الأرملة السوّداء

فاتن واصل
fatenwassel@gmail.com

2018 / 1 / 20

وقفت في الشرفة الضيقة وحدي، أرقب المعزّين الذين بدؤوا يتوافدون من إخوة الأستاذ نجيب وأقاربه، وقد خيّمتْ غلالة من الحزن على المكان البسيط الذي كان يوما مثل معبد، عاش بين جنباته ناسك فيلسوف، وقريبا جدا سوف يلفه صمت عميق.
ريهام تتحرك صامتة بعيون جامدة وذهن شارد وآلية تحسد عليها.. انهمكت بلملمة أوراق من هنا وهناك، ووضْعها في حقيبة جلدية خاصة بها، وبعد أن امتلأت عن آخرها أكملت وضْع الباقي في كراتين، وراحت تدوّنْ عنوانا لكل كرتونة، ثم قامت بلصقها بشريط لاصق دون أن ترفع عيونها حتى للحظات لترى من يرمقونها ثم ويتبادلون النظرات فيما بينهم.. عيونهم يملؤها اللوم على تلك المرأة التي التهت تماما عن حدث الوفاة بمجموعة أوراق لا أحد يعلم ما أهميتها وفي هذا الوقت بالتحديد.
إخوة المرحوم كبار السن يرتدون جلابيب، هيأتهم مهيبة ويبدو عليهم الثراء. السيدات أيضا مسنـّات يرتديّن السواد ويجلسن بوقار يبكين في هدوء، وينظرن من طرف خفيّ إلى ريهام التي كانت تتحرك دون أن تعير أي منهن اهتماما.
سيارة نقل الموتى تأتي من أول الحارة الضيقة ثم تبطئ أمام المنزل في انتظار نزول جثمان الأستاذ نجيب.
وقفت ريهام إلى جواري في الشرفة وقالت بهمس:
•اعملي حسابك ناخد معانا الشنطة والكراتين في العربية واحنا نازلين.
مسحت دموعي ونظرت نحوها باندهاش ثم أردفت مستنكرة :
•شنطة إيه وكراتين إيه دلوقتي ياريهام ؟
•دي أوراق مهمة ومحتاجة لها بكرة في المحكمة.
•وكمان هتروحي المحكمة بكرة كده على طول .. !! ما تبعتي حد بدالك؟ وكمان عاوزاني أشيل معاكي الحاجة كده قدام الناس ؟ انتي عاوزاهم ياكلوا وشّنا !!
•جلسة بكرة مهمة ومش هيأجلوها عشان أنا عندي حالة وفاة، وبعدين أهل نجيب مش فاضيين لي وكمان مسافرين يدفنوه في البلد.
تعجبت لبرود أعصابها وعدم اكتراثها بموت الأستاذ ولا بأي شيء يدور حولنا.
كنت آخر من خرج من البيت، لمحت اللوح المربع الأسود والطباشيرة الملقاة بجوار المقعد، الذي اعتاد الأستاذ الجلوس عليه، فانحنيت وسحبتهما ثم وضعتهما في حقيبتي.
عند المسجد سألتها:
•ها تفضلي معاه لحد ما ينتهوا من مراسم الدفن!!
فردت بحسم وباختصار :
•لا لا لا .. أنا ما أعرفش حد منهم.. وكمان لو سافرت مش هاقدر ألحق المحكمة الصبح.
•انتي أكيد مجنونة.. ياللا اتفضلي خلينا ننزل عشان نحضر الصلاة.
أحسست أنها نزلت من السيارة مرغمة، لكنني كدت أن أضحك أثناء دخولنا المسجد، وأنا أراقبها وهي تقوم بتوظيف الموقف كما هي دائما عادتها لصالحها ؛ القناع الحزين والطريقة التي كانت تتلقى بها كلمات العزاء مستندة على ذراعي، وقد تحولت فجأة لامرأة منهارة لا تحملها ساقاها يا ولداه..
•ومن سيصدقك يا ريهام الآن !!
كانت تتصرف وكأنها الوحيدة التي تشعر بالحزن، غير عابئة بأخوات الأستاذ نجيب اللاتي كن يمصمصن شفاههن مندهشات من أفعالها.

في طريقنا إلى البيت انشغلت ريهام بإجراء مكالمات تليفونية تنسق بها ليوم غد، وأنا لم يكن في مقدوري السيطرة على دموعي وغرقت في دوامة ذكريات. صدرت عني زفرة عميقة ثم تمتمت :
•خسارتك يا أستاذ نجيب .
ثم حضر أمام عيني ذلك اليوم.. يوم ذهبت لزيارته في بيته هذا للمرة الأولى.
كنت قد وصلت أخيرا وبصعوبة إلى الحي الشعبي الفقير، الميكروباصات تنطلق كالصراصير الهاربة في اتجاهات غير متوقعة لعاقل، جنبا إلى جنب مع تلك التكاتك التي يقودها مراهقون لا يرفع سائقوها أيديهم من فوق آلات التنبيه. لم أفهم أبداً لماذا اختار الاستاذ نجيب أن يسكن في هذا الحي المتواضع برغم أنه ميسور الحال ومن عائلة كبيرة واسعة الثراء .
حاولت الاتصال بريهام أختي لكي أتأكد أنني لم أضلّ الطريق ولتعطيني علامة أنتظرها عندها لكنها لم ترد.
دلفت بصعوبة بسيارتي من الشارع الرئيسي إلى الجانبي ثم انعطفت يسارا، عندما لمحت أخيرا اللافتة كالحة الألوان والمكتوب عليها " حارة سيد زينهم " حيث مسكن الاستاذ نجيب.
تنفست الصعداء ثم رددت بيني وبين نفسي:
•هو ده العنوان اللي ما يتوهش ياريهام !!
بعد عدة محاولات للاتصال بها دون جدوى سألت صاحب محل بقالة :
•نمرة 4 فين لو سمحت ؟
أشار لي على بناية من خمسة طوابق قائلا:
•البيت أبو طوب أحمر ده يا بنتي.
•الأستاذ نجيب المحامي ساكن هناك صح ؟؟ حضرتك تعرفه ؟
•أيوة ساكن هناك شقته في الدور التالت. ثم أكمل: ربنا يشفيه ويعافيه.
في أحد الأيام عادت ريهام للمنزل وهي في منتهى الحزن، وحين سألناها عما أصابها قالت:
•الأستاذ نجيب دخل المستشفى.. والسبب خناقة .. نقاش سياسي مع صبحي مرزوق.
ثم استدارت نحوي قائلة :
•عارفاه يا مريم ! شخص مقرف انتهازي لزج ومعروفة سكته السودة .. أنا حكيت لك عنه كتير. الأستاذ نجيب فضل يزعق لغاية لما صوته اتبحّ وفجأة لقينا مافيش صوت طالع خالص.. ووقع عالأرض مغمى عليه فنقلناه للمستشفى، فاق بس دخلوه العناية المركزة.
•وليه ما حدش فيكم تدخل ووقف النقاش قبل ما يحتدم كده ؟
•نوقف مين ؟؟ هو حد يقدر يتدخل والأستاذ بيتكلم ؟! ثم النقابة ملغمة بالمباحث والأمن
وراصدين كل حاجة.. احنا مش قدهم.
علمت بعد ذلك أنه لم يمكث في المستشفى إلا فترة قصيرة، انتقل بعدهاإلى البيت . ثم فضل الإقامة في المكتب لكي يكون قريباً من أوراقه وكتبه ومستنداته، بعد أن حوّلت له ريهام بعض غرفه إلى أماكن للنوم والمعيشة .
صار يتواصل مع الآخرين عن طريق الكتابة بطباشيرة على لوح أسود صغير. توقف عن العمل وابتعد عن الناس وبقى في منزله لا يبرحه، وعاش في شبه عزلة إلا من بعض المحامين الشبان الذين كانوا يعاودونه من وقت لآخر عندما تسمح لهم ريهام بذلك.
كانت ريهام قد تعرفت على الأستاذ نجيب قبل أن تتخرج من كلية الحقوق، وذلك أثناء تدريبها في مكتب أحد أساتذة القانون المرموقين أثناء الإجازة الصيفية.عادت في أحد الأيام شاردة وكأنها تعيش في حلم سعيد، وظلت تتحدث عن الأستاذ نجيب بانبهار شديد بشخصيته الأخاذة، وشجاعته وامتلاكه لناصية العلوم القانونية وخبرته غيرالمحدودة، ولم تترك شيئا إلا وتكلمت عنه، وبنفس الحماس الذي كانت تتحدث به فيما مضى عن أستاذها والذي تتدرب في مكتبه ويرجع له الفضل في تعارفها بالأستاذ نجيب. قالت تصفه بافتتان وكأنها تصف نجم سينمائي:
•طويل ووسيم وصوته رخيم، وطريقة نطقه للغة العربية، السهل الممتنع، بصراحة مش عارفة بيجيب الكلمات الروعة دي منين، ومش عارفة ليه مش بيدرس في الجامعة.
بعدما تخرجت ريهام جاءت تزف لنا الخبر أن الأستاذ نجيب " شخصيا " طلب منها أن تنضم لفريق المحامين الشبان الذين يعملون تحت التمرين بمكتبه. وبقدرة قادر تحولت ريهام – وفي وقت قصير جدا – إلى ذراعه اليمنى يعتمد عليها كمساعدة أساسية له، ووضع ثقته الكاملة بها، وغدت كظله، ثم تركها تتولى قضايا كبيرة بمعونته و تحت إشرافه بالتأكيد، لكنه كان يخصها بالرعاية بشكل ملحوظ.. وكانت هي تبرر هذا بأنه يجدها أذكى من زملائها ولذا استحقت عنايته... لكني لم أصدق.
حين توقف عن العمل بسبب المرض، أصبحت تزوره بصفة منتظمة في بيته وتقريبا بمعدل شبه يومي.. ولما اعترض أبي على هذا السلوك، وجدت ريهام مساندة كبيرة من أمي التي كانت ترى أن في اقترابها من الأستاذ نجيب فرصة كبيرة لها ولمستقبلها المهني.
لا أخفي أن حديث ريهام في تلك الليلة خلق بداخلي شغفا شديدا للقائه والتعرف به، لكن لم تتح الفرصة أبدا كي يتم هذا اللقاء. إلى أن اتفقت معها في أحد الأيام -وذلك قبل مرضه بفترة قصيرة - أن أمرّ عليها في نقابة المحامين بعد الخروج من عملي لكي نعود إلى البيت معا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ألتقي به وأتعرف عليه.
•أستاذ نجيب.. أقدم لك أختي دكتورة مريم
•يااااه في شبه كبير بينكم .. أهلا وسهلا يا بنتي .
•لا يا أستاذ نجيب ما تقولش كده بعدين تفتكر نفسها حلوة.هههههه
•اتشرفت بمقابلة حضرتك
هذه كانت المرة الأولى لكن لم تكن الأخيرة، بل تعددت اللقاءات بعد ذلك في نفس المكان، وقد كان مشهد المحامين المتحلقين حوله ومن ضمنهم أختي ينصتون لحديثه الذي لا يخلو من آراء سياسية جريئة، يمطرونه بالأسئلة ويرد على تساؤلاتهم باهتمام بالغ وبلغة عربية سليمة بشكل لافت للنظر، هو المشهد المعتاد داخل مقر النقابة، وكنت أستمتع جدا بحوارهم وكأني في ندوة مفتوحة.
أما التعارف الحقيقي به، فكان عندما دعته الدكتورة مديرة المركز الحقوقي الذي أعمل به للاستعانة بخبراته في إحدى القضايا. استمر بعدها في الزيارة والتعاون مع المركز، وتقديم المعونة القانونية والعديد من الخدمات، دون أن يتقاضى جنيها واحداً نظير جهوده.
حين علمنا في المركز بطبيعة مرضه، والتي شخّصها أحد زملائنا من الأطباء النفسيين قائلا: صمت الأستاذ نجيب هذا الرجل المفوّه صاحب المرافعات الرنانة ما هو إلا موقف نفسي حدث بمحض إرادته .. يعني جسده تعاون معه وأعلنا سويا العصيان على الواقع . لقد أدار الرجل ظهره للعالم مؤكداً إصراره على المقاطعة، معلنا بصمته الرفض التام للتعامل مع عالم فاسد شديد العفونة.
وصلت للدور الرابع، لافتة تحمل إسمه " نجيب العيوطي المحامي "، الجرس معطل فطرقت الباب عدة طرقات.. هذه كانت المرة الأولى التي ألتقي به فيها بعد مرضه .. خطوات بطيئة
متثاقلة تقترب ثم انفتح الباب.. فوجدت الأستاذ نجيب واقفا أمامي يرتدي بيجاما ويعلق نظارة القراءة على صدره ويمسك بإحدى يديه مضربا للذباب وبالأخرى مجموعة أوراق. انتشر الشيب في شعره الذي تُرِك طويلا بإهمال. صار نحيفا بشكل لافت، ابتسمت رغم انزعاجي مما وصل إليه حاله وقلت بود:
•مساء الخير، إزيك يا أستاذ نجيب .. فاكرني! أنا مريم أخت ريهام.
لا أعرف لماذا عرفته بنفسي فالرجل يعرفني جيداً، من الجائز لشعوري بالحرج أني أتيت بدون ريهام، أو لأننا أحيانا نعتقد أن من يفقدون النطق يصبحون بُلَهَاء !! لا أعرف لكنه أومأ برأسه بالإيجاب وعلت وجهه ابتسامة ترحيب هادئة، وأشار لي بيده أن أدخل.
كنت أحمل بيدي حقيبة بلاستيكية بها بعض الفاكهة وأكياس من المكرونة وقاروصة سجائر، تماما مثلما أوصتني ريهام قبل خروجها للمحكمة في الصباح.. وضعتهم على المنضدة ، فنظر نحوي بامتنان ثم مد يده وأخذ السجائر سعيدا. فعقبت بابتسامة قائلة :
•أيوة أهم حاجة .. هههههههه .. لكن إزي صحتك دلوقتي؟
حرك رأسه بالايجاب ثم أشعل سيجارة واستنشق دخانها بعمق وهو مغمض العينين.أدرت عيوني أتأمل البهو المتواضع، أثاث محدود ويتصدر الحائط الرئيسي مكتبة عملاقة مكدسة بمراجع القانون باللغتين العربية والفرنسية، إلى جانب الكتب الأدبية التي تتنوع بين الروايات والشِعر، كما تضمنت عددا كبيرا من الملفات الموضوعة بنظام، التي احتلت رفاً كاملا غالبا ملفات القضايا وقواميس من كل نوع .
صوت ريهام هاتفا من الداخل:
•مافيش سجاير غير لما تفطر.
أدركت أنها حضرت مبكرة على غير اتفاقنا أن نلتقي بالقرب من منزله في الثانية عشرة ظهراً
أدار الأستاذ نجيب رأسه حيث اتجاه الصوت ثم أزاح الهواء بيده بطريقة من يقول: لا تعيريها اهتماما .. مشيرا إلى أرنبة أنفه ليدلل أنها شمت رائحة دخان السيجارة. علت وجهه ابتسامة من ضُبِطَ مُتلبسا بفعلة، قطعها سعال خشن.
قلت لها وأنا جالسة في مقعدي:
•طب مش بتردي عالتليفون ليه ؟
ردت بصوت هاتف مرة أخرى من بعيد:
•كنت عاملاه سايلنت في المحكمة ونسيته.
جاءت حاملة صينية عليها أكواب من الشاي وعلبة جبن أبيض ومجموعة من أرغفة العيش الفينو وأقراص الطعمية . لكن ما أدهشني وحشر الكلمات في حلقي، أنها كانت ترتدي قميص نوم صيفي قصير بحمالات، وفي قدميها شبشب مطاطي رجالي أكبر من قياسها غالبا كان للأستاذ .. فاندهشت، إذ أن ريهام متحفظة بوجه عام ولا ترتدي الملابس المكشوفة، هي ليست محجبة ولكنها لا تسمح للآخرين أن يرفعوا الكلفة معها.
يبدو أن الأستاذ لاحظ اندهاشي فسحب لوحه المربع الأسود وكتب عليه بالطباشيرة
. ((زي بنتي ))
فابتسمت بارتباك لأنه قرأ أفكاري دون أن أنطق بكلمة، وتوجهت نحو ريهام متسائلة:
•انتي قالعة هدومك إزاي كده ؟
ردت ريهام وهي منشغلة بعمل سندوتشات الجبنة بالطعمية وقالت دون أن تنظر لي وكأنها توقعت سؤالي، تمد يدها في نفس الوقت بالساندوتش للأستاذ نجيب الذي تناوله منها كطفل مطيع لأمه وشرع في الأكل:
•تاكلي ساندوتش ؟؟
•لأ مش عايزة .. انتي بتتجاهلي كلامي ؟
أسرعت مقاطعة وكأنها تحاول أن تسد علي طريق أسئلة قد تسبب حرجاً للأستاذ:
•إحنا اتجوزنا.
أفقت على أحدهم يندفع عابرا الطريق بشكل مفاجئ أمام السيارة، فضغطت على الفرامل بقوة حتى لا أصدمه.. صرخت ريهام بفزع وقد كانت مستغرقة تماما بالنظر في تليفونها وكتابة
الرسائل :
•حاسبي .. انتي سرحانة والا إيه ؟ لا إعملي معروف أنا لازم أحضر جلسة بكرة.
حين انتظم المرور عاد لي المشهد من جديد .. توقف الأستاذ نجيب عن مضغ الطعام ونظر نحوي كمن يترقب انفجار قنبلة، الخبر أخرس لساني، وأخذت أراوح النظر بين الرجل المريض الذي تخطى السبعين بجسده النحيل المتهالك، ومرضه الذي لا أحد يعلم متى وكيف يشفى منه، وبين أختي المحاميّة الشابة التي لم تتجاوز التاسعة والعشرين.
بعد برهة قصيرة صامتة وأمام نظراته المتوسلة ألا أصدِر حكما بإعدامه قلت بفتور:
•مبروك يا أستاذ.
بقيت جالسة لا أستطيع أن أبرح مكاني لفترة تصل للساعة لم أكن أملك أي إرادة وقد شُلتْ حركتي تماما.. فقط أتابع حديثها وأنا صامتة . حكت له أمامي كل ما دار في هذا اليوم بقاعة المحكمة وكأنها تحكي له مشهدا من فيلم، وقد أنصت لها هو باهتمام شديد.. كان في مقدورها أن تجذب انتباهه تماما، تمزج الجد بالهزل، تحلّق به خارج نطاق دائرته التي ضاقت وانحسرت في هذا الركن من العالم، وتنتقل من موضوع لآخر فترسم البسمة على شفتيه وتعيد اللمعة لعينيه.. لها مقدرة على جذب انتباه المحيطين بحيث تستحوذ على اهتمامهم ليلتفوا حولها، هكذا كانت تفعل دائما.. وتذكرت لحظتها يوم حَصلت أنا على الدرجات النهائية في الصف الأول الثانوي وفزت بالمرتبة الأولى على المدرسة، وعدت للمنزل أزف الخبر لأبي، فإذا بها تصرف انتباهه عني مقاطعة، وتصر أن تحكي له عن روعة الكلمة التي ألقتها في الحفل الذي أقيم في مدرستها، بمناسبة نهاية العام الدراسي، وكم لاقت إعجاب وتصفيق الجميع.. وكانت تفوز به وينساني.
كنت أرى سعادتها بوضوح، فقد سيطرت على الرجل سيطرة تامة، هو الآن يحتاج إليها وهي نافذته على العالم.. تعرف اهتماماته جيداً من خلال سنوات عملها معه، لذا هي اليوم تمسك بصماماته تفتحها وتغلقها وقتما تشاء.
استأذنتهما أن أمشي لكنها قالت :
•استنيني مروحة معاكي . ثم التفتت نحوه وقالت عاوز حاجة يا نجيب ؟
فأشار بالنفي، فأكملت :
•عالعموم أنا جاية بكرة على طول، ما تنساش "الهوم ورك" .. الكتاب اللي جايباهولك من أول الأسبوع ولسة ما خلصتوش.. هامتحنك . ثم أطلقت ضحكة عالية لا تخلو من دلال.
نَظَرتُ نحوه ذاهلة وفكرت : (( نجيب كده حاف ))
كان ينظر نحوها بعيّون ملؤها الحب والحنان.. حين هممت بالوقوف استعدادا للخروج، لمحت سبورة في غرفة المكتب كالتي يضعونها في الفصول الدراسية.. وددت لو أسألها عنها، لكن وجدت أنه من الأفضل ألا أتحدث أمامه.
في طريق العودة كانت تجلس بجواري وكأن سوراً عالياً أقيم بيننا..ترى ما الذي يمكن أن يجمع بينهما .. ولماذا أخفت الأمر عني !! وهل أنا الآن مطالبة أن أتبنى هذا الموضوع وأشرحه لأمي، التي يمكنها أن توافق ابنتها على تقديم بعض التنازلات في سبيل مصلحتها .. لكنها لن تحتمل أن تصل هذه التنازلات لدرجة أن تتزوج ابنتها رجل في عمر جدها !!
وقفنا في إشارة مرور فقطَعتُ الصمت :
•انتي عاوزة ايه من الراجل ده ياريهام ؟
•ولا حاجة صعبان عليا.
•من إمتى الحنية دي كلها ؟
•من أول يوم في مرضه . ده مسكين خالص، مش شايفة محتاج لي إزاي!!
•كنتي تقدري تأجري له حد يقعد معاه.. لكن تتجوزيه ! طب هتقنعي ماما إزاي ؟
ابتسمت ريهام ونظرت من النافذة المجاورة لها ثم نبست بهدوء دون أن تنظر لي:
•لا ما تشيليش همّ ماما
ثم ساد الصمت من جديد.
تذكرت السبورة فسألتها عنها، قالت أنها فكرتها.. فهي تفعل كل ما في وسعها لكي تبقيه منتبهاً حتى تحافظ على سلامته العقلية. وأضافت أنها لا تسمح له بأن يتوقف عن العمل مطلقا.
مدّته بعدد كبير من صناديق الطباشير ليشرح لها ثغرات القضايا وكيفية النفاذ من خلالها.. وحكت بفخر أنه كان يقف بالساعات الطوال، يكتب لها حيثيات القضايا التي على ضوئها كانت تكتب المذكرات، وتعطيه إياها ليقرأها ويصححها، ثم في النهاية تقدمها باسمها في المحكمة..!
حاصرته أختي تماما كأفعى تعتصر فريستها فتسلبها الحياة .. كما استحوذت على عالمه بالكامل ..بدونها يصبح تائها حائرا مسلوب الإرادة، عجزه عن التواصل مع العالم عند غيابها عنه، يزيد من تغوّل شعوره بالحزن والضعف والوحدة التي فرضها المرض عليه.
أبعدت عنه باقي الشباب، وتحملت ما لاكته الألسنة في الخفاء حول سمعتها واستغلالها للرجل ومرضه، واستخدامها لجمالها وشبابها، كي لا يكون أمامه مفر إلا الاستسلام لها .. وبدورها كانت تسترد ما تمنحه إياه من اهتمام وعطاء، كي تشبع طموحها وتدخل الصراع الذي طالما حلمت به ضد جهابذة المحامين وتحتل مكانة الأستاذ أمام عتاة القضاة، بتشجيعه لها وتعليمه ومباركته، شعور المسكين المستمر أنه مدين لها جعله يرضخ لرغباتها وتحكماتها.. ولكنني وبالرغم من كل شيء أظن أنه كان سعيداً.
أفقت من تأملاتي على صوتها تخاطبني، بكلمات لم أفهمها لأول وهلة فقلت:
•إيه ؟ بتقولي إيه ؟
•أنا جعانة، تعالي نروح نتغدى في أي ريستوران قبل ما نروح عالبيت.
•جعانة !!!
ليس بالأمر الغريب على ريهام، فهي امرأة لا تحزن ولا يعرف قلبها الهموم، تعرف دائما ماذا تريد وكيف تصل إليه، وفي سبيل هذا مستعدة أن تفعل أي شيء.. وأنا أشهد أن هذا الطموح الذي أكل روحها من الداخل كنيران مستعرة لم يترك لها صديقاً، فكانت تضحي بكل غالٍ لتصل إلى غرضها.. حتى ولو من ضحت بهم هم أعز أصدقائها.
.. ابتسمت لأول مرة منذ بداية هذا اليوم الحزين واستخرجت اللوح المربع الأسود من حقيبتي والطباشيرة وكتبت عليه :
( تحبي تتغدي فين يا هانم ؟؟ (



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن