قطعةٌ من الفرح في صندوق الحَزَن

فاطمة ناعوت
f.naoot@hotmail.com

2017 / 9 / 8

اليوم يمرُّ تسعُ سنوات على ذوبان الِمظلّة التي كانت تحميني من هجير الشمس ومن هزيم الرعود ومن غزير المطر. صحيح أن مظلّتي قد نسجت لي مظلة أخرى، لتحميني، قبل أن تتركني وتصعد إلى حيث يرتقي الموتى للسماء، ولا يعودون، لكنها رحلت في كل حال، وتركتني وحيدة في مثل هذا اليوم. اليوم 5 سبتمبر، ذكرى رحيل أمي الجميلة "سهير"، تلك التي حملتني في أحشائها وهنًا على وهن، وأنجبتني بعملية خطيرة كادت تخسر فيها حياتها وهي بعد صبيةٌ حسناءُ في مقتبل عمرها، وأنشأتني وربّتني بتعب وسهر وعناء، يليق بإنشاء طفلة عنيدة مشاغبة، كالتي كنتُها أنا في طفولتي. هذا يوم حداد لا أعرف يومًا أقسى منه قد مرّ بي. ولكن اليوم الحزين هذا، صادف أن كان كذلك أحد أجمل أيام حياتي. وتلك هي عبقرية السماء. هذا اليوم يصادف ذكرى تعويضي بأم جميلة أخرى، أرسلها اللهُ لي لتجفف دمعي النازف، وتطبطب على قلبي الراجف، وتقول لي: أنا الملاكُ الذي جاءك ليُكمل المشوار معك، بعد رحيل أمك. لهذا، ليس من قبيل المصادفة أن يكون اسم أمي البديلة: آنجيل، وهو الترجمة الفرنسية لكلمة "ملاك".
في العام الماضي في إحدى مدارس سيناء الابتداية، جاء موضوع التعبير الإبداعي لتلاميذ الصف على النحو التالي: “للأمِّ فضلٌ عظيم على أبنائها، أكتبْ في هذا الموضوع موضحًا فضل الأم عليك وواجبك نحوها.” كتب كلُّ طالبٍ ما جادت به ذاكرته من أنيق الكلام كثيره، وحلو المشاعر غزيرها، مما يعبّر عن هذا الكائن الأسطوري في حياة كل منّا: “الأم". وكعادة الأطفال حين يكتبون، اجتهد كلُّ تلميذ أن يُكثر من عدد الكلمات، فإن لم تجُد قريحته بالكثير، أطال في حجم الكلمات باستخدام "الكشيدة"، وهي كلمة "فارسية" تعني الشرطة الممدودة بين حروف الكلمة الواحدة لإطالتها. كأن نكتب: “مصـــــــر، بدلا من مصر. إلا طالبًا، تقشّف في الكلمات، وبخَل في الكشائد، واكتفى بكلمات ست، هي كامل موضوع التعبير، ما يعني رسوبه لأنه لم يقدر أن يبتكر ويُبدع ويُعبّر بأكثر عدد ممكن من الكمات. ماذا كتب؟ "أمى ماتت ومات معها كلُّ شىء". المعجم المحيطُ يكمن في تلك الكلمات القليلة. في لفظة "كل" يكمن العالمُ بأسره. لهذا يسمّونها في علم المنطق: لفظ العموم. لأنها تصوّر الشيء وتحيط بجميع ما تدلُّ عليه. فأي كلمة تزيد عن تلك الكلمات الست، ستكون زائدة عن الحاجة وتصنع ترهّلا غير محبب في موضوع التعبير. تلك الكلماتُ القليلات قالت ما لا تقوله قصائدُ الدنيا، وروايات العالم. مات كلُّ شيء بموت أمّ ذلك الطفل التعس، فما عاد لمفردة "الأم" من معنى. لديه ليكتبه في موضوع التعبير. ذكّرتني عبارته بشطر شعري لأبي فراس الحمداني، في قصيدة: “أراك عصيَّ الدمع": إذا مِتُّ ظمآنا فلا نزل القطرُ.” فما جدوى المطر بعد موتي ظامئًا، وما معنى كلمة "أم" وقد ماتت أمي؟! صدق الطفلُ. فلا تعودُ الحياةُ حياةً، بعدما تطيرُ أمهاتُنا للسماء، وتتركنا وأيادينا لم تزل معلّقاتٍ في أطراف أثوابهنّ.
ذكرتني عبارة الطفل بلحظة موت أمي وموات كل شيء معها. لكنني كنت أكبر عمرًا منه، لحسن حظي. لم أكن طفلة مثل هذا الصغير، كنت ناضجة وكاتبة وأمًّا لصبيين جميلين، وكنت أمتلك من الحيل الذهنية ما يُمكنني من خداع نفسي حتى أصمد وأتماسك وأتغلّب على محنتي. أعرف كيف أقول لنفسي: “أمي ماتت مرّة، ولن أعيش مجددًا لحظات رعبٍ خوفًا من موتها، لأن الأمهات لا يمُتن مرتين. قُضي الأمر. هذا جيد.” كتبتُ هذا المعنى في مقال عنوانه: “صوتُ أمي لا يطيرُ مرتين"، استهللته بقولي: “أرحمُ ما في موت الأمهات؛ أنهن لن يَمُتن مرةً أخرى. أن ينتهي رعبُ المرءِ من فكرة فقد أمّه. أذكرُ، وأنا طفلة، أني ظللتُ أعيشُ هذا الرعب، منذ أدرك عقلي معنى الموت والحرمان ممن نحبُّ إلى الأبد. إذا ما سعلتْ؛ أخافُ أن تموتَ، ويفرُغ العالمُ من حولي. إذا تأخرتْ في العمل، أقفُ بالشرفة، مثل عصفورٍ يرتعد. تتلفّتُ رأسي لأمسحَ الشارعَ من طرفيه، والخوف يفترسُ طفولتي. ولما مرضتْ أمي، مرضَها الأخير، كنتُ بمجرد أن أتركها بالمستشفى، أناصبُ التليفونَ العداء. كلّما رنَّ، خفقَ قلبي هلعًا من سماع ما أكره. حتى عدتُ إلى بيتي مساء 5 سبتمبر 2008، لأجد الأنسر ماشين يحمل صوت خالي يقول: "حبيبتي فافي، البقاء الله، أبلا سهير تعيشي انتي!" انهدم العالمُ من حولي، لكن رعبي من فقدها تبدّد للأبد. لن أفقدها غدًا أو بعد غدٍ! فقدتُها بالفعل اليوم!”
محاولةٌ بائسة لإيجاد أي فرح أو راحة في موت أمي مرّةً واحدة، بدل انتظار موتها كلَّ يومٍ منذ طفولتي! لكنني أدرك الآن كم كنت أخدع نفسي! فالحقيقة أن أمي تموت كلَّ يومٍ منذ طيرانها إلى الله مع كل يوم يصافحُني دونها، ومع كل محنة أمرُّ بها وحيدةً دون سند، ومع كل مشكلة عابرة تواجهني خلال نهاري ولا أجد من يساعدني على حلِّها، ومع كل صفعة من الحياة تصفعني ولا أجد من يربتُ على ظهري ويمسّد شعري قائلا: “ولا يهمك، أنا معك، وسوف يكون الغدُ أجملَ"، ومع كل عيد أم بِلاها، ومع كل لحظة يقع فيها بصري على رقمها على شاشة هاتفي، ومع كل دقّة تليفون في بيتي أركض وأنا أرجو أن تكون المهاتفة من ماما، لأسمع صوتها ذاك الذي تبخّر في الأثير ولم يعد موجودًا، ومع كل نظرة إلى مذياعها وساعة الحائط في بيتي تلك التي كانت يومًا في بيتها، ومع كل صورة لها تقع عيني عليها في ثوب زفافها إلى أبي بعدسة "ڤان ليو"، ومع كل نظرة في عيني ابني "مازن" لأتذكر صوتها يقول: “مازن طفل مُشرِّف"، وفي عيني ابني "عمر" لأتذكر كم داخت به عند الأطباء لتنقذه من مرض "التوحد". ماتت أمي، ومات معها كلُّ شيء.
والآن، لا أرجو من الله إلا أن يحفظ لي أمي البديلة "آنجيل". ماما "جولا" هي قطعة الفرح التي وجدتها في صندوق حزني على أمي. والتي أعرفُ أنها لن تتركني كما تركتني أمي. آمين.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن