تقاطعات بين الأديان 10 غايات الآلهة من خلق الإنسان

عبد المجيد حمدان
abdulmajidhamdan@yahoo.com

2017 / 12 / 9

تقاطعات بين الأديان
10
غايات الآلهة من خلق الإنسان

ولما كانت أساطير خلق الكون ، كما أساطير خلق الإنسان قد احتلت تلك المساحات الواسعة من معتقدات الأديان ، فإن السؤال : لماذا، لأي غاية ولأي غرض خلقت الآلهة الإنسان ؟ والأساطير التي نشأت للإجابة على هذا السؤال ، احتلت هي الأخرى مساحات ليس بأقل من أساطير خلق الإنسان في تلك المعتقدات . وللوقوف على الكيفية التي أجابت فيها الأديان على السؤال ، تعالوا نعيد قراءة ما ثبتناه من أساطير خلق الإنسان في الحلقة السابقة . ونبدأ :
1
مع ديانات أمريكا الجنوبية ؛ المايا والأنكا .
تقول الأسطورة أن الحيوانات التي سبق وخلقتها الآلهة لم تكن تملك من الوعي ما يوصلها لمعرفة الآلهة ، ومن ثم يؤهلها لعبادة هذه الآلهة . هكذا فكرت في خلق الإنسان الذي يملك درجات أعلى من الوعي ، يوصله ويؤهله لمعرفة الآلهة وعبادتها . إذاً كانت عبادة الآلهة ، في الديانتين ، المايا والأنكا ، هي دافع الآلهة وغايتها من خلق الإنسان .
2
أما ديانة مالي ، كنموذج للديانات الإفريقية البدائية فلا تقول لنا شيئا عن غرض الآلهة من خلق الإنسان ، ولكنها تدفعنا لاستنتاج حين تقول أن الإله أمما خلق الإنسان على صورته . وإذاً ولأنه شبيه الإله فعليه الحفاظ على صورة الإله هذه ، من خلال اتباع تعاليمه ، أو من خلال عبادته .
ومثلها لا تفصح ديانات هنود أمريكا الشمالية ، كما ديانات شمال أوروبا عن غايات الآلهة من خلق الإنسان ، ولتترك المسألة لتقديرنا كما هو الحال مع الديانات الإفريقية .
3
وتنحو أساطير الديانات الصينية منحى آخر مختلفا . فإذ تكتفي إحداها بالقول أن الإله السماوي ، وفي آخر تجاربه في صنع تماثيل الإنسان ، هو من نفخ فيها الحياة ومنحها القدرة على الإنجاب ، تقول أسطورة أخرى أن إلهة اسمها " نيوى وا " خلقت الإنسان شبيها لها . وإذا كانت الأسطورة الأولى قد سكتت عن الغاية التي توخاها الإله السماوي من عملية الخلق هذه ، فقد جاءت الأسطورة الثانية وكشفت لنا هذه الغاية . فالإلهة نيوى وا كانت تشعر بالوحدة والضجر من الفراغ الذي ظلت تواجهه وهي تتحرك وتدور في هذا الكون الفسيح والفارغ . قادتها الوحدة إلى ضفة نهر ، فأخذت تلهو للتغلب على ما تحس به من الضجر . في لهوها أخذت تشكل من طين النهر تماثيل تشبهها . ثم عمدت إلى إحداث بعض التغيير بأن استبدلت ذيل السمكة خاصتها برجلين للتمثال . فرحت بما عملت . نفخت في التماثيل فسرت فيها الحياة . عملت منها ذكورا وإناثا فكان الإنسان . غاية الخلق إذاً في هذه الأسطورة الصينية هو التغلب على إحساس الإلهة بالوحدة واستبدال الضجر بالمتعة ، متعة الخلق ، خلق الإنسان .
4
وتكتفي الأساطير الهندية بالقول ، كما مر في الحلقة السابقة ، أن خلق الإنسان تم بذات الطرق وذات المواد التي خلقت منها الحيوات الأخرى ، دون إبراز لغاية محددة من عملية الخلق هذه تتجاوز غايات الخلق السابقة . وهكذا يمكن للمرء أن يستنتج أن غاية الآلهة الهندية من خلق الإنسان هي ذات الغاية من خلق النبات وأي حيوان آخر ، كالغاية من خلق الحية ، أو الفيل أو النمر أو النمل أو أي حشرة أخرى .
5
ونصل إلى منطقتنا بادئين هذه المرة ، وعلى عكس المرة السابقة ، بالأسطورة الكنعانية التي ثبتناها خاتمة للحلقة السابقة .
تقول الأسطورة أن الإله آدم ، والذي كان الإله إيل قد بعثه لوضع حد لشرور الإله حورون المطرود من مملكة الآلهة ، قد خسر خلوده كإله وتحول إلى بشر فاني جراء لدغة الثعبان السام الذي تحول له الإله حورون . الإله إيل ولتعزية وتعويض آدم على خسارته أوعز لإلهة الشمس فأرسلت له إمرأة طيبة تزوجها ، وليستعيد خلوده المفقود من خلال تواصل نسله . إذاً كانت غاية الإله إيل من خلق الإنسان عزاء آدم وتعويضه فقدان خلوده كإله .
6
وتقول الأسطورة الزرادشتية أن إله الخير أهورا مازدا خلق الإنسان كي يساعده في حربه الأخيرة مع إله الشر أهريمان وذلك من خلال مواجهة مخلوقات أهريمان الشريرة .
وتتفق غاية الإله أهريمان مع غاية الإله المصري في إحدى الأساطير الذي خلق الإنسان لمحاربة إله الشر سيت ومخلوقاته الشريرة .
7
وفي أديان الرافدين تتفق الأساطير السومرية ، وبضمنها ملحمة جلجامش ، والبابلية الأولى – الإينوما إيليش – والبابلية المتأخرة – ملحمة إرا – على أن هدف الآلهة من خلق الإنسان كان لتحميله أعباء العمل فالإنتاج وتوفير طعام الآلهة وشرابها ، التي كانت قد ألقيت على عاتق الآلهة الأرضية المعروفة باسم الإيجيجي . فبعد أربعين سنة من حمل الإيجيجي لهذا العبء بلغ بها التعب حد إعلان الثورة بادئة بالخلاص من أدوات العمل . سمعت آلهة السماء شكواها . وكان بعد التداول أن قررت خلق الإنسان وتحميله مسؤولية إعمار الأرض وتوفير الطعام والشراب للآلهة ، آلهة السماء وآلهة الأرض . وبلغة الإينوما إيليش نقل النير من كتف آلهة الإيجيجي إلى كتف الإنسان . وفي البابلية المتأخرة – ملحمة إرا – أضيفت غاية عبادة الآلهة لغاية توفير طعامهم وشرابهم .
8

وفي أسطورة الخلق في التوراة لا يعثر القارئ على نص يشير بوضوح لغاية الرب من خلق الإنسان ، مما يضطره إلى الوقوف عند بعض الآيات والتفكير في تأويل لها ، يمكن القول منه أن غاية الخلق تكمن فيها . فالآيات 27 ،28 و29 من الإصحاح الأول لسفر التكوين تقول الآتي :" وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض * فخلق الله الإنسان على صورته ، على صورة الله خلقه ، ذكرا وأنثى خلقهم * وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض " . إذاً هل كانت غاية خلق الإنسان تتمثل في إكمال حلقات الخلق ، بخلق من يملك قدرات أعلى من سائر المخلوقات الأخرى وليتسلط عليها ؟ ربما تكون كذلك .
ولكن وفي الإصحاح الثاني وهو يعدد أحوال الأرض قبل بدء الخلق ، تصدم الجملة التالية عين القارئ " ..........ولا كان إنسان ليعمل الأرض " . وبعدها ينتقل لخلق آدم ووضعه في الجنة ، ومن جديد تصدم عين القارئ الآية 16 والقائلة :" وأخذ الرب الإله آدمَ ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها " . وتأتي بعدها قصة خلق حواء وحظر الأكل من ثمرة شجرتي المعرفة والحياة ، وارتكابهما لجرم مخالفة أمر الرب فطردهما من الجنة . ونتوقف عند الآيات 18 ، 19 و20 من الإصحاح الثالث ونصها :" وقال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها ، ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك * وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل * بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها ، لأنك تراب وإلى التراب تعود " . ونسأل هل كان إعمار الأرض ، كما كان إعمار الجنة وحفظها ، وتسيده على من فيها من المخلوقات ، هو غاية الله من خلق الإنسان حسب المعتقدات اليهودية والمسيحية ؟ أو هل كان خلق الحلقة الأرقى ، وهو الإنسان ، هي الغاية لاكتمال عملية الخلق كلها ؟
9
وكما جرت العادة نحط رحالنا مع القرآن . لكن وبإعادة قراءة آيات الخلق التي ثبتناها في الحلقة السابقة ، لا نقع على ما ينبئنا بغاية الله من خلق الإنسان . وبإعادة البحث في السور نقع على ما يمكن أن يكون بغيتنا في سورة الذاريات والآيات 56 ، 57 و58 وهذا نصها :{ وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } . إذاً فعبادة الله هي الغاية من خلق الإنسان كما تقولها الآية الأولى بصورة قاطعة . لكن ما الذي تريد الآيتان التاليتان قوله ؟ هل نفهم منها نفيا لغرض الخلق في الديانات الرافدية وهو توفير طعام وشراب الآلهة ؟
وللحصول على جواب تعالوا نطالع الآية 30 من سورة البقرة : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } . ويتكرر وصف الخلافة هذا في الآيات 165 الأنعام ، 62 النمل ، 60 الزخرف و59 مريم . وبتجاوز اعتراض الملائكة على نية الله بخلق الإنسان ، وتضارب تفاسير المفسرين لمعنى الخليفة والخلافة ، يطالعنا السؤال : هل كانت غاية الله من خلق الإنسان الوصول إلى الكمال لعملية الخلق بخلق الحلقة الأرقى والتي هي الإنسان ، أم كانت عبادة الله هي الغاية ؟ هذا السؤال يطرح نفسه إذا ما تذكرنا غياب أية إشارة للعبادة والمعتقدات وقت مكوث آدم وحواء في الجنة وقبل طردهما منها . كما ونتذكر أن محاولة جعل آدم خليفة في الجنة ، من خلال أمر الملائكة بالسجود له وعصيان إبليس ، هو ما آلت مجريات الأحداث بعده إلى طرد آدم منها وإنزاله إلى الأرض .
وخاتمة

إذاً وبالعودة لاستقراء ما سبق وعرضناه من غايات الأديان لخلق الإنسان تثير انتباهنا التقاطعات التالية . 1- تتفق ديانات أمريكا الجنوبية مع الإسلام في أن عبادة الآلهة هي الغاية من خلق الإنسان . 2- وتتفق الزرادشتية والديانة المصرية على أن محاربة الشر ومخلوقاته الشريرة هي الغاية من هذا الخلق . 3- كما وتتفق الديانات الرافدية على أن غاية الخلق تمثلت في نقل عبء العمل وإعمار الأرض لتوفير طعام الآلهة وشرابهم ، من أكتاف آلهة الايجيجي إلى أكتاف الإنسان . وإذا ما تذكرنا أن التوراة مليئة بالآيات التي تتحدث عن التقدمات والمذبح وتنسم الإله لرائحة الشواء ، واحتلال الأضاحي والنذور، بما فيها البشرية ، لمساحات واسعة من معتقدات مختلف الأديان ، نقع على تقاطعها مع الديانات الرافدية في هذه الغاية . ومن جديد تلفت انتباهنا الآية 57 من سورة الذاريات :{ وما أريد منهم من رزق ولا أريد أن يطعمون } ، ولنسأل : هل المقصود من هذه الآية التميز عن الديانة اليهودية ومحرقاتها على المذبح ، أم نفي العلاقة مع الديانات الرافدية . 4- وتتقاطع كل الديانات تقريبا بالتأكيد على أن غاية خلق الإنسان ، والتي تقول أكثريتها أنه جاء شبيها للإله الخالق وعلى صورته ، تمثلت في إتمام عملية الخلق بحلقتها الأعلى وهي الإنسان . وإذا كانت ديانات أمريكا الجنوبية قد أشارت إلى أن وعي الإنسان ، ومصدره العقل ، هو ما رفع الإنسان إلى هذه المكانة ، فقد فشلت كل الأديان في تحديد موضع العقل هذا . فهي وإن أشار غالبيتها إلى أن القلب هو مكانه ، لم يشر أي منها إلى الدماغ ؛ حجمه ، وزنه ، تكوينه ، أجزاؤه ووظائفه ، وهو ما يميز الإنسان على سائر الحيوانات . 5- وأخيرا دعونا لا ننسى انفراد الديانتين الكنعانية والصينية بأن التعويض على آدم وعزاءه كانت غاية الإله إيل من خلق البشرية في الأولى ، واللهو والخلاص من حالة الضجر والحصول على أنيس كان غاية الإلهة نيوى وا في الديانة الثانية ، مع ملاحظة أن هذا الخلق أكمل حلقات الخلق الأولى بالوصول لهذه الحلقة الأرقى .
وأخيرا اسمحوا لي بمعاودة طرح السؤال : نحن نعلم أن الديانات البدائية والوثنية بتعدد الآلهة ، بمعتقداتها وطقوسها ..الخ هي نتاج العقل البشري . ومن ثم فإن الإجابة على الغاية من خلق الإنسان كانت من نتاج هذا العقل البشري . ونعرف أن الديانات التوحيدية ، الإبراهيمية أو السماوية ، سمها ما شئت ، تنكر هذا القول وتكفر قائله . وإذاً كيف نفسر أن ما أتت به الديانات التوحيدية ، في هذه الجزئية ، وفي الجزئيات التي سبق وعرضناها في الحلقات السابقة ، لم يضف شيئا إلى ما جاد به العقل البشري حتى يوم أن كان بدائيا ؟ ومع أن الجواب واضح إلا أنني اخترت ان أتركه لكم .










http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن