الايمان المسيحي وصناعة النبؤات من العهد القديم !

جعفر الحكيم
jafar@alhakimfd.org

2018 / 3 / 8

الايمان المسيحي وصناعة النبؤات من العهد القديم !

حوارات في اللاهوت المسيحي 28

في أدبيات الإيمان المسيحي , هناك ما يعرف بظاهرة (نبؤات العهد القديم) حول شخص يسوع المسيح, حيث نجد بعض اللاهوتيين المسيحيين يصرحون بأن هناك أكثر من ثلاث مائة نبؤة حول المسيح, ونجد آخرين يرتفعون بالعدد حتى يوصلونه الى عشرة الاف!
بل وصلت الحماسة ببعض المسيحيين الى القول ان يسوع المسيح موجود في كل صفحة من صفحات العهد القديم!!

يمتاز العهد القديم (اليهود لايعترفون بهذه التسمية!) بخاصية مثيرة للانتباه,وهي أنه نص واحد, ولكن بفهمين مختلفين!
فاليهود, الذين هم أصحاب هذا الجزء من الكتاب المقدس, المدون بلغتهم وضمن اطار ثقافتهم وأعرافهم الاجتماعية والدينية, يعتبرونه الكتاب المقدس الوحيد,لانهم اساسا لا يعترفون بالعهد الجديد, ويعتبرونه مجرد هرطقات لقوم ضالين!

اما المسيحيين, فيتعاملون مع العهد القديم ,وفق قاعدة انه نص مقدس مؤسس لما سيتبعه من الكتاب (العهد الجديد) ومبشرا بالمجيء المرتقب للمخلص الموعود, الذي سيتحقق بتجسد الإله نفسه بشكل انسان, ليحقق الخلاص عن طريق تقديم نفسه ذبيحة فداء لخطايا البشر!

يحتاج الباحث في نصوص الكتاب المقدس,الى دراسة متأنية ومعمقة لكل نبؤة من النبوءات المزعومة, لغرض التحقق من مصداقيتها وانطباقها على الواقع, ويحتاج كذلك الى معرفة منهجية اللاهوتيين المسيحيين في تحديد تلك النبؤات وتقريرها, والادعاء بأنها تبشر بالاله يسوع الناصري,الذي تجسد بشكل إنسان, وجاء الى عالمنا !

ومن خلال هذا الالية المنهجية,يستطيع الباحث تحديد, فيما اذا كانت تلك النبؤات حقيقية, وتعكس تبشير نصوص العهد القديم بالاله (الانسان) المخلص الفادي, ام انها مجرد اسقاط مسبق لمعتقد او فهم (يخص المسيحيين وحدهم) على نصوص قديمة سابقة,من أجل تمتين ذلك المعتقد بوثوقية تاريخية وتأصيله بقداسة ويقينية حتمية عن طريق السطو الانتهازي على نصوص مقدسة لدى اليهود, الذي ينتمي اليهم يسوع الناصري, من خلال لي اعناق تلك النصوص, ووضع تأويلات وتفسيرات متنطعة , وإجراء جميع انواع (المطمطة) لظواهر تلك النصوص اليهودية ,من أجل الخروج باستنتاجات تؤدي الى اعطاء نوع من المصداقية والوثوق والمنطقية للمعتقد الجديد !

في هذا المقال, سنحاول عرض واستقراء اولى النبؤات التي يدعي المسيحيون , انها وردت في العهد القديم, لتبشر بيسوع المسيح, وسنستكمل ما بدأناه في المقال السابق, من قراءة وبحث في الإصحاح الثالث من اول اسفار العهد القديم(التكوين)

تحدث الأصحاح عن المحاكمة التي أجراها الرب, بعد حادثة الأكل من الشجرة الممنوعة, لشخوص الحدث الثلاثة ( الحية, المرأة و الرجل) وذكر العقوبات الابدية التي وضعها الرب على الثلاثة, والتي لم تقتصر عليهم, وانما امتدت لعنتها لتشمل كل ذريتهم وللابد!

وفي سياق تحديد عقوبة الحية (الغاوية) وعقوبة المرأة( المبادرة) إلى ارتكاب فعل أول خطيئة, ذكر الكتاب المقدس ,عبارة على لسان الرب, وهو يوجه كلامه الى ( الحية) , حيث قال الرب لها :

(واضع عداوة بينك وبين المراة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك، وانت تسحقين عقبه) سفر التكوين 3/15

النص المتقدم,يحمل اهمية كبيرة جدا, لان المسيحيين يعتبرونه, باكورة النبوءات الواردة في نصوص العهد القديم بخصوص شخص يسوع الناصري,مستدلين على ذلك بتفسير سوريالي ,لكلمات هذا النص البدائي الفكرة والصياغة!

ولو أهملنا فهم أصحاب الكتاب الوارد فيه هذا النص ,بمفردات لغتهم وضمن أدبيات ثقافتهم (اليهود) وتتبعنا فقط التفسير المسيحي للنص,سنجد ان استدلال المسيحيين به,لا يقوم على دليل ظاهر ومعتبر,وإنما يستند على استنتاج اعتباطي!

يرتكز استنتاج اللاهوتيين المسيحيين على أن هذا النص هو نبؤة خاصة بيسوع الناصري على أساس اقتطاع مفردة جزئية منه, وتوظيفها للترويج لمعتقدهم ومن خلال إسقاط تصورهم الايماني بطريقة عكسية على نص متقدم لا علاقة له أصلا !
حيث يعتبر اللاهوتيين أن عبارة (بين نسلك- الحية- ونسلها- المرأة) هي اشارة الى يسوع الناصري!!!
لان النص يتحدث فقط عن(نسل المرأة) وليس عن نسل (الرجل والمرأة) وبما أن يسوع هو الشخص الوحيد الذي ولد من امرأة من دون زرع بشري لرجل, فالعبارة تتحقق فيه وحده !!
ووفقا لهذا الاستنتاج,فان يسوع (الإله المتأنسن) هو الذي سيدمر الحية(الشيطان) لأنه هو الوحيد المولود من امرأة فقط

ان هذا التفسير المسيحي, يعكس لنا بشكل جلي, الانتقائية الاعتباطية,والجرأة الغريبة,على الانتقائية في الاقتباس, والتصرف الكيفي بالنصوص, عن طريق المراوغة اللفظية والمخاتلة المفاهيمية,واللعب على دلالة معاني الفاظ الكلمات, لغرض اعطاءها معنى, لم تكن اصلا بوارد التطرق اليه, ولم تخطر ابدا على بال وفكر الاشخاص المدونين لتلك النصوص!

في هذه النبوءة المزعومة, نجد التفسير, يستند على ان معنى(نسل المرأة) يقتصر فقط على يسوع الناصري, وهذه مغالطة فاضحة, ومراوغة مكشوفة , وتزييف مرفوض لمعنى كلمة( نسل) والتي هي باللغة العبرية(زيرا) وتعني (الذرية او بذر النبات) وهي تشبه كلمة (ابل) باللغة العربية, من حيث انها لا تاتي الا للاشارة للجمع, ولا تشير الى مفرد ابدا
وقد وردت كلمة(نسل) مرارا كثيرة في الكتاب المقدس وفق سياق هذا المعنى, مثل

(في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا:لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) تكوين 15

(لو أصغيت إلى وصاياي، لكان كالنهر سلامك كأمواج البحر عدلك، ولكان نسلك كالرمل وذريثك عدد الحصى. فلا ينقطع اسمهم أبدا، ولا يُباذ ذكرهم من أمامي) سفر إشعياء

ان الاستدلال المسيحي القائم على جعل معنى (نسل المرأة) يخص فقط, يسوع الناصري, يناقض بشكل صريح ما جاء في الكتاب المقدس نفسه, حيث نجد في نصوصه ما يشير الى (نسل) نساء أخريات, كان لديهن أزواج, شاركوهن في إنتاج ذلك النسل!
كما هو الحال مع (هاجر) زوجة (إبراهيم) حيث خاطبها ملاك الرب قائلا:

(وَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ») تكوين 10/16

ونفس المعنى يتكرر مع (رفقة) التي ستصبح زوجة (اسحاق) حيث يتحدث عنها سفر التكوين 60/24

(وَبَارَكُوا رِفْقَةَ وَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ أُخْتُنَا. صِيرِي أُلُوفَ رِبْوَاتٍ، وَلْيَرِثْ نَسْلُكِ بَابَ مُبْغِضِيهِ)

فالكتاب المقدس, تحدث عن نسل ( هاجر و رفقة) رغم ان هذا النسل(الذرية الكثيرة) لم يكن نتيجة ولادة عذرية لهاتين السيدتين, بل شاركهما ازواجهما في إنتاج ذلك النسل, ولم يفهم اي شخص ان نسل هاجر-مثلا- تعني إنسان فرد من انتاج هاجر فقط!!!

يتضح مما سبق, ان التفسير المسيحي قام بالقفز على دلالة معنى اللفظ,الى معنى آخر مغاير, من اجل فبركة مفهوم جديد, لا علاقة للنص الأصلي به !....علما اننا سنندهش, لاحقا, عندما نرى اصحاب نفس التفسير يناقضون انفسهم في النبؤة الاخرى التالية !!

ولو تجاوزنا الاختلال الناتج من اقحام معنى مغاير على مفردات النص, وتجاوزنا ايضا تلاعب المترجمين للنص العربي حين قاموا بتغيير الضمير الغائب في العبارة( هو يسحق رأسك) وجعلوه يشير الى المذكر الغائب(هو) بدلا من المؤنث(هي) كما ورد في بعض الترجمات الاخرى ,مثل ترجمة اللاتينية الشهيرة ( الفولجاتا)
فلو اهملنا كل هذه المؤاخذات على التلاعب بالنص ( لفظا ومعنى) ورضينا على -سبيل الفرض- بما يريد اللاهوتيين المسيحيين تمريره من معنى, حول دلالة كلمة(نسل المرأة)
في هذه الحالة نحتاج منهم ان يشرحوا لنا كامل العبارة (بين نسلك ونسلها) واعني هنا ما يخص (نسل الحية!) المذكور بالنص, فهل سيكون هناك مولود للحية الانثى بطريقة عذرية ,ومن دون تدخل اي ثعبان!! ,لكي يستقيم المعنى (تطبيقا لقاعدة تماثل المعطوفين) وهل هذا قد يعني- بالضرورة- ان اللاهوت المتجسد في الناسوت هو الذي سيواجه ويقهر الشيطانوت ,المتجسد في الثعبانوت !!!

وبغض النظر عن كل الإشكالات السابقة, ومع افتراض صحة كل ما يدعيه اللاهوتيون من انطباق النبوءة المزعومة على شخص يسوع
سيبقى هناك,سؤال مهم جدا, يحتاج اللاهوتيون للاجابة عليه, وهو:
من المخاطب بهذه النبوءة؟ والى من توجه الكتاب المقدس بهذه النبوءة؟

من المنطقي, ان يكون المجتمع الذي جاء العهد القديم اليهم ,وبلغتهم, وكانوا هم المخاطبين في اغلب نصوصه, ونقصد هنا المجتمع اليهودي, هم في مقدمة المعنيين بهذه النبوءة,قبل غيرهم, وخصوصا المجتمع المعاصر للفترة التي عاش فيها يسوع ,فلابد ان يكون هؤلاء هم المعنيين, بالنبوءة التي تخص مسيحهم المنتظر, من اجل ان يعرفوه ,ويؤمنوا به ,ويقبلوا الخلاص الذي جاء به

وهنا ستواجهنا مشكلة خطيرة, وهي ان المجتمع اليهودي الذي عاصر يسوع, لم يكن اصلا, يعرف ان يسوع الناصري ,مولود بطريقة اعجازية, ومن دون تدخل بشر, فقد كان اليهود يعتقدون انه ابن (يوسف النجار) الذي وضعه الرب في طريق مريم العذراء,لهذا الغرض, وحتى يسوع الناصري,لم يخبر احدا انه مولود عذريا, بطريقة إعجازية, حيث بقي امر الولادة العذرية (سر عائلي) حتى جاء كتبة الاناجيل بعد عشرات السنين من صلب يسوع, وأعلنوا للملأ في اناجيلهم سر الولادة العذرية الذي كان مكتوما!!

وبذلك, ضاعت الفرصة على قوم يسوع الناصري(اليهود) في الايمان بالرب المتجسد, ونيل الخلاص الأبدي, بل على العكس, كانوا ضحية للعبة الهية, خطط لها الرب, جعلتهم يرتكبون- من دون ان يعرفوا- أفظع وافدح جريمة في تاريخ الانسانية, وهي تقديم الإله المتأنسن الى مذبح الموت صلبا!!
ان القبول ,بهذا السيناريو,الذي يريد اللاهوتيون المسيحيون تمريره, يجعلنا, نقبل بقلب كل قواعد المنطق السليم رأسا على عقب!

ومع التنزل, والقبول بكل التناقض في الطرح اللاهوتي, سيبقى السؤال الأهم قائما
متى سحق يسوع الناصري رأس الحية؟
فلو سلمنا لهم ,ان الحية هي مجرد رمز للشيطان, فهل قام يسوع الناصري بالقضاء على الشيطان؟
وهل كانت عملية صلب يسوع, نهاية لوجود الشيطان؟
الشيطان كان موجودا قبل يسوع, ولا زال موجودا بعده, ولا اعتقد ان الاحبة المسيحيين يريدون من الآخرين ان يقتنعوا بان المعركة بين الطرفين, لم تبدأ بعد!, وان النهاية ستكون كما وصفتها احداث(حلم) لشيخ عجوز(يوحنا) حسب سفر الرؤيا 12/9 !!!

وعند انتقالنا من هذه النبوءة المفبركة, الى النبوءة الثانية, والتي يدعي المسيحيون انها وردت في نفس الاصحاح من سفر التكوين
والمتضمنة في النص التالي:

(وصنع الرب الاله لادم وامراته أقمصة من جلد والبسهما) تكوين 3/21

يدعي اللاهوتيون ان هذا النص, يشتمل على نبوءة فيها اشارة الى عقيدة الفداء, التي ستكلل لاحقا,جهود الاله بتقديم الخلاص لنا, عن طريق تجسده, وافتدائنا خطايا البشر بنفسه !!
ويستندون في هذا الادعاء العريض على ان النص يحتوى كلمة( صنع) وهي تشير الى ان الرب قام بصنع الاقمصة الجلدية التي ستر بها,ادم وحواء, عن طريق ذبح حيوان وصنع الاقمصة من جلده !!
ويركز اللاهوتيون, وبشدة ,على كلمة(صنع) من اجل بناء هذا السيناريو السوريالي!!
ويرددون بكل سطحية والتواء على ان لفظة(صنع) تعني ان هناك حيوان مخلوق مسبقا, وان صنع الجلد الذي أصبح لباسا ساترا, يعني التضحية بحيوان من أجل تحقيق الستر….ومن هنا..فان الستر لا يتم الا بالتضحية بذبيحة!!
والذبيحة صاحبة الجلد الساتر, هي رمز ليسوع المسيح,الذي سيكون الذبيحة التي تستر عيب الخطيئة, لان الرب بطبيعته دموي ,وليس هناك الا سبيل واحد فقط, وهو سفك الدم, لكي يغفر, و(يتنسم رائحة الرضى) !!

(وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ) عبرانيين 9/22

وعلى العكس من النبوءة الاولى المتقدمة, نجد اللاهوتيين المسيحيين هنا, يجمدون على حرفية كلمة(صنع) ويرفضون اي دلالة اخرى قد يشير اليها معنى الكلمة, ويكررون بتشدق غريب ,لو ان النص قال ( خلق) اقمصة , لكنا قبلنا بظاهر النص, ولكن النص قال (صنع) مما يدل على ان الاقمصة تم صنعها من حيوان (مخلوق) مسبقا!!

ان هذا الادعاء العجيب, يناقض نصوص الكتاب المقدس نفسه, والذي ترد فيه كلمة(صنع) بمعنى (الخلق)

(هوَ اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا) اشعيا 18/45 ونجد نفس المعنى مذكور في العهد الجديد

(وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ) اعمال الرسل 17/26

ويلاحظ القارئ الكريم,ان منهجية التأويل قد تناقضت تماما, ما بين تحريف معنى لفظة(نسل) في النبوءة الاولى, وما بين التكلس و الجمود على معنى واحد فقط للفظة(صنع) في الثانية, لان ذلك المعنى يخدم غرض اللاهوتيين!!

من هنا يتضح لنا, حجم التلاعب بالمعاني من خلال اتباع طريقة انتقائية مخلة, في التصرف بالمفاهيم التي تحملها نصوص العهد القديم, وجعلها في خدمة الأفكار التي اعتنقها اللاهوتيين, وأرادوا اسقاطها على تلك النصوص, ومن ثم اختلاس قدسية تلك النصوص , وسحبها على أفكارهم التي جعلوها تتلبس بلبوس القداسة المسلوبة, باسلوب متفذلك لايخضع لاي منهجية او نسق لغوي ولا تراتيبية منطقية, وانما فقط يعتمد على إضفاء حالة من المطاطية الخادعة ,تنتج نبوءات مصطنعة,تظهر تلك المعتقدات بمظهر براق وخادع, لكنه بالحقيقة مهلهل وخاوي,مهما كانت التسميات او العناوين العريضة,التي يحاول أصحاب هذا المنهج تغليف الخدعة بها ,من قبيل التفسير الروحاني او القراءة الايمانية ..الخ !!

د. جعفر الحكيم



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن