الاعتذار والتسامح أخلاق إنسانية

جاسم محمد دايش
aljewel_80@yahoo.com

2018 / 3 / 20


الاعتذار فن وثقافة وخُلُق وتحضر , هو فــن اجتماعي لإدامة الصلة والتواصل بين أبناء المجتمع , وثقافة إنسانية تنم عن الثقة بالنفس والوعي بروابط الإخوة والمحبة والتكافؤ والمعايشة بين بني البشر , وخُلُق يتحلى به من تلقى تربية أخلاقية سليمة بلا عقد أو شعور بالنقص وهو سلوك حضاري يجيده كل من عاش في بيئة مدنية متحرراً من قسوة الحياة البدائية التي تعيشها بعض الجماعات البشرية المتخلفة في الصحارى او الغابات , فكلمات لطيفة منمقة مثل : آسف ..أعتذر .. سامحني .. أعترف بخطئي . والاعتراف بالخطأ فضيلة .. ستكون مؤثرة ولها وقع طيب في نفس صديقك الذي أخطأت بحقه وسببت له ألماً يحز في نفسه .
كلنا نرتكب الأخطاء ولسنا معصومين , كما قال رسول الله محمد (ص) : ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) والتوبة هي اعتذار , سواء أكان هذا الاعتذار موجهاً لله سبحانه وتعالى أم لأقراننا الذين نخطئ بحقهم , ولعل الباري عز وجلّ قد أعطانا الدرس الأول في الاعتذار في قصة آدم وحواء حين أغواهما الشيطان فاعتذارا فتاب الله عليهما ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )(سورة الأعراف :23) , وكل الأديان السماوية وغيرها وجميع الأنبياء والرسل والصالحين والقديسين والحكماء والمفكرين والفلاسفة والمصلحين يؤمنون بأن الإنسان يخطئ وان الاعتذار عن الخطأ شجاعة ونبل وأدب وتواضع , وكذلك قبول الاعتذار , بل إن الاعتذار يمحو الذنب , فليس العيب في أن يخطئ الإنسان , لكن العيب أن يصر على الخطأ , وإذا ما تراكمت الأخطاء صارت جزءاً من شخصيته فيعيش منبوذاً معزولاً فاقداً لمحبة الآخرين واحترامهم . وهناك ثلاث صور للاعتذار : الأولى أن تخطئ فتقدم اعتذارك لمن أخطأت بحقه وهذه هي الصورة المثالية التي تضعك في المنزلة الإنسانية . والثانية أن تخطئ فتصر على خطئك وتعد الاعتذار تنازلاً يُنقص من شخصيتك , وهذا تكبر لا جدوى منه سيخلف العداوة والبغضاء بينك وبين الآخرين . والثالثة فهي أن يُخطئ أحد بحقك ويأتي لتقديم اعتذاره فترفضه , وهي من أسوأ العادات التي تنم عن التعصب والانغلاق العقلي والتطرف وفقدان روح التسامح , كما قال رسول الله (ص)( من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل لم يرد عليً الحوض ) . فللاعتذار جانب شرعي وهو جزء من ثقافتنا وتكويننا الاجتماعي .
تنقل لنا كتب الأدب العربي بأن الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني هو أول من فتح باب الاعتذار وجعله غرضاً شعرياً , فيقول :
أتاني أبيت اللعـــن أنك لمتني وتلك التي أهتــم منها أنصب
لأن كنت قد بلغت عني خيانة لمبلغك الواشي أغش وأكذب
والسؤال المهم هو : هل الشاعر الذي كان يعيش البداوة في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام ويطلق عليها " العصر الجاهلي " يكون أفضل منا نحن أبناء المدينة الذين ندعي التحضر والتمدن ونطالب بالمساواة والعدل ونحلم بعالم جميل يسوده السلام ؟ نعم هو أفضل منا إذا كنا نعد الاعتذار مذلة أو انتقاصاً أو ضعفاً , فإياك والغرور كما يقول الأديب العربي الكبير الراحل " طــه حسين ": ( فإنه يظهر للناس كلهم نقائصك كلها ولا يخفيها إلا عليك ) فصن نفسك بالتواضع والتسامح ومودة الآخرين والعفو عند المقدرة والتجمل بالصبر , وضع نفسك في الموضع المشرف الذي يليق بها .
فكثيراً ما نواجه مشكلات خاصة تجعلنا متوترين وغالباً ما نعكس ذلك التوتر على تعاملنا مع الآخرين , فنغالي في العصبية ونسيء الظن بالآخر أو نسيء إليه نتيجة انفعالنا وتأثرنا بمشاكلنا الخاصة أو نظن بالأخر نتيجة سوء فهم لا أكثر ولا اقل وبعض الظن إثم , وحتى بعد أن نهدأ تأخذنا العزة بالإثم فلا نراجع أنفسنا ولا نعترف بخطئنا ونؤزم الأمور بينما هي لا تحتاج إلا لكلمة (أعتذر) هذه الكلمة السحرية التي تمتص الغضب وتهدئ النفوس وهي أحسن ما ندفع به البلاء والعداوة والبغضاء , وكما اقل رب العزة في محكم كتابه " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "(الصافات:34) . ولا نبالغ إذا قلنا إن معظم أزماتنا مع الآخرين ناتجة عن سوء الظن , بل إننا كثيراً ما نردد عبارة " التمس لأخيك سبعين عذراً " وفي الواقع لا نكلف أنفسنا التماس نصف العذر .
فالاعتذار مفهوم أخلاقي واسع ومهم , ويشكل ركناً أساسياً من ثقافتنا وأهميته تكمن في كونه واجباً أخلاقياً وباباً للتفاهم وإعادة الثقة والتواصل مع من نختلف معهم من أحبتنا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كريم شغيدل ,الاعتذار واجب أخلاقي وباب للتفاهم والتواصل : مجموعة مؤلفين : نحو مجتمع الحوار واللاعنف .ط 1 , بغداد ,2016 .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن