8 شباط ألأسود جرح لا يندمل

فاضل عباس البدراوي
ali_mediaone@yahoo.com

2018 / 2 / 5

في صبيحة تلك الجمعة السوداء، من يوم 8 شباط عام 1963 غطت سماء العراق غمامة سوداء، وهي تقطر دما، وهبَت ريح عاتية صفراء، كانت نذير شؤم، لاحت على أفق الوطن، تنبئ بحدث جلل سيقع. بالفعل كان ذلك اليوم موعدا لتنفيذ مؤامرة الحلف غير المقدس، بين ألأمبريالية العالمية وأذنابها من الرجعيات ألأقليمية والعربية التي تجمعت للأنقضاض على جمهورية 14 تموز المجيدة، نفَذت بأيادٍ عراقية، بعثية فاشية، بمشاركة من الزمر القومية المرتبطة بنظام عبد الناصر.
نجح المتآمرون في تنفيذ انقلابهم المشؤوم، بعد نكوص الزعيم عبد الكريم قاسم، عن النهج الديمقراطي للثورة، بعد عامها ألأول، والتلكؤ في أقامة المؤسسات الدستورية، والتشويه الذي حدث في تطبيق الحياة الحزبية الحقيقية، والتراجع التدريجي أمام قوى الردة، والتضييق على القوى الوطنية والديمقراطية المخلصة للجمهورية وأهدافها التحررية، وابعاد الضباط المخلصين لها من مراكز المسؤولية وأسنادها للضباط المتآمرين، والزج بألأف الشيوعيين والديمقراطيين وقادة الحركة النقابية والمنظمات المهنية في السجون والمعتقلات دونما سبب، بتحريض من القوى المتآمرة، وألأجهزة ألأمنية الموروثة من النظام الملكي السعيدي البائد، التي تحمل غيضا على القوى الوطنية والديمقراطية. لكل تلك ألأسباب نجح المتآمرون بيسر وسهولة من تنفيذ مخططهم ألأجرامي، بتخطيط وتمويل أمبريالي رجعي داخلي وخارجي (ألم يقل قائدهم، أننا جئنا بقطار أمريكي؟). حدث ذلك في أواسط شهر رمضان من ذلك العام. لأول مرة في تاريخ العراق المعاصر، ينعدم فيه أي مظهر من مظاهر ألأمسيات الرمضانية المعهودة في كل عام مر شهر رمضان ولا ترى اثرا لتلك الطقوس الموروثة منذ قرون مضت، قلة من الناس يسيرون في شوارع بغداد والمدن ألأخرى، يسيرون كأنهم سكارى وما هم بسكارى، علائم الوجوم والكآبة تبدوا على محياهم، أما المواطنون ألأخرون، فهم أما رهن معسكرات ألأعتقال، من خلال الأعتقالات العشوائية، التي كانت تجري صباح كل اليوم وتستمر حتى بزوغ شمس اليوم الثاني، والتي كانت تنفذ على أيدي قطعان الحرس الفاشي الذي شكله ألأنقلابيون، من مجاميع من شذاذ ألآفاق وسقط المتاع، ومواطنون آخرون هاربين من بطش الوحوش ألآدمية، او معتكفين في بيوتهم، لقد أختفى أي وجود حقيقي للشرطة الرسمية، وعطلت المحاكم، وأصبح الرعاع هم الذين يتحكمون بأمور البلاد والعباد، هكذا غدت أيام بغداد ولياليها أضافة للمدن ألأخرى، خلال تلك الحقبة السوداء التي مرت على العراق.
كانت ساعة صفر المتآمرين هو أغتيال الضابط الوطني والديمقراطي الشجاع، العميد الركن الطيار جلال ألأوقاتي، قائد القوة الجوية، المشهود له، حتى من قبل الذين خططوا لأغتياله، بالخلق الرفيع والنزاهة والكفاءة العسكرية، حيث تم أغتياله قرب داره وهو أعزل من السلاح. بدأت أذاعة بغداد بعد ان سيطروا عليها بأذاعة البيانات التحريضية ضد انصار ثورة 14 تموز، وشكلوا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة من بعض الضباط المتآمرين وقيادات بعثية. دارت رحى معركة بطولية نادرة غير متكافئة، في مبنى وزارة الدفاع، بين جنود ألأنضباط العسكري ألأبطال المرابطين في وزارة الدفاع، بقيادة آمرهم العميد الشهيد عبد الكريم الجدة والعميد الشهيد وصفي طاهر والنقيب الشهيد نوري ناصر والملازم الشهيد كنعان خليل حداد الذين تصدوا بكل شجاعة واقدام للمتآمرين حتى أستشهادهم في سوح المعركة من جهة، ومن جهة أخرى مع المتآمرين، عسكريين ومدنيين، أستعمل فيها المتآمرون ألآليات الثقيلة التي أستولوا عليها، سقط على أثرها العديد من الشهداء جنودا وضباطا من المذكورين أعلاه.
زحفت جموع الشعب ألأعزل، الى وزارة الدفاع مطالبة الزعيم بالسلاح للدفاع عن الثورة ومنجزاتها، لكن الزعيم رفض ألأستجابة الى طلبات الجماهير بذريعة عدم اقتتال ابناء الشعب فيما بينهم، لكن القتل اصبح من طرف واحد، هم المتآمرون وحدهم، كان بقاء الزعيم وبعض من رفاقه المخلصين في وزارة الدفاع خطأ ستراتيجيا قاتلا حيث حوصر فيها، يعود مرد ذلك القرار، هو ألأمل بقيام بعض قادة الفرق وألألوية العسكرية بتحرك لقمع المؤامرة، لكن هؤلاء القادة أما كانوا متآمرين شاركوا بألأنقلاب او تخاذل بعضهم وفضل البقاء في داره وعدم قيامه بواجبه الوطني والعسكري تجاه شعبه وزعيمه.
في الليلة الأولى للأنقلاب، أذاع المتآمرون بيانهم السيء الصيت المرقم 13، الذي اباحوا فيه ابادة الشيوعيين وكل مخلص يتصدى لأنقلابهم ألأسود. في ظهيرة اليوم الثاني، نفذوا أول جريمة لهم، عندما جلبوا الزعيم الشهيد، ورفاقه الشهداء، العميد الركن طه الشيخ أحمد والعميد فاضل عباس المهداوي والملازم كنعان خليل حداد، الى دار ألأذاعة، بعد ان نفذ عتادهم، وكان الوسيط بين الزعيم وبين قادة ألأنقلاب الفاشي، الصحفي ألأنتهازي المقرب من الزعيم والمقرب في نفس الوقت الى البعثيين، يونس الطائي، حيث وعدوه أما بأجراء محاكمة عادلة للزعيم، أو تسفيره الى الخارج، لكن الذين لا يحترمون شرف الكلمة، لأنهم عديموا الشرف أساسا ، نكثوا بالوعد كعادتهم، ونفذوا حكم ألأعدام بهؤلاء الشهداء، دون أجراء أية محاكمة أصولية، كما كان يفعل الزعيم مع كل الذين تآمروا عليه، فلم يكن هناك قضاة ولا ادعاء عام ولا شهود ولا محامين للدفاع عنهم، فلم تستغرق المحاكمة كما زعموا سوى دقائق محدودة.
فتحت المعتقلات والسجون ومراكز الشرطة أبوابها على مصراعيها لتستقبل ألاف المعتقلين، من الشيوعيين والديمقراطيين والقاسميين حتى عددا كبيرا من الوطنيين المستقلين، نساءا ورجالا، بعد امتلائها بالمعتقلين، حوَلوا النوادي الرياضية، وبعض الدور السكنية الفارغة الى معتقلات (كان كاتب هذه السطور أحد المعتقلين في بيت قديم مطل على شارع أبي نؤاس من جهة الكرادة داخل مع عدد كبير من المعتقلين، معظمهم من المثقفين وأصحاب الشهادات العليا).
رويدا رويدا بدأت أخبار المسالخ البشرية تتسرب الى الداخل والخارج، عن حفلات التعذيب بأبشع الوسائل، من سمل العيون وقلع ألأظافر والتعذيب بالصدمات الكهربائية على المناطق الحساسة من الجسم وغيرها، كذلك أملاء سرداب قصر النهاية بالمياه ألآسنة ووضع المعتقلين فيها من قادة وكوادر الحزب الشيوعي، في ذلك الزمهرير القارس من شهر شباط، كل تلك الوسائل الهمجية كانت تمارس ضد المعتقلين، في قصر النهاية ومحكمة الشعب، والنادي الرياضي في ألأعظمية وملعب ألأدارة المحلية في المنصور(نادي الكرخ حاليا) كانوا جلهم من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي، انهار القليل امام التعذيب، وصمدت ألأكثرية صمود الأبطال، حطموا فيها أعصاب الجلادين، ضربوا مثلا لأصحاب المبادئ والقيم، جادوا بالنفس، من أجل القضية العادلة التي آمنوا بها وناضلوا من أجل تحقيقها، وهي قضية الدفاع عن سيادة الوطن ومصالح الشعب. (ذكر بعض الأشخاص الذين التقوا أحد كبار متآمري شباط، وهو علي صالح السعدي في لبنان، بعد شهور من سقوط نظامهم البربري على يد حلفائهم، قال لهولاء بالنص، انه كلما يتذكر تلك الفترة من حكمهم تنتابه أثناء منامه موجات من الكوابيس، بعد اليقضة كان يسال نفسه، هل ان سلام عادل قائد حزب وأنا قائد حزب، لو انقلبت ألآية وكنت في مكانه هل كنت قد تحملت كل ذلك التعذيب؟، قال انه يشك في ذلك).
ومن أبشع وأخس تلك الممارسات، هو اغتصاب عدد من النساء المعتقلات، ليس على يد أفراد الحرس الفاشي فحسب، انما أسهم في تلك الجريمة قادة ألاَ نظام بأنفسهم، وهو ما يتنافى مع أبسط القيم ألأخلاقية وألأنسانية، والعربية وألأسلامية التي طالما كانوا يتشدقون بها.
مهما تمضي ألأعوام، لكن جراح تلك الجريمة لا ينمدل، لهول المصائب والجرائم التي ارتكبت خلالها. ان الشهداء ألأبطال من قادة وكوادر الحزب الشيوعي الذين حطموا بصمودهم ألأسطوري اعصاب الجلادين، يبقون شموسا ساطعة في سماء العراق، لا يمكن نسيانهم أبدا، فهم جادوا بالنفس من أجل تحقيق المبادئ التي انخرطوا في درب النضال الشائك لتحقيقها.
من المؤسف حقا، انه بعد سقوط الدكتاتورية، أن أحدا من عوائل او رفاق ضحايا تلك الجريمة لم يحرك أية دعوى قضائية ضد عدد من الذين أسهموا بشكل كبيرفي أرتكابها، ممن تبقوا على قيد الحياة، لتقتص العدالة منهم، جراء الجرائم والأنتهاكات، ضد ألأنسانية، التي مارسوها في تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق السياسي.
كما ان بعض الكتَاب من أيتام النظام الفاشي المباد، يسخَرون أقلامهم اليوم، في بعض الصحف المشبوهة الصفراء لتشويه الحقائق التاريخية، وأخذوا يتجرأون بكل وقاحة، من أطلاق تسمية ذلك ألأنقلاب المشبوه ألأسود بـ (بثورة 14 رمضان)، ويحاولون بشتى الوسائل من تبييض الوجوه الكالحة لجلادي شعبنا، عبر المقابلات الصحفية التي أجروها ويجرونها مع بعض المتبقين او كانوا متبقين منهم على قيد الحياة بعد السقوط المذل لنظام البعث الفاشي، اوعبر بعض ألأصدارات التي يقومون بنشرها، فهي تحوي الكثير من الزيف وألأكاذيب. في الوقت الذي لم ينصف ضحايا ثورة الردَة تلك، من قبل الحكومات المتعاقبة بعد التغيير، فهي تضع العثرات والشروط التعجيزية، أمام طلباتهم.
الخلود لشهدء جريمة 8 شباط ألأسود
والعار كل العار ولعنة الشعب والتاريخ، على مرتكبيها



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن