بهاءالله -مَدَنِيّة دَائِمَة النّموِّ وَالتّطور ج7

راندا شوقى الحمامصى
randa9992001@gmail.com

2017 / 10 / 4

تحمل هذه المقتطفات في مضمونها منظوراً فكريّاً يمثّل أكثر الجوانب إثارة للتّحدّي في هذا العرض الذي يبسطه أمامنا بهاء الله شارحاً وظيفة المظهر الإِلهيّ ومهمّته. فالظّهور الإِلهيّ كما يقول بهاء الله هو القوّة الباعثة للحضارة الإِنسانيّة. فمع كلّ ظهور إلهيّ جديد تُحدِث قوّته النّافذة تغييراً في الذين يستجيبون له يُصيب نفوسهم وعقولهم. ويتردّد صدى هذه القوّة أيضاً في المجتمع الجديد الذي يبدأ تدريجيّاً بتكوين نفسه على أساس خبرات تلك النّفوس وتجاربها. ومن ثمّة يبرز إلى الوجود قطب جديدٌ للولاء يستطيع أن يفوز بالتزام شعوبٍ وأمم متباعدة الثّقافات بأهدافه. وتتّسع الموسيقى والفنون والآداب آفاقاً لتتّخذ رموزاً لها تستدرّ إلهاماً أكثر وفرةً ونضجاً. ويعاد النّظر في تعريف مفاهيم الخير والشّرّ من الأساس تعريفاً جديداً يجعل في الإِمكان صياغة قواعد جديدة تنظّم السّلوك العامّ وتساعد على سَنّ القوانين المدنيّة. وأخيراً تنشأ مؤسّسات جديدة لتترجم عمليّاً غاية المسؤوليّة الأخلاقيّة التي تمّ تجاهلها أو كانت غير معروفة في السّابق:
"لَقَدْ كَانَ مَوْجوداً في العاَلمِ، وَبِواسِطَتِهِ خُلِقَ عالَمُ الوُجودِ، وَلكِنَّ العالَمَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ".

وهكذا تنمو الثّقافة الجديدة وتتطوّر لتصبح حضارة إنسانيّة. وتستوعب في طور نموّها هذا حِكْمَةَ الماضي وإنجازات العصور السّابقة لتحيلها إلى العديد من المعادلات الجديدة والتّرتيبات الحديثة. أمّا المعالِمُ المتّصلة بثقافات قديمة لا يمكن استيعابها أو دمجها في الإِطار الجديد، فإمّا أنْ تندثر أو تتبنّاها فئات هامشيّة من النّاس. إنّها كلمة الله تحيي الوعي الفرديّ إمكانياتٍ جديدة، وتصوّر العلاقات الإِنسانيّة فتغنيها أسباباً مبتكرة:

"كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ إنَّهُ لَمُحْيي الأبْدانِ لَوْ أنْتُمْ مِنَ العارِفينَ. كُلّ ما أنْتُمْ تَشْهَدونَ في الأرْضِ إنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بأمْرِهِ العالي المُتَعالي المُحْكَمِ البَديعِ، إذا اسْتَشْرَقَ عَنْ أُفُقِ فَمِهِ شَمْسُ اسْمِهِ الصّانِعِ بها تَظْهَرُ الصّنايعُ في كُلّ الأعْصارِ، وَإنَّ هذا لحَقٌّ يَقينٌ. وَيَسْتَشْرِقُ هذا الاسْمُ عَلى كُلِّ ما يَكونُ، وَتَظْهَرُ مِنْهُ الصّنايعُ بأسْبابِ المُلْكِ، لَوْ أنْتُمْ مِنَ الموْقِنينَ. كُلَّ ما تَشْهَدونَ ظُهورات الصُّنْعِيَّةِ البَديعةِ، كُلُّها ظَهَرَ مِنْ هذا الاسْمِ وَسَيَظْهَرُ مِنْ بَعْدُ ما لا سَمِعْتُموهُ مِنْ قَبْلُ، كَذلِكَ قُدِّرَ في الألْواحِ وَلا يَعْرِفُها إلاّ كُلُّ ذي بَصَرٍ حَديدٍ. وَكَذلِكَ حينَ الذي تَسْتَشْرِقُ عَنْ أفُقِ البَيانِ شَمْسُ اسْميَ العَلاّمِ، يَحْمِلُ كُلُّ شَيءٍ مِنْ هذا الاسْمِ بَدايِعَ العُلومِ عَلى حَدِّهِ وَمِقْدارِهِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ في هذِهِ الأيّامِ بأمْرٍ مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ عَليمٍ. وَكَذلِكَ فَانظُرْ في كُلِّ الأسْماءِ وَكُنْ عَلى يَقينٍ مَنيعٍ. قُلْ إنَّ كُلَّ حَرْفٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله إنَّها لأُمُّ الحُروفَات، وَكَذلِكَ كُلُّ كَلِمَةٍ تَظْهَرُ مِنْ مَعْدِنِ الأمْر إنّها لأُمُّ الكَلِماتِ، وإنَّ لَوْحَهُ لأُمُّ الألْواحِ فَطوبى للعارِفينَ..."

ويؤكّد الباب بأنّ التّتابع المتعاقب للمظاهر الإِلهيّة "سياقٌ لا بدايَةَ لَهُ ولا نِهايَة" وأنَّ رسالة كلّ مظهر إلهيّ محدودة من حيث دورتها الزّمنيّة، والوظائف المنوطة بها، رغم كونها جزءاً لا يتجزّأ بأيّة حال من المشيئة الإِلهيّة والقوّة الرّبّانيّة في أطوار ازدهارها وتقدّمها المستمرّ:

"فَانْظُرْ بِطَرْفِ البَدْءِ فيما نَظَرْتَ إلى آدَمَ الأولى ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إلى أنْ يَصِلَ الأمْرُ إلى عَليّ قَبْلَ نَبيلٍ، قُلْ تاللهِ كُلُّهُمْ قَدْ جَاءوا عَنْ مَشْرِقِ الأمْر بِكتابٍ وصَحيفَةٍ ولَوْحٍ عَظيم، وَأُوتوا كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلى مَا قُدِّرَ لَهُم وَهذا مِنْ فَضْلِنا عَلَيْهِمْ إنْ أنْتُمْ مِنَ العارِفين..."

وأخيراً حين تستهلك الحضارة الإنسانيّة الدّائمة التّطوّر قواها الرّوحيّة، تبدأ مرحلة من التّفكّك والتّفسّخ تماماً كما هي الحال في العالم الظّاهريّ. ويعود بهاء الله فيورد لنا قياساً نجده في عالم الطّبيعة، فيشبّه هذه الفترة التي هي بمثابة انحطاطٍ بين حضارتين ببداية فصل الشّتاء. وفي هذه الفترة نجد حيويّة الخُلُق وقد تضاءلت، وتماسُك المجتمعِ وقد تناقص. ويتحوّل عندئذٍ كلّ تحدٍّ فيصبح عقبة كؤوداً لا يمكن تخطّيها، بعد أنْ كان من الممكن في زمن سابق التّغلّب على مثل هذا التّحدّي أو ترجمته إلى فرص وإمكانات تحقّق اكتشافات وإنجازات. وفي مثل هذه الفترة يفقد الدّين موقعه، وتتبعثر الجهود في مجالات البحث والاختبار تبعثراً متزايداً، وتتفاقم الانقسامات والخلافات الاجتماعيّة عمقاً، وأخيراً يتعاظم الشّكّ ويزداد فقدان الثّقة بمعنى الحياة وقيمتها، فيولّد ذلك القلقَ والحيرة والاضطراب. ويصف بهاء الله هذه الحالة في عصرنا الرّاهن فيقول:

"نُشاهِدُ بوُضوحٍ كَيْفَ أحاطَتْ بالعَالَمِ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ البَلايا العَظيمَةُ والرَّزايا العَديدَة. ونَرى العَالَمَ طَريحَ فِراشِ المَرَضِ تُبَرِّحُهُ الآلام، ووَقَفَ أولئِكَ الذينَ أسْكَرَهُمْ غُرورُ النَّفْسِ والهَوَى حائِلاً بَيْنَ هذا المَريضِ وَذلِكَ الطّبيبِ الحاذِقِ. فَانْظُروا كَيْفَ أوْقَع هؤلاءِ النّاسَ جَميعاً، بِما فيهم أنفُسَهُمْ، في حَبائِلِ مكائِدِهِمِ. فَهُمْ عاجِزونَ عَنِ اكْتِشافِ عِلَّةِ المَرَضِ، لا يَعْلَمونَ كَيْفَ يَصِفونَ الدَّواءَ، يَنْظُرونَ إلى ما اسْتَقامَ مِنَ الأمورِ فَيَرَوْنَهُ مُعْوَجّاً، وَيَتَراءى لَهُمُ الصَّديقُ فَيَحْسَبونَهُ عَدُوّاً..." (مترجم عن الفارسية)
وعندما تتحقّق كلّ واحدة من هذه البواعث الإِلهيّة يتكرّر هذا السّياق، فيظهر ظهور إلهيّ جديد مدعوم بقسطٍ كامل من الوحي والإِلهام لمواجهة المرحلة التّالية من مراحل إيقاظ الجنس البشريّ وتربيته ليخلق حضارة جديدة:

"لاحِظوا أنَّهُ حينَ ظُهورِ المَظْهَرِ الكُلِّيِّ وَقَبْلَ أنْ يَكْشِفَ ذاتُ القِدَمِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَنْطِقَ بِالكَلِمَةِ الآمرَةِ، كانَ اللهُ عَليماً بِكُلِّ شَيءٍ وَلا مَنْ يَعْلَمُ، وَكانَ اللهُ خالِقُ الوُجودِ كُلِّهِ دونَ أنْ يَكونَ هُناكَ مِنْ مَخْلوقٍ... إنَّهُ اليَوْمُ الذي نَزَلَتْ فيهِ الآيَةُ ’لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟‘ دونَ أنْ يَكونَ هُناكَ مِنْ مُجيبٍ..." (مترجم عن الفارسية)

وإلى حين أنْ يبدأ قسم من البشر بالاستجابة لدعوة الظّهور الجديد، ويبدأ النّموذج الرّوحانيّ والاجتماعيّ الجديد باتّخاذ شكله وصورته، يستطيع النّاس سدّ رمقهم الرّوحيّ والخلقيّ معتمدين في ذلك على آخر ما تبقّى من آثار النّعمة التي أغدقت عليهم في الماضي. وسواء أكانت المهامّ اليوميّة للمجتمع منفَّذةً أم غير منفَّذَة، والقوانين تحظى باحترام النّاس أو مخالفتهم لها، والاختبارات الاجتماعيّة والرّوحيّة ناجحة أو فاشلة، تبقى المسألة أنَّ جذور الإِيمان حينئذٍ قد ذَوَت واضمحلّت. وفي مثل هذه الحال لا يمكن لأيّ مجتمع أنْ يدوم بدون إيمان. فَعِند "نهاية العالم" أو في "آخر الزّمان" أو عند "نهاية كلّ عصر" تحاول النّفوس المستعدّة روحيّاً التّوجّه من جديد نحو المصدر الخلاّق. ومهما كانت هذه المحاولة مشوبة بالفوضى والاضطراب، ومهما كانت الخيارات مشوّشة وتعيسة، فما سعيهم إلاّ استجابة غريزيّة لإحساسهم بحدوث صَدْعٍ رهيب في الحياة المنتظمة للجنس البشريّ. ويشير بهاء الله إلى تأثيرات الظّهور الجديد فيقرّر أنّها تشمل الوجود كلّه، وأنّها ليست محدودة فقط بحياة المظهر الإِلهيّ وتعاليمه. ولكنّ المظهر الإلهيّ يبقى قطب الظّهور كلّه. ورغم أنّه ليس في الإِمكان الإِحاطة بمؤثّرات الظّهور الإِلهيّ فإنّها تنفذ نفوذاً متزايداً إلى قرارة الشّؤون الإِنسانيّة جميعها. فيُكشَفُ النّقاب عن التّناقضات الكامنة في المجتمع وفي الافتراضات التي يتداولها البشر، ويُكَثَّفُ البحث عن سبل التّفاهم والتّراضي.
بالإضافة إلى كلّ هذا يصرّح بهاء الله بأنّ تتابع المظاهر الإِلهيّة يمثّل بُعْداً من الأبعاد التي يتكوّن منها الوجود لا يمكن فصله، وأنّ هذا التّتابع سيستمرّ طوال حياة هذا العالم: "بَعَثَ اللهُ رُسُلاً بَعْدَ موسى وعيسى وسَيُرْسِلُ مِنْ بَعْدُ إلى آخر الذي لا آخِرَ لَهُ بِحَيْثُ لَنْ يَنْقَطِعَ الفَضْلُ عَنْ سَماءِ العِنايَةِ."

المراجع
47 العهد الجديد، إنجيل يوحنّا، الإصحاح 1 الآية 10.

48 "منتخباتي" ص96-97.

49 الأصل الفارسيّ ورد في ترجمة كتاب شوقي أفندي
Shoghi Effendi, The World Order of Bahá’u’lláh: Selected Letters (Wilmette, Bahá’í Publishing Trust, 1982) المترجم إلى الفارسية بعنوان "دور بهائي" (لانكنهاين، لجنه نشر آثار أمري، 1988) من قبل لجنة ترجمة نشر الآثار باللغة الفارسيّة، ص38.

50 "منتخباتي"، ص55-56. في الآثار البهائيّة تحمل كلمة "آدم" في استعمالها الرّمزيّ معنيين: الأوّل يتعلّق بالخليقة ونشأة الجنس البشريّ، أمّا المعنى الثّاني فيرمز إلى أوّل المظاهر الإلهيّة.

51 المصدر السّابق أعلاه، ص138-139.

52 المصدر السّابق أعلاه، ص102.

53 راجع "الأوْدِيَة السَّبْعَة" و"الأوْدِيَة الأرْبَعَة" لبهاء الله وكلاهما بالفارسيّة. المقتطف التّالي مأخوذ من "الأودية السّبعة" المنشور بالفارسيّة بعنوان "هفت وادي" ضمن المجلد الثّالث من كتاب "آثار قلم أعلى" (طهران: مؤسسه ملي مطبوعات امري، 1964) ص98: "إذا كان البحث عن ربّ الأرباب في ذرّات التّراب بالنّسبة للعاقل أمراً مذموماً فإنّ ذلك ليس إلاّ دليلاً على خالص الجهد وصدق الطّلب".

54 ورد في "دور بهائي" ص37.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن