة قام بها الحكام العرب عام 1964 ثم تلتها خطوة قامت بها قيادة المنظمة عام 1874 تبعتها قرارات حكام العرب وهكذا . شكلت قرارات كل قيادة خطوة تمهيدية ليقوم كل طرف بما يترتب عليه لتصفية القضية الفلسطينيية وحقوق الشعب العربي و الفلسطيني في بلده تصفية تدريجيا ثم بصورة نهائية .وكل ذلك كما رأينا وكما نشاهد اليوم , لم يكن إلا خطوات تمهد الطريق لإسرائيل كي تصبح من خلال السلام والتطبيع القوة المهيمنة اقتصاديا وعلميا وعسكريا وسياسيا على المنطقة كلها وعلى شعوبها .وهذا مانعني به أن ماتسمى إسرائيل باتت القوة المركزية للمنطقة التي أصبحت تشكل مع قياداتها وشعوبها هامشا أو محيطا تابعا وخاضعا لها وملحقا بها .
وهنا من حقنا أن نسأل : هل ماقام به القادة العرب (والفلسطينيون من ضمنهم )منذ أن تبنت الحركة الصهيونية فكرة إعادة بناء دولة اليهود القديمة المزعومة من الفرات إلى النيل حتى اليوم هو تنفيذ واع ومدروس لأوامر تلك القيادة ؟ أم ان ذلك حدث بالصدفة أم كان قدرا محتوما ؟ أم نتيجة طبيعية للبنية العربية الهشة وتسلسل الأحداث التاريخية ؟ وهل من الممكن تغيير مسارالأحداث ؟ وكيف ؟
فتحي رشيد
9/ 4/ 2018

(1) بما أن الهبة الجماهيرية شملت كل المدن والبلدات الفلسطينية وجميع عواصم الوطن العربي , لذلك كلفت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في الخلاف الدائر حول ذلك الجدار وكانت تلك أول لجنة غربية . ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تلك اللجنة ,توصلت إلى أن ذلك الجدار قد بني في عهد الأمويين وجدد على يد اللماليك ثم العثمانيين .والمهم أنها أقرت بأحقية العرب المسلمين بذلك الجدار . مما ينفي أي صلة لليهود به .
(2) ومن المفيد أن نذكر بأن حكومات الدول العربية الست المستقلة ؟( كما يقول محمد عزة دروزة في كتابه عن القضية الفلسطينية ) قررت في مؤتمر بلودان (1948 ) الاكتفاء بتقديم الدعم المادي والسلاح والتدريب للثوار الفلسطينيين , وترك المجال لمن يشاء من المتطوعين العرب لأن يذهب ويقاتل . و بعد أن تبين لها أن الثوار الفلسطينيين والعرب بدأوا يحققون انتصارات على العصابات الصهيونية اجتمعوا في القاهرة يوم 12/ أيار 1948 أي قبل خروج القوات البريطانية بيومين وقرروا إدخال جيوشهم بحجة أن الفلسطينيين لن يكونوا قادرين (وهم على أرضهم الدفاع عنها لوحدهم ) الأمر الذي أستدعى تدخل الجيوش العربية , كما يقول دروزة وعبد الله التل في مذكراته ليكملوا الدور الذي عجزت عنه بريطانيا ,أي تسليم مالم تتمكن العصابات الصهيونية من احتلاله من أرض فلسطين دون قتال .وهي اليوم إذ تعمل على تحميلهم مسؤولية تحرير بلدهم بعد أن أخرجوا منه وتشتتوا , فإنما تقوم بالدور ذاته الذي قامت به عام 1948 وهو ماتحقق باحتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة ( والجولان وسيناء )عام 1967بعد تشكل ماسميت المقاومة الفلسطينيية .
(3) حيث وقفت كل من الهيئة العربية العليا , وحركة الأخوان المسلمين وحزب التحرير الاسلامي , والمكتب السياسي للعمل الفلسطيني الموحد(المشكل من ستة تنظيمات شكلت فيما بعد العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية ) بما فيها مجلة فلسطيننا الناطقة باسم حركة فتح .مشككة بالمنظمة وبالهدف من تشكيلها واعتباره مؤامرة صهيوأمريكية لتصفية القضية الفلسطينيية .
(4) من المدهش أن يتم اعتبار تشتيت المقاتلين الفلسطينيين بعيدا عن ساحة المواجهة مع إسرائيل إلى الجزائر واليمن ,,خروجا من الوصاية العربية انتصارا عظيما للقضية . والمدهش أكثر هو اعتبار إعادة هؤاء المقاتلين إلى الضفة وغزة بعد اتفاق أوسلو ليعملوا شرطة للإحتلال انتصارا أكبر للقضية الفلسطينية .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن