لا ضرورة للمعارضات السّورية

نادية خلوف
nadia_khaloof@yahoo.com

2017 / 11 / 21

لست متخصصة بالبحث السياسي، فقط أبحث عن الألم الذي كنا نعيشه في ظل الدكتاتورية الطائفيّة، وعندما نقول طائفية لا يعني أن بقية الطوائف معفية من المشاركة، لكنها تابعة وليست فاعلة، فبضع أشخاص من بضعة قرى من الرّيف الساحلي والجبال الساحلية جعلت تلك المنطقة متخلّفة بتمسّكها بالسلطة كمدافع عن الطّائفة، وهو أمر ليس حديثاً، ففي كل قرية زعيم يضع أهل القرية تحت بوطه العسكري، ويمنّنهم بأنه عملهم جنوداً ، وهم يستطيعون الأكل والشرب عن طريق راتب بسيط، أغلبهم عسكر يتلقون الأمر العسكري كقرار إلهي، وأغلب الأمهات تعتقد أن أولادهن يقتلن من قبل الإسلام السّني الإرهابي، ولا يخطر لهنّ أنهن يقتلن بيد النظام.
المجتمع السّوري مجتمع مخرّب عن سابق إصرار وتصميم، فعندما ينشأ حزب ما بموافقة أمنية ضمنيّة. تنشأ معه بادرة انشقاقه عن طريق شخص وطنّي أكثر، وبمعرفة الأجهزة، وزعماء الأحزاب يعرفون ذلك جيداً. عندما كنت في سورية، وكنت في زيارة لمكتب هيثم المالح- حيث كنت مدعوة مع زوجي الذي كان من ضمن أعضاء تلك المنظمة لحقوق الإنسان- لحضور حديث داخل مكتبه. أغلب الحاضرين كانوا سجناء سياسيين، ومن كافة التوجهات السياسية، وكان خطاب الجميع كما خطاب قناة الجزيرة، ولم أهتم لهذا فقد كنت متردّدة بالأساس في الذهاب. لكن عندما تحدّث هيثم المالح عن النساء في أوروبا تحدث عنهن باحتقار حيث يمارس الجنس في الشّارع. لم أعقب على حديثه، وعندما خرجنا عاتبت زوجي لماذا أقنعني بالمجيء، وقلت له: أنني شعرت بقلّة القيمة، فكيف للمالح أن يمثّل أمامي حركات الرجل الجنسية مع امرأة يدفعها إلى الجدار؟
وصلت لأوروبا، ولم أجد ما تحدث عنه هيثم. ربما هو في تركيا أوضح، ويقود أوروبا اليوم حركة نسائية قوية تتحدّث عن التحرش، وهناك قوانين سوف تسنها المحكمة الأوروبية من أجل هذا، هم يحترمون الحرية الشخصية في الجنس، لكنهم يصفون الذكورية عند مخرجي السينما، والمسؤولين في الشركات، وقد وجدت من دفء الغرب أكثر مما وجدته في وطني.
أعود إلى السجناء الذين التقيتهم هناك أو في أماكن أخرى، والذين أخذ السجن منهم ليس فقط زهرة شبابهم، وإنما روحهم المضيئة أيضاً. قلة منهم استطاعوا العودة إلى الحياة الطبيعيّة، والعودة إلى الحياة الطبيعيّة تعني بشكل من الأشكال الموت المدني. هم ميتون وغير فاعلين لو بقوا داخل سورية، فليس لهم منافذ، ويتمسكون بأسماء شكليّة كمنظمة حقوق الإنسان العربية، أو منظمة كان يديرها أكثم نعيسة حضرت مشاركتها في احتفالات حزب البرزاني في مولده في سورية وفي مكان مفتوح ومعروف في القامشلي. جميع منظمات حقوق الإنسان في سورية كانت بشكل أو بآخر تدار عن بعد من قبل الأجهزة الأمنية، ورضاهم على العضو هومن رضا الله، ولو أهملوه يمكن أن يصبح سجيناً سياسياً، فالسجين السياسي قد يكون شاباً، ومع أن طيب تيزيني له كتب فلسفيّة، لكنه أصبح أستاذاً جامعياً وكان أولاده من الفاعلين في منظومة الشبيبة، ولم يتضرّر إلا في المرحلة الأخيرة، وعندما رأيته يبكي بكيت معه، ولكن ذلك الفيلسوف كان عليه أن يدرك أن مصير الإنسان في دكتاتورية كما دكتاتورية الأسد هو ما آل إليه مصيره. أنصار الطّيب كانوا في القامشلي شركاء غير مباشرين للأمن العسكري في مشاريع البناء، وعندما كان يزور القامشلي يكون ضيفاً على أنصاره في المساء ،بينما أعداد من الشباب الذين ينتمون لتياره داخل السجن.
ما أثار فضولي موضوع زمبابوي، فرغم أن الدكتاتورية واحدة، لكن موغابي لم يقتل المتظاهرين ضده، وكان منظر المتظاهرين حضارياً، ومظهر العاصمة هراري ليس كمظهر جسر الرئيس في دمشق، فلم نر متسولين أمام الكاميرا.
نعود للحديث عن المعارضات السورية، وأختصر:
-حتى تصبح أمين أحد فروع البعث عليك أن تدفع مبلغاً ضخماً. إضافة إلى أن تتمسّك بكفيل ضامن للقبض، والتحدث باسمه وطريقته.
-حتى تصبح رئيس بلدية يلزم أن تكون حزبياً وتدفع مبلغاً ما.
-أن تصبح سفيراً عليك أن تكون حزبياً، وتدخل إلى سلك الخارجية بعد أن تدفع مبلغاً ضخماً، ثم تصبح سكرتير ثالث، وثاني، وأول وبعدها سفير
-حتى تصبح آذن في مدرسة يجدب أن تدفع.
كل ما تدفعه تعوّضه خلال عام .
جميع من انشقوا عن النّظام عدا البعض " كالهرموش" دفعوا حتى وصلوا، ولن يتركوا إلا إذا قبضوا، وهي حقيقة حتى السفير الذي لم يكن على رأس عمله دفعت له قطر مثلاً ع، فمن كانت زوجته سفيرة تقبض أكثر منه لأنّها لولم تهدّده لم ينشق.
أدخل المنشقون بينهم بعض السياسيين من بقايا الشيوعيين والقوميين والإسلاميين، وأعطوهم منافع ماديّة، ومعنوية. هؤلاء لم ينشقوا لأن ضميرهم أصبح في حال صحوة، فجلّهم لم يتضرّر مادياً أو معنوياً، وحتى من يسمون أنفسهم فنانين وكتاب انتقلوا فقط من الضفة الأولى إلى الثانية، ولم يتضرّروا. قد يكون أقاربهم ماتوا أيضاً لكنّنا نعرف جيداً أنّ العوائل السورية فيها معارض وموالي، ولا يهتم أحدهم بالآخر لأنّ العداء مستحكم.
التغيير لا تصنعه المعارضة. هناك تفويض ضمني من أمريكا للسعودية، فإما أن يكون على يد السعودية ترتبه بطريقة ما، والخلاص من الأسد قضية سهلة جداً، فالكثير من الصّف الأول حوله يعرض نفسه ان يكون بديلاً، ويكلف تغييره طلقة من صديق، أو أن يكون الحلّ تحت الطاولة بتفاهم سعودي إيراني، ونحصل على رئيس وزراء يشبه الحريري، ويبقى الأسد، ويكون قرار مليشيا إيران سواء حزب الله أو غيره القرار الحاسم.
نحن أمام حالة سورية معقدة، ومن أهم أسباب تعقيدها أنّ بناء الإنسان السوري تهشّم على مدى سبعين عاماً، وتسبب بظهور التعصب الطائفي والقومي.
ربما يحتاج الوضع لمعارضة حقيقيّة جلّها من الشباب سواء في الداخل، أو الخارج تنهج نهجاً جديداً، وتعيد بناء الإنسان السوري تدريجياً من الآن، وحتى الوصول إل السلطة .





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن