اختراع العزلة

مروة التجاني
maraweltigani@yahoo.com

2017 / 9 / 24


يقول الكاتب الأمريكي بول اوستر في الفصل المعنون ببورتريه لرجل غير مرئي أستعد في بحثك عن الحقيقة لما قد يباغتك فهي صعبة المنال . يروي الكاتب سيرة والده المتوفي حيث عاش الوالد في منزله معزولاً لمدة 15 عاماً ومع ذلك لم يكن يمكث فيه إلا نادراً ، كان متجولاً داخل ذاته . كان المنزل مهملاً يشبه وضعية الرجل ، و اغراضه اشبه بمتاهات ذاكرته وحياته فما جدواها بعد موت الرجل ؟ هكذا تسائل الراوي . إنها تحكي أسرار خاصة ، وفي الموت ينفصل الجسد عن الشخص فنحن نقول هذا جسد فلان وليس فلان نفسه أما في الحياة فلا نميزه عن جسده عندما نصافحه ويبتسم مثلاً ، إذن يتحول الشخص إلى فكرة وإلى روح هائمة أو بقايا أغراض ننقب فيها .




قام الأب نفسه بأختراع ذاته واخترع حياته ومغامراته ، إنك تبدأ بأكتشاف شخص جديد كان له عالم موازي لم تكن تعلم عنه شيئاً حيث كانت له علاقاته الغرامية وطرق تسليته الخاصة ، كان مخادعاً ربما في العلاقات ، لم يكن يظهر لأحد من معارفه وجهه الحقيقي أبداً وكأنه حاضر وغائب في آنٍ معاً . ما يميز كتابات بول اوستر أن التاريخ خاضر فيها وكأنه خلفية ضخمة من خلال السنوات وعمر الأشياء وتفاصيلها وكأنه يرسم لوحة تاريخية وزمنية ليبدأ السرد لاحقاً في التوالي من خلالها حينها ستقرأ وعينك مفتوحة على نافذة الزمن التاريخي.



يستشهد اوستر برسالة قال فيها فان جوخ " إنني احتاج الأقارب والأصدقاء كأي أحد آخر ، احتاج الحب والوصال الحميم ، لست صخرة ، ولست من حديد كصنوبر أو عمود أنارة " . يسرد علاقته الفاترة بوالده ويبحث في الذاكرة عن مناطق جميلة لكن يجد الامبالاة ، يسرد علاقة والده بأخته المريضة وكيف تسبب عناد الأب في زيادة مرضها لكنه في الصميم كان يحبها ، لأجل ذلك أنكسر صوته في المستقبل أثناء أحدى المحادثات الهاتفية لشعوره بالعجز عن تقديم ما يساعد الأبنة .




وجد الأبن صورة فوتوغرافية للوالد يجلس حول طاولة في اجتماع وتم التلاعب بالصورة فأصبح الفوتوغراف مصطنع ، كان والده هو ذات الشخوص حول الطاولة ويحدق كل منها في الفراغ دون تواصل بصري . اعاد والده في هذه الصورة أستنساخ نفسه في حيوات متشابهة . وهي فكرة تكررت عند اوستر مؤخراً في روايته 1234 المرشحة حالياً في القائمة القصيرة للبوكر 2017م لكن مع كثير من الأختلاف في مناحي حيوات شخص واحد . ينهي اوستر الفصل الأول بهذه الصورة ليقول إذا كان الرجل تحول لعدة رجال يجتمعون معاً فإستحالة على أحد ولا حتى الرجل الأصل أن يعرف من هو ، ليقول أيضاً إنه حتى أن اجتمع مع ذواته المتعددة فسيظل حينها أكثر عزلة . فأنت تراه ولا تراه . ويصف هذا بالقول " إنه شعور بالسير في دوائر ، في تتبع أبدي نحو الماضي ، في سفر لأكثر من وجهة في نفس اللحظة . وحتى لو احتلت على الأمر وحققت بعض التقدم ، فإنني لست بواثق مطلقاً من أن ذلك سيقودني إلى وجهتي التي اقصدها . فبمجرد تطوافك في صحراء ما ، لا يعني أن هناك أرض موعودة " .





يعود اوستر ليكتشف كهوف ذاكرة عائلته من خلال المصادفة حيث قتل جده هاري اوستر من قبل زوجته " الجدة " وكان الخبر يملأ الصحف حينها فيما يشبه الفضيحة العامة في أوساط المجتمع اليهودي . أثرت كل هذه الأحداث على والده وجعلته يختار شق طريق العزلة في وقت مبكر منذ عاشت الأسرة في تنقل دائم ، تركوا ذكرياتهم وجذورهم ، الأصدقاء والجيران ، انتقلت الأسرة لمكان لا يعرفها فيه أحد لتبدأ حياة جديدة كما هو متخيل لها .




الفصل الثاني بعنوان كتاب الذاكرة حيث يروي قصة عن نوستالجيا الحاضر أي عندما تبدو أحداث اليومي كأنها قادمة من زمن مضى . يحدث أن يفقد المرء شعوره باليومي المعاش ويغترب عنه . تجري أحداث القصة في العام 1979م حيث يقيم السيد أ في مدينة نيويورك ويعيش الرجل وحيداً بلا أصدقاء ومتجذر في شقته بالكاد يرى النور ، إنه ملغي فلا وجود له في السجلات الرسمية . في تعليق أول عن طبيعة الصدفة نرى السيد أ ينقب في ذاكرته وهو مدرك لفعل العزلة حيث يصف نفسه قائلاً " لقد انشققت عن البشرية ، لقد تفردت ، وأمسيت واحداً منفياً عن المجتمع البشري " . أثناء عملية البحث الشاقة في الذاكرة يتذكر قصة رواها السيد م لتعلب الصدفة لعبتها معه عبر أحداث درامية تحكيها الرواية ، الغريب في الأمر أن القصة خالية من المعنى ومع ذلك كان يطاردها وفي ظل هذا الفراغ وجد ما كان يطارده في الامعنى ، يقول " عندما يكون الوعي حاضراً في الذهن بشكل طاغ ، فأن الوعي يحل محل المخيلة " . ستخرج من هذه الرواية وأنت تدرك أن الذاكرة هي المساحة التي يمكن أن يحدث فيها الأمر مرتين .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن