مخيم عين الحلوة ... جمل المحامل

نضال حمد
sofsafi@gmail.com

2006 / 2 / 16

لو أن تهديدا حصل وحدث لكوكب من كواكب الدنيا البعيدة عن أرض لبنان الأخضر سنوات ضوئية لوجدنا في بلد الأرز من يرده إلى مخيم عين الحلوة ، حيث ان كل ما يحدث في لبنان يرمى على كاهل المخيم المحاصر بالحواجز الشقيقة والدبابات التي عشش فيها الحمام مما جعلها معرضة لفيروس أنفلونزا الطيور بعدما تعرضت في السابق لجنون البشر. حتى أن تظاهرة حرق القنصلية الدنمركية حاول مصدر رسمي لبناني تلبيسها للفلسطينيين والسوريين. ولولا أنه كان يتحدث لفضائية عربية كبيرة لكان قال انه لم يكن في التظاهرة التي ضمت 15 الفا من البشر أي لبناني.

لا يمكن القول انه لا يوجد في مخيم عين الحلوة أصدقاء وأنصار للقاعدة ولأبي مصعب الزرقاوي وللإسلام الجهادي المنتشر في كل بقاع الكرة الأرضية. هؤلاء موجودون في المخيم وبعضهم يجهر بأن بن لادن مرجعيته وما يقوم به الزرقاوي يعجبه او يعتبره جهادا ضد الكفار والاحتلال الأجنبي والخ. كما هناك عشرات الشبان الذين ذهبوا كي يجاهدوا ضد أمريكا و "إسرائيل" في العراق،فمنهم من استشهد ومنهم من ينتظر..من السهل والسائد في المخيم الحديث عنهم وتذكر الأسماء والألقاب والترحم عليهم من قبل الناس الذين يعرفونهم ويتذكرونهم. أما مشجعي وأنصار القاعدة فلا يقتصر وجودهم على عين الحلوة بل هم متواجدون ومنتشرون في كل لبنان وكذلك في الوطن العربي الكبير.

على كل حال تلك المجموعة من الناس هي قلّة ولا تمثل الأكثرية في مخيم يزيد عدد سكانه عن 100 ألف نسمة،يتوزعون على أقل من 2 كلم ويعيشون في حصار مطبق منذ سنة 1991 ويتعرضون لمضايقات وتوقيف وتفتيش على الحواجز وتمارس بحقهم سياسة إذلال لا تتفق حتى مع القانون اللبناني نفسه. فقد أصبح من الطبيعي ان تجد جنديا او ضابطا من الجيش اللبناني او مخابراته يقف على حاجز للجيش من الحواجز المنتشرة على مداخل المخيم ويقوم بتوقيف العربات وتفتيشها وتسجيل الخروج والدخول من والى المخيم.. كأننا في قطاع غزة أيام الاحتلال الإسرائيلي.. التفتيش أمر طبيعي وشيء عادي لكن الأمر المثير للجدل والغريب والعجيب ان يقوم الجندي او الضابط بتفتيش أي إنسان على الحاجز وفي العراء،فهذا الشيء يمنعه أولا القانون اللبناني نفسه وثانيا المنطق الأخلاقي الذي يترك فسحة من الاحترام والخصوصية للموقوف أو المشكوك بأمره والذي في النهاية هو إنسان. فهل ماتت إنسانية الجندي اللبناني الذي يمارس هواياته على أبناء المخيمات، كما مات من قبل البرلمان اللبناني بالسكتة الطائفية والعنصرية ؟؟!!..

في مخيم عين الحلوة يتبادل الناس النكات ويروون الفكاهات عن مخيمهم وعن حالهم وعن الذين يعيشون على أرضهم وبضيافتهم رغما عن المُستضاف والمُستضيف،لأنه لا صاحب الأرض أرادهم ولا هم أرادوا ان ينتظروا في تلك الأرض بعيدا عن ديارهم عشرات السنين أو مدى العمر. فقد طال انتظارهم في النفق المظلم حيث لم تظهر خلال ما يقرب من ستين سنة نقطة ضوء واحدة.

يقول أبناء المخيم الذين بقوا هناك ولم يهاجروا كما فعل كاتب هذه السطور منذ بدأ حصار المخيمات بعد معارك شرق صيدا المرسومة والمخطط لها مسبقا. يقولولون أن ابن المخيم الذي هاجر إلى أوروبا والأمريكيتين واستراليا ، انتظر من ثلاث إلى سبع سنوات ثم أصبح مواطنا له كامل الحقوق مثله مثل ملك النرويج أو رئيس وزراء الدنمارك أو وزير خارجية استراليا أو سيد البيت الأبيض الأمريكي. وصار له الحق في ترشيح نفسه للبرلمان والبلدية وحتى الرئاسة ان رغب في ذلك. ويضربون الأمثال حيث يوجد في بلدان كثيرة أعضاء برلمان من أصل فلسطيني كما هو الحال في السويد والدنمارك. وأعضاء مجالس بلديات ومدن كما هو الحال في المهجر العالمي بشكل عام.ويقولون انه يوجد رؤساء دول وقادة ثورات وأحزاب وحركات هم أيضا من أصول فلسطينية ، منهم الراحل الكبير شفيق حنظل (بيت لحم) أحد أهم قادة التحرر الوطني واليسار في أمريكا اللاتينية ومرشح الرئاسة في السلفادور حيث كان ينافس على مقعد الرئاسة مرشح فلسطيني آخر يمثل اليمين السلفادوري. ويتابعون حديثهم مقارنين بين حياتهم في البلد العربي الذي يستضيفهم وبين حياة الآخرين في أي مكان آخر.

هناك في لبنان العربي الذي استطاع هزيمة الصهاينة وتحرير جنوبه توجد قوانين عنصرية سن معظمها في عهد وحكم الرئيس الراحل رفيق الحريري. وقد عبرت تلك القوانين عن عنصرية لبنانية واضحة نالت أغلبية الأصوات في البرلمان اللبناني.وتحرم تلك القوانين على الفلسطيني العمل بحرية وفي مهن كثيرة وتمنع عنه الضمان الصحي والاجتماعي وتحرمه من التوريث والتملك وشراء شقة كي يعيش تحت سقفها وبين جدرانها بسلام وامن بعيدا عن البرد والظروف المعيشية الصعبة وخارج غيتو المخيم المحاصر. وقد أصاب الشيخ حسن نصرالله زعيم حزب الله اللبناني عندما وصف في لقاء له مع ( نيو تي في) تلك القوانين بالعنصرية والموغلة بالعنصرية. كان القانون اللبناني العنصري لغاية مجيء حكومة الرئيس سليم الحص الأخيرة يمنع الفلسطيني من مغادرة ودخول البلاد ألا بتأشيرة مسبقة. يعني الجهة التي تمنحه وثيقة السفر ترفض استقباله بدون الحصول على فيزا،وللعلم فان مصر العظيمة كانت أيضا تعامل حاملي الوثائق الفلسطينية بنفس الطريقة. لا أعرف كيف أصبح الأمر الآن بعد عودة أهل السلطة الفلسطينية الى غزة وأريحا. هذا وتقوم السلطات اللبنانية بشكل منتظم وبطريقة غير قانونية ولا شرعية بشطب كل فلسطيني يحصل على جنسية دولة أخرى، تشطبه من ملفاتها الخاصة باللاجئين الفلسطينيين المسجلين في لبنان،تشطبه كي تزيح حمله عن كاهلها،وبعد ذلك لا يهمها أين يذهب أو يعود إلى فلسطين أو يرحل الى الفيليبين،المهم أن يغادر لبنان كي لا يتم التوطين. مما يعني ان قضية التوطين بالنسبة للبنان مرفوضة فقط في لبنان وليس الموقف موقفا قوميا يرفض فكرة التوطين ولو حتى خلف جدار الصين،من اجل التمسك بحق العودة إلى فلسطين.

في لبنان لا يحق لأي أجنبي دخول المخيمات الفلسطينية إلا بتصريح مسبق من مخابرات الدولة اللبنانية. وهذا العمل يفسر لحماية لبنان من التوطين. مع أن الحكومات السابقة التي قادها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وطنت وجنست آلاف الفلسطينيين بانتقائية ودونما خوف من اختلال ميزان الطوائف والمواطنة. وأعرف شخصيا بعض الفقراء الفلسطينيين الذي لا يملكون مليون ليرة (أقل من ألف دولار أمريكي) ثمن الجنسية التي نزلت عليهم هبة من السلطان الأعظم وفي خضم الحديث عن التوطين وسلاح الفلسطينيين.

الوضع الفلسطيني في لبنان صعب ومعقد ومفتوح على كل الاحتمالات خاصة بعد عودة بروز الانعزالية من جديد عبر تحالفها مع تيار المستقبل الذي يعتبر تيار الأغلبية السنية المطعم ببعض الشيعة وكذلك بعض المسيحيين أمثال جعجع وغيره. وكذلك بتحالفهم مع الزعيم الدرزي الاشتراكي وليد جنبلاط وتياره المرتد عن شعاراته السابقة والذي يخالف شعارات أبو الفقراء الراحل الكبير كمال بيك جنبلاط،مؤسس وقائد الحركة الوطنية اللبنانية وشهيدها الأكبر. هذا التيار للأسف وضع نفسه رأس حربة للمشروع الأمريكي الفرنسي الجديد في لبنان. وما الحديث المستمر من قبله وقبل غيره من المرتدين والعائدين عن السلاح الفلسطيني وإثارته كلما دق الكوز بالجرّة ليس سوى دليل على نية مبيتة للانقضاض على السلاح الذي هو امتداد لسلاح المقاومة اللبنانية. سلاح الذين حرروا بدمائهم جبل كمال جنبلاط وسمير القنطار،وخاضوا معارك تحرير الشحار الغربي وتصدوا لنيوجرسي وأعادوا الاعتبار لمكانة الحزب التقدمي الاشتراكي.هذا السلاح الذي يهاجم اليوم من قبل الحزب التقدمي هو نفس السلاح الذي دافع عن عروبة لبنان.وسيبقى نفس هذا السلاح أداة بيد الفلسطينيين تحميهم وتمنع الغير من تكرار مآسي ومجازر حصار وترويع وذبح المخيمات كما سبق وحصل في لبنان أثناء الحرب الأهلية. فالمخيمات الشهيدة تل الزعتر ، جسر الباشا ، ضبية ، برج حمود لازالت شاهدة على العصر اللبناني الأسود ، خاصة ان الذين نفذوا المجزرة تلو المجزرة عادوا ليصبحوا زعماء وأعضاء برلمان في لبنان الجديد. والمخيمات الفلسطينية الأخرى التي جرحت وأصيبت أكثر من مرة مثل صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة والرشيدية وعين الحلوة وبرج الشمالي لن تسمح بتكرار الماضي ولن تسلم سلاحها قبل الحصول على الحقوق الكاملة والضمانات اللازمة. وفي الختام أشك ان هناك فلسطينيون يرضون باستبدال وطنهم فلسطين بمحمية " إسرائيل " أو بالتوطين في بلد الأرز أو حتى في بلاد العم سام أو خلف جدار الصين.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن