أَخي المُؤْمِن : لا تَتَفَلْسَفْ ..(3)

زكريا كردي
zakariakurdi@hotmail.com

2018 / 3 / 6

لا تقبَـلنَّ ما يخبرونك ضلّة .. إذا لم يُؤيّد ما يقول به العقل
- أبو العلاء المعري
هم رجالٌ أفاضل ، لهم منزلة كبرى في وجدان المسلمين ، وهم علماء وبحّاثة في علوم الدين والفقه من العيار الثقيل ، لكن كانوا – رحمهم الله - يكرهون العقل الفلسفي ويمقتون الشك والسؤال ، اللذان هما أولى عتبات المعرفة ،
استطاعوا نقل عدوى الكراهية للعلم وللسؤال والفلسفة إلى الأجيال اللاحقة من بعدهم ، إذ تجدهم يدأبون في هدم العقل بالإيمان ، رغم تبحر بعضهم في استخدام آلة العقل (المنطق ) ، لكن ضد أي عقل وتفكير يتجاوز فهمهم للدين والنص المقدس ..
يشجبون بشدة الخروج على حدود النص ، بل وينكرون تمام الإنكار ، أن يكون هناك علم أو حقيقة غير ما أتى بها الدّين أو نقلها أربابه .. ولذلك اعتبرهم كثيرون السبب الأساس في موت العقل عن النقد وشلل الذهن عن الإحاطة وسقامة الفهم عن الأخذ بأسباب العلم عند غالبية المسلمين اللاحقين ..
الرجل الأول هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرّاني /1263 - 1328م) المشهور بين المسلمين فقط ، باسم ابن تيميه ، وهو فقيه ومُحدث ومفسر مجتهد منتسب إلى المذهب الحنبلي.
وقد بدا واضحاً في تكفيره للآخرين وغلظة أحكامه على الناس ، وذلك في مختلف مؤلفاته التي وضعها للرد على الداعين إلى التفلسف و إعمال العقل من المسلمين أو المناطقة : كـ الرّد على المنطقيين، ونقض المنطق ، ودرء تعارض العقل مع النقل .. الخ
وهو صاحب "مجموع الفتاوى الإجتهادات ذات الرؤى الداعشية الشهيرة ، والتي تنتهي عنده غالباً بالعبارة المعروفة " يُسْتتاب وإلا قتل " .
ويعتبر كثيرون ابن تيمية بما يقدمه من اسلام أصولي سلفي متشدد ، بمثابة الأب الروحي والمرجع الفكري الرئيس لمعظم الحركات الدعوية السلفية الجهادية التكفيرية في العالم وفي مُقدمتها طبعاَ (القاعدة و تنظيم دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام - داعش ) .
وقد جاء في الجزء الاول من رسائله الكبرى أن العلم ما كان موروثاً عن نبي ، وكل ما سواه فهو علم غثٌ لا ينفع ، أو ليس بعلم وإن سميّ به ..!
ولم يخف هذا الرجل المُلقّب بشيخ الاسلام عدائه لأم العلوم بالذات (الفلسفة ) بل وكتبَ كتاباً عميقاً عنها ضمنه " الردّ على المنطقيين " حيث ردّ فيه على سوء استعمال المنطق في النص الديني، وخطأ آلة العقل هذه أو صورته ..
بل صرح بأن كل من يشتغل بها (أي الفلسفة ) مغموزٌ في عقيدته ، ولا يشفع له أن يكون ثقة بالعلوم الشرعية ، بمعنى حتى ولو كان ضليعا بالدين فهذا لا يشفع له ، بل أن ايمانه وعقيدة مشكوك فيهما ، لانه يتحدث بالعلوم ويتعلم الفلسفة ، ويقصد بالطبع أشخاصاً فقهاء وفلاسفة علماء من المسلمين كالغزالي مثلا أو ابن رشد أو .. ألخ ..
ولهذا يعتبر الباحثون الشيخ "ابن تيمية" من أوائل من هرعوا للهجوم على المعارف و العلوم الفلسفية ، وأول من حمل لواء الحجة للدفاع عن صفاء العقيدة والدفاع عن الدين في عصر كانت البلدان التي فتحها المسلمون تتعرض لغزو واضطراب وحروب متعددة ، وأشهر ممن نبهوا العقول على ما تنطوي عليه الفلسفة من مفاسد والمنطق من مساوئ وأضرار على عقيدة الأمة ، وقد اشتغل بجدية وعمق شديدين لتوضيح تلك المفاسد والضلالات التي توجد في علم المنطق (علم مبادئ الفكر ) ، حيث انبرى يغشي العقول ويَشْكم الإنتقاد ويقتل التساؤل من خلال تعريف المسلمين – على حد زعمه - أن أضرار علوم الفلسفة والمنطق بالذات أكثر من منافعهما ( هذا إن كان فيهما منافع أصلا ) على حد تعبيره .
أما الرجل الثاني الأشهر في عداوته للعلم والفلسفة ، والمتفوق على ابن تيمية في كراهية التفكير وإعمال النقد والسؤال ، فهو أبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ ابْنُ المُفْتِي صَلاَحِ الدِّيْنِ بنِ مُوْسَى الكردي، المَوْصِلِيُّ المعروف بـابن الصلاح 1183- 1245 م، وهو قطب الاسلام والمحدث الفقيه ، الذي قال عنه ( القاضي ابن خلكان ( في كتابه المشهور " وفيات الأعيان " أنه كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه ..
وقد نُقلَ عنه يقول في إحدى فتاويه ، بعدما سُئِلَ عمن يشتغل بالفلسفة ذات العقل و المنطق فأجاب: الفلسفة أسُّ السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال ، ومثار الزيغ والزندقة ، ومن تفلسف عُميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين (بالطبع هنا يقصد البراهين النقلية من وحي وسوى ذلك) ، ومن تلبّس بها ، قارنه الخذلان والحرمان ، واستحوذ عليه الشيطان ، وأظلم قلبه والواجب على السلطان ( الحاكم ) أعزّه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء الفلاسفة المشائيم ، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم عن الناس ...
أما الرجل الثالث فهو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ القرشيّ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي المعروف في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه ، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء. وله إضافةً واضحة العلوم الدينية.
لكن و مع كل هذا كان الشافعي شاعراً فصيحاً ولكن كان مع ذلك كله – للأسف - معادياً للعلم و الفلسفة ، وداعياً لعدم تعلمها، وذلك لعديم فائدتها للإنسان حسب زعمه ، وان أصل العلوم برأيه هي فقط العلم الديني .. وهو المقصود الوحيد بكلمة " العلم " الواردة في القرآن أو السُّنة ..
وقد لخّص موقفه الجاهل هذا في أشهر أشعاره بقوله :
كل العُلُومِ سِوى القُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إلاَّ الحَديث وَعِلْمِ الفِقْهِ في الدِّينِ
العلمُ ما قد كانَ فيه : حَدَّثنا ... وَمَا سِوى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
أخيراً : ليس من جديد أن نردّد أن الداعشية فكر ، وأن الإرهاب في أصله فكر وأسلوب تفكير وإيمان رديْ .. و أن الانسان الفاهم الرشيد المهتدي حقاً ، هو من كان إمامه العقل ، ولم يبق ذهنه حبيس ماضي النصوص الجامدة و أغلال النقل ..
رحمَ الله شيخ المعرّة عندما قال :
سأتبع من يدعو الى الخير جاهداً .. وأرحل عنها ما إمامي سوى العقل
للحديث بقية دائماً ..






http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن