من ذكرى أبي عشق الراديو/ المذياع

علي أحماد
boudahmadali@gmail.com

2018 / 1 / 24

ظل طول حياته الممتدة - عبر تسعة عقود ونيف - عاشقا للراديو مفتونا ب " الشيخات " ولمعان الحزام على الخصر وهن يتمايلن بأجسادهن المكتنزة والمصقولة في حركات مغرية ، يوم كان للشيخة مكانتها في تأثيث الأعراس والمناسبات ، ويقاس بذخ العرس بعدد الشيخات ورقصهن على نغمات الكمنجة المذبوحة أنينا بلمسة الشيخ والجبال تردد صدى تماوايت مدغدغة مشاعر الحضور ... ويتنهد لذكر جمال النساء وقد بلغ من الكبر عتيا ، ورغم كل هذا ظل وفيا لشريكة الحياة، يكره الرجل المدخن وشارب الخمر وزير النساء .
لاينام أبي ، أو يأخذ قيلولة دون أن يستمع إلى المذياع المندس دوما تحت الوسادة وهو من الحجم الصغير مزود ببطارية مسطحة من الحجم الكبير يشدها بخيط مطاطي لأنها تدوم مدة أطول تكفيه مشقة تغييرها . كان مؤنسه في الوحشة والعزلة في غرفة صغيرة في آخر ردهة المنزل . لم يعد يقوى على النظر إلى التلفاز ويؤذيه توهج الحبابة .
نشأت بينه والراديو علاقة حميمة تعود الى زمن بعيد . يذكر لنا عند الصفو فيما يرويه من حكايات بصمت حياته منذ أن أطلق صرخة الحياة بقرية igli قبيلة أيت سعيد أوحدو ( أيت شراض إغصان ) أنه ابتاع راديو بدراهم معدودة . ساعتها يوازي المبلغ ثمن بقرة ، وهذا ما قاله أخوه موحا وهو يعاتبه ويلومه ( كان من الأجدى لو اشتريت بقرة تمنحك حليبا سائغا أما الكلام فتذروه الرياح ) . ولكن عمي موحا يتناسى نصيحته - مع مرور الوقت - ويذهب عند أبي يطلب الراديو ، فيجيبه أبي- في الحين - وهو يتذكر النصيحة المسداة له ( إذهب واستمع لخوار البقرة ) . يذكره ولكنه لا يمنعه من متعة يجنيها من صندوق العجائب .
تعطل الراديو الصغير وأحس الأب بالغبن والحزن على فراق مؤنسه وبدا المكان حوله غارقا في صمت رهيب . أخذته منه لعل زميلا في المهنة يصلحه .
كلما زرته الح في السؤال عن الراديو ، ومن شدة إلحاحه في السؤال إشتريت له راديو- متعدد الموجات - من السويقة عند المسمى " موحا أوبراهيم " . لما رآه إستنكر الفعل ، لأنه يرى أنه كلفني مبلغا كبيرا ، وهو الزاهد في الدنيا المنكر للتبذير والإسراف . بقي معه الجهاز مدة يسيرة ورده إلي لعلي أسترد ثمنه من البائع .
ودع أبي الإستماع الى الراديو بعد أن إشتد به المرض وأقعده طريح الفراش يصارع الموت . تمنى لو يستطيع النهوض للبحث في الجوطية عن قطع الغيار ، وهو لا يدري أن صديقي يعزو ذلك إلى إختفاء الخردة مع تطور التكنولوجيا حيث ترمى الوسيلة كلها ، لأن ثمن إصلاحها يوازي ثمن الشراء .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن