مشعل النور من الأقصر للمغرب على صفحة النيل

فاطمة ناعوت
f.naoot@hotmail.com

2018 / 4 / 1

كأننا نغوصُ في عُمق كتاب الزمان ونعود إلى خبيئة أسرار أجدادنا العِظام؛ حين كانوا يجعلون من صفحة النهر العظيم خشبةَ مسرح أسطوريّ تُعرض عليه الحكايا والملاحم والأوبرات والجاليرات والمواكب الملكية وطقوس العبادات وفنون الجسد البشريّ المُلغِز.
أشكرُ الحظَّ الطيب الذي جعلني أشهدُ تلك اللحظة الخالدة التي تقفُ فيها سيدةٌ مصريةٌ جميلة على متن باخرة تقطع عباب النيل لتُسلّم مِشعل التنوير والثقافة لدولة أخرى؛ حتى تُكملَ مسيرةَ النور. الدكتورة إيناس عبد الدايم، الموسيقارة الجميلة ووزيرة الثقافة المصرية، وصانعة مجد "دولة الأوبرا"، وأيقونة ثورة 30 يونيو، تقفُ على متن الباخرة المصرية فوق صفحة النيل، في قلبها نغمٌ وفي روحها عشقٌ للوطن، وفي يدها مِشعل "الأقصر" التي قضت اثني عشر شهرًا عاصمةً للثقافة العربية 2017، لكي تُسلِّمَه لعصمة الدكتور محمد الأعرج، وزير الثقافة المغربيّ، لِيُتوِّجَ به مدينة "وجدة" المغربية، العاصمة القادمة للثقافة.
كانت الباخرةُ التي يعلو شراعَها العلمُ المصريّ، تجاورُ الباخرةَ التي يعلو شراعَها العلمُ المغربي، دُرّتين من البهاء وسط بواخر النور التي حملت أشرعتُها أعلامَ إحدى وعشرين دولة عربية تشهد هذا العرس الثقافيّ المبهر، حيث ينتقلُ المشعلُ من يد إلى يد، ومن عاصمة إلى عاصمة، على نغمات أغنية "الأقصر بلدنا" الخالدة، بإخراج فنيّ مدهش من إبداع خالد جلال.
ضجَّ قلبي بالفرح وأنا أشهدُ تلك اللحظة المهيبة، ألوِّحُ بعلم مصر من الباخرة المصرية، لضيوف المهرجان من الدول العربية في أزيائهم الوطنية على متون البواخر الأخرى. تذكّرتُ شوكةَ الأسى التي وخزت قلبي، قبل أربع سنوات، على مدينة الأقصر وهي حزينة قفرٌ لا يزورها سائحٌ، ولا يهفو إلى آثارها عاشقُ تاريخ أو باحث في الحضارة. قبل أربعة أعوام طُفتُ بدروب "الأقصر" ومعابدها وبازاراتها وجرحني مشهدُ أبوابِ محال مغلقة، وبواخرَ راكدةٍ ومعابدَ شاغرةٍ، وتماثيلَ صامتةٍ؛ حين كان الزحامُ لا أحد! تلك المدينةُ الآسرةُ هي التي دفعتِ الشطرَ الأكبرَ من فاتورة الصخب السياسي الذي خاضته مصرُ منذ سبعة أعوام. المدينةُ العامرة بأكثر وأعرق وأجمل آثار هذا الكوكب، كانت مستهدفةً لقتل السياحة بها، ونجحت مساعي أعداء مصر، إلى حين. لكنها اليومَ قد عبرت لحظة الجدب الحزينة، وعاد إليها بريقُها واحتشد السائحون في معابدها ومتاحفها ودروبها وعلى ضفاف نيلها الثري. الأقصر تشهد ازدهارًا سياحيًّا وثقافيًّا مدهشًا في عهد د. محمد بدر، المحافظ المحترم الذي يعرف قيمة المدينة الاستثنائية التي يرعاها:، مُكملا مسيرة د. سمير فرج المشهودة. وشهدتُ بنفسي كيف يدير د. بدر ذلك الكنزَ التاريخيَّ الهائل، مدينة الأقصر، بوعي وحسم وثقافة، حتى يجعلها تعود إلى مجدها الذي يليق بها، وتليق به. طيبة العريقة، الأقصر الساحرة، تلك المدينة التي نُصِّبت عاصمةً للثقافة العربية على مدار العام الماضي، ولو أنصفوا لجعلوها عاصمة العالم على مدار الزمان. أقدم عواصم التاريخ، طيبة القديمة المتحف المفتوح على فضاءات الدنيا والتاريخ، مهد الحواضر وصانعة الضمير الإنساني في فجر الأزمان.
شهد معبدُ الكرنك العريقُ تلك اللحظة البهية الأحد 18 مارس، فضحكت قلوبُ أجدادنا، السلف الصالح، فرحًا وهم يروننا، نحن أحفادَهم المصريين، نشقُّ طريقنا نحو النور من جديد. أنصتَ الملوكُ وأصاختِ الملكاتُ السمعَ إلى المايسترا المصرية، وزيرة الثقافة، وهي تقول إن مصر ستظلُّ أبد الدهر مهد الحضارة وأرض النور ومشعل التنوير. ثم أطرقوا في خفر التواضع الملكيّ، وهم يسمعونها تُشيدُ بمجد أجدادها قائلة إن آثار أجدادنا علّمت الإنسانيةَ القيمَ والأخلاق وأبهرت العالم بالعلوم والفنون والعمارة والثقافة والتنوير. وصفّق لها الأجدادُ حين قالت الوزيرةُ المثقفةُ إن الهُوية المصرية الغنية وهبت المصريين الريادةَ في شتى مجالات الحياة.
لا شيء يوحّدُ الشعوبَ إلا الثقافةُ والفنون، وإن فرّقتنا الحروبُ والمصالحُ. وها هو مشعل الثقافة ينتقل من يد موسيقارة مصرية، إلى يد رجل قضاء مغربيّ، ليوحّد كلمةَ الدول العربية على خيار واحد، هو خيار التنوير والمدنية والتحضّر.
نبارك للمملكة المغربية الشقيقة استلامَها مشعل 2018 الذي تحمله مدينة "وجدة" حِملا ثقيلا وثريًّا؛ يُرصّعُ جبينها باللؤلؤ ويملأ قلبها بالنور.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن