كم أكره القرن العشرين – معلقة بلوشي

عبدالكريم العبيدي
kalubaidi@yahoo.com

2017 / 9 / 30

في أوائل السبعينات بدأت موجة التسفير. كان الكل يبكي، ينعي أشعارا حزينة، ويندب حظه العاثر. لا يقدر أن يصدِّق ما حل به وبأسرته فجأة. وحده "رضا بلاوي" ظلَّ يبكي حينا، ويضحكُ حينا، في واحدة من أشد لحظاته نقاءً. يضحك مرددا:"بس أريد أعرف شنو طابور خامس، ذنب مال احنه"؟ ثم يبكي مرددا:"عرگ مثل مال عراق ماكو بإيران.. وين ألْگه عرگ مستكي وعصريَّة هناك"؟ *
"الزنبيل" اهتزّ أيضا حين أقدم "الشاه" على احتلال ثلاث جزر اماراتية وضمَّها الى ايران! فخرج الموظفون والعمال والطلبة الى الشوارع البصرة منددين غاضبين.
ولكن، ما أن نعقت أول صفّارة إنذار، معلنة عن سقوط أول قذيفة في "بستان إمْطشّر"، غرق "الطست" بما فيه، اتسع النهر أخيرا، تباعدت ضفتاه، وهرب أهالي القريتين من الشاطئين مذعورين غير مصدقين. بات النهر وحيدا، يسير بمحاذاته "إمطشر" كالمجنون، ينعي احتراق سبع نخلات في بستانه. سبع نخلات، قبل أن تحترق كل أشجار البستان!
لم يعد "للگفة" الوديعة في رأس "سليكة" غدوا ورواحا. هربت "الگفة" فجأة. الريح عصفت بآخر "زنبيل" مُحَمَّل "بالميوه"، هرب هو الآخر، و"الطست" الذي ظل يحتفظ برائحة "البرحي" اختفى أيضا، لاذ بالفرار، ثم محا الموج مسارات البيع والشراء الرجراجة، فاختفى عطر "سليكة" الى الأبد.
ولَّت هاربة وداعة قرية "سليكة". انتصرت السياسة على "عِشْرة النهر". أيّ نهر؟ أيُّ عِشْرة؟ إنها الحرب يا "بالاچاني"، الحرب.. ها هي بصرة "سليكة" يحرقها القصف، وصفّارات الإنذار، والبيانات العسكرية، وأغاني المعركة.. وها هو النزوح قد بدأ.
تسأل "ميا" جدتي:"كم ستبقى هذه الحرب يا سليكة"؟ فترد "لال بيبي": "ايه هبتك"، أو "ديمي هبتك"، تندهش "ميا" وتتساءل:"أسبوع أسبوعان، ودراستي"!؟
لأول مرة تخونك الحكمة يا جَدّتي. مقاس بلوشيَّتك لا يعي بؤس حروب القرن العشرين الحديثة، فمثل هذا الخراب الشامل يحتاج لأعوام ثقيلة، سنين هوجاء لا مجدية، تفوق بكثير مدد حروب ذاكرتك القديمة، فمع بداية مثل هذه الحروب تستيقظ أسماء مدن كانت مغمورة:"سيف سعد، وزين القوس وخضره وهيله، الفاو، والممالح، والمحمرة، والسيبة والشلامجة، والخفاجية والبسيتين، ونهر جاسم، وأم الرصاص".. * ومع هذه الولادة تستيقظ فجأة أغاني مطاحن الموت:"يا أهلا بالمعارك، يا بخت من يشارك، وبغداد يا قلعة الأسود، وويلك يالي تعادينا ويلك ياويل، وشديتي الچرغد بزنودي... يُمّه، يُمّه، يُماااه". *
مات شجن الجنوب في كاسيت "سليكة"، تبخرت "سواليفهه البلوشيَّة"، ففي فجر يوم عصيب، هرب آلاف الأهالي من القصبات والمدن النائية، وتبعهم مئات الآلاف المذعورين من سكنة النواحي والأقضية، تركوا بيوتهم وبساتينهم وماشيتهم، حملوا ما يمكن حمله، ولاذوا بالفرار، ومع بدء موجات القصف المدفعي على أحياء البصرة، خلت الكثير من البيوت أو كادت من سكنتها، باتت لوحة النزوح سيدة الشوارع. كم من جندي بصري بائس يا جدتي عاد من جبهات القتال وصُدِمَ بهجرة أسرته؟ فتحتم عليه البحث عنها في العديد من المحافظات. وغالبا ما كان يفشل في العثور عليها، طيلة سبعة أيام إجازته الدورية، فيعود إلى وحدته خائبا، أو يتمرد، فيختار الهرب!
في كل صباح، غدا شارع بصرة - بغداد مكتظا بعشرات الأرتال، سيارات الحمل تنوء بقطع أثاث مبعثرة، تسير ببطء، كأنَّ عجلاتها لا تريد المضي إلى المجهول، إلى مدن أخرى بعيدة عن بصرة أحبابها، وجوه كالحة تقبع فيها، تبدو من خلف زجاج النوافذ، قلقة، يصفعها البؤس، ويعصرها الفراق المر، كأنها وجوه اليهود البصاروه، في حوارات مقهى "حجي كاظم. كأنها وجوه التبعية الإيرانية البصاروه في حروب القرن العشرين الحديثة.
ماتت بصرة "سليكة" يا "بالاچاني"
زقاقنا أتلفه القصف أيضا. غالبية بيوته باتت مهجورة أو معروضة للبيع. لم يبق في زقاقنا المتهالك سوى بيت "البلوشي"، وهي أشهر كنية لبيتنا، بيت الحاج "مُراد"، وعلى مقربة منه بيتان آخران، أحدهما تسكنه جارتنا العجوز الأرملة "أم غايب"، والآخر استأجره، "مصري" يعمل في فرن صمون، يقع قريبا من الزقاق.
لم يعد لي بيت هناك يا "بالاچاني"، مثلما لم يعد لي وطن، "ضيعت المشيتين"، أو كما وصفتني جدتي مرارا:"لاني للوطن ولاني لسليكه". نعم يا أم "مراد"، بات كل من حولي مجرد أمكنة لا غير، قليل منها تؤويني، وأخرى تلفظني، وثالثة تتوعدني، ورابعة تعفط لي!

رواية ستصدر قريبا



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن