كفاح المثلية الجنسية .. شكراً دافنشي

مروة التجاني
maraweltigani@yahoo.com

2017 / 10 / 5


ليوناردو دافنشي 1452 - 1519 كان ذا شخصية عصية على الفهم بالنسبة لمعاصريه وكتاب سيرته فما السبب في ذلك ؟ هذا ما سنحاول الأجابة عليه من خلال ثنايا المقال التالي . بجانب كونه فناناً كان مهندس مدني وحربي ومخترع . حين سقط حكم لودوفيكو مورو ترك مدينة ميلان واصبحت حياته غير مستقرة حتى الفترة التي قضاها في مستشفاه الأخير في فرنسا . في هذا الوقت بدأ المجتمع في استبدال سلطة الكنيسة بالتراث القديم فأنعزل وانحرف عن الفن حسب رؤية معاصريه وانشغل بقضايا العلم مثل تشريح جثث الخيل والكائنات البشرية فأثر كل ذلك على فنه حيث لم يكن يمسك الفرشاة إلا قليلاً ولم يعد يكمل الأعمال التي بدأها ، كل هذه الأحداث جعلت من سلوكه يبدو لغزاً في نظر الناس في ذلك الوقت .


ينقل ادمون سولمي تعبيراً لأحد تلاميذته فيقول " لقد ظلت صورتاه الأخيرتان ليدا والقديس يوحنا المعمدان ناقصتين " ، ويشير لومازو - وهو الذي أكمل نسخة من لوحة العشاء الأخير - يشير في أحدى الأغنيات إلى عدم قابلية ليوناردو لأكمال عمله . مع الأخذ في الأعتبار إنه كان بطئ في عمله لكنه كان في ذات الوقت مهتم بالتفاصيل والتأمل في العمل لذا فأن سمات الهروب وعدم الأستقرار لم تؤثر كثيراً في علاقته بفنه .


أن كتابة سيرة شخص أمر شاق ولا يمكن تفسيرها بسهولة بعد ذلك دون الخوض في الخواص الجنسية للشخص موضوع البحث . عاش دافنشي صراعاً مستمراً بين الخلاعة والتعبد الحزين وكان في هذه الفترة يرفض الجنس البارد . لم يعرف عنه إنه دخل في علاقة مع امرأة ، بينما كان يعيش في بيت سيده فيروكو أتهم مع شبان آخرين بعلاقات جنسية محظورة وانتهى الأمر ببرائته ، وحينما كان استاذاً كان يحيط نفسه بغلمان وشبان وسام ويتخذهم تلاميذاً له ، وصحبه آخر هؤلاء التلاميذ فرنسيسكو ميلتزي إلى فرنسا وبقى معه حتى وفاته وكان يدعوه هو نفسه وريثاً له . لكن يمكن القول أن علاقاته الودية مع تلاميذه لم ينشأ عنها نشاط جنسي ، فهو يقول عن ذاته " ليس للأنسان حق في أن يحب أو يكره أي شئ إذا لم يكن قد اكتسب معرفة تامة بطبيعته " .


ورغم إنه لم يكن يتخذ إلا الغلمان والشباب الوسام بصورة ظاهرة تلاميذاً له إلا إنه كان عطوفاً ومنصفاً نحوهم ، كان يعتني بهم ويمرضهم بنفسه حينما كانوا يمرضون ، وحيث إنه كان يختارهم بالنظر إلى جمالهم أكثر من موهبتهم فأن واحداً منهم مثل سيزار بولترانيو و اندريا سالينو لم يصبح فناناً مرموقاً . فلم يستطيع أغلبهم أن يستقلوا عن استاذهم واختفوا بعد مماته دون أن يتركوا سيماء محددة في تاريخ الفن . أما الآخرون الذين استحقوا بأنتاجهم أن يسموا أنفسهم تلاميذه مثل لويني وباتزي الملقب بـ( سودوما ) فيحتمل إنه لم يكن يعرفهم معرفة شخصية قريبة .

رسم دافنشي الموناليزا في أربع أعوام من عام 1503 - 1507م خلال اقامته الثانية في فلورنسا ، حينما كان في الخمسين من عمره . وطبق أفضل الحيل ليسلي السيدة وليحتفظ بهذه الأبتسامة ثابتة على ملامحها ، والصورة بحالتها الراهنة لا تستحق إلا القليل من كل الرقة التي ابتدعتها فرشاته على القماش في ذلك الوقت فخلال ابداعها كانت تعتبر أقصى ما يمكن أن يحققه الفن . من المؤكد إنه صرح بأنها ناقصة ولم يسلمها إلى الشخص الذي أمر برسمها بل أخذها معه إلى فرنسا حيث اقتناها ولي نعمته فرنسيس الأول واهداها لمتحف اللوفر . يقول عنها الأيطالي انجلو كونتي " كانت المرأة تبتسم في هدوء ملكي ، تظهر وتختفي على التعاقب خلف الستار الضاحك ، وتذوب في قصيدة ابتسامتها غرائز الغزو المتوحش ، وكل ميراث جنسها ، الرغبة في الغواية ونصب الشباك ، وفتنة الخداع ، والرقة التي تخفي غرضاً قاسياً ، كانت تضحك بالخير والشر ، القسوة والحنان ، والوداعة والشراسة " .

_______________
يقول دافنشي " من الأفضل لهؤلاء اللائمين أن يظلوا صامتين ، فأن هذا العمل هو الوسيلة التي تبين للمبدع اشياء عجيبة عديدة ، وتلك هي الوسيلة لمحبة هذا المكتشف العظيم ، لأن الحب العظيم حقاً ينبع من المعرفة العظيمة بموضوع الحب ، فأن لم تكن تعرفه فأنك لن تملك إلا أن تحبه قليلاً ، أو لا تحبه على الأطلاق " .


- المصدر : كتاب التحليل النفسي والفن ، سيغموند فرويد .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن