شعر الدولة والشاعر القضية .. والشعر العربي واسالته الكبرى

ماجد ساوي
majed-sawi@Hotmail.com

2017 / 6 / 30

كشاعر اقول بداية ان الشعر شيء يراد منه التسرية عن النفس لا اكثر وكل الشعراء يعرفون هذا فانت حينما تخرج هذه المشاعر والاحاسيس وخلجات النفس وشذرات الروح في قصيدة وابيات تشعر بعدها بالراحة النفسية وهو مقصد الشعر الاسمى ، ولايعني هذا نفي اي راي يحمله احد ما عن الشعر خاص به . اما مالحق بالشعر من اغراض ومنافع ومكاسب وارباح يجدها هذا وذاك منه وفيه فهي ليست من اعمدة الشعر وغايات النظم بل انه تشبه البحر الذي يحطم السفن ويهلك الغرقى المالح المعطش المظلم قاعه البعيدة اطرافه لادليل ولامرشد ولاهادي فيه وهو مكون من الماء الذي منه ايضا يتكون قدح الماء البارد - الذي يشبه الشعر هنا - الذي تشربه في ساعة قيظ حارق ، فبالله قل لي مانفع الماء ان لم يبلل حلقك ويروي ظماك وانت ترى الناس يبحثون عن الارتواء من البحر فياللعجب


الشعراء العرب في عصور الجاهلية السحيقة كانت هذه نظرتهم ورؤيتهم للشعر - اي انه للتسرية عن النفس ولايلغي هذا بقية الاغراض طبعا الني هي في ذاتها كالفرس والخيل للشاعر يركبها ليظهر مدى شاعريته بلا ريب كغاية اولى .

.وطوال تلك العصور كانت اشعارهم مشهورة معروفة مرغوبة محفوظة لجودة كلامها عن الاشياء من منظار الشاعر الذي يعبر عما يجول في فكره ويدور في باله ، فكانت فاكهة المجالس وحلوى المناسبات ومختلف العقول ومهبط الدهور حكت فاسمعت وتكلمت فاحسنت وتحدثت فابلغت ونطقت فاحكمت ، كان الشاعر في شعره كالسيد في عبيده ترى الخطرات والنفحات والعبرات والدمعات والثمرات والضربات خالية تماما من العثرات .

ويعلم الجميع اعتناء العرب بالشعر والشعراء وماتعليقهم مائة قصيدة من اجود شعر العرب على استار الكعبة الا دليل على هذا الاعتناء والاحتفاء ، وكان الشاعر وزير اعلام قومه والمنافح عن شرفهم ومجدهم وكانت العرب تجل الشعراء لما لهم من الكلام العجيب الذي يخطف الافئدة وكانت اسواقهم مكان انطلق اغلب الشعراء المشهورين وكانت تعج بالحوارات والمؤتمرات النقدية لاخر ماقال الشعراء وكانو يتفننون بانتخاب واختيار مايعجبهم من الابيات لهذا الشاعر او ذاك ويختلفون في ايها احسن واجود.

لكن حينما بدات الحضارة العربية تدخل عالم المدنية بظهور دولة الاسلام الاولى بدا الشعر والشعراء يسيرون في طريق جديد اسمه طريق الدولة وظهر مايمكن تسميته ب"شعر الدولة " الذي اصبح يتربع على سدة المنابر والمحافل والمراسم والمجالس والندوات ويمكن لي ان اعرفه بانه نوع من الشعر غرضه الوحيد امتاع السلطان ، وشعر الدولة هذا ليس نهجا لبعض الشعراء او مجالا لطائفة منهم او ترفا لنخبة منهم بل هو الشكل الذي طغى على اغلب شعر العرب بعد عصر النبوة ، بحيث لايكاد يخلو شعر بعد ذلك العصر من صفة "الدولة " ، واصبح الشعر المسري لنفس الشاعر غرضا يراه انصار " شعر الدولة" لا معنى له ولا مكان له ولا ايضا- لجهلهم بماهية الشعر نفسه للطرافة - اصل له.


"شعر الدولة" الذي ينشد للترفيه عن السلطان لا ارتباط بينه وبين شعر العرب الذي عرف في جزيرة العرب مهد الشعر الاول لقرون وقرون الا كونه ذا كلمات عربية وايضا ذا اوزان وذا قافية . شعراء الدول الذين ينظمون هذا الشعر يفعلون هذا بغية الحظوة لدى اهل تلك الدول وايضا بغية المال ولايمانعون من متذوقين ومستمعين وجماهير لشعرهم من اتباع وسكان و انصار تلك الدولة او تلك.


لا اقصر هذا النوع من الشعر واعني" شعر الدولة" على مديح ذلك الحاكم او تخليد بعض التاريخ بل اعني به لنه نوع من الشعر خرج من غرض الشعر الاول والاسمى وهو التسرية عن النفس الى غرض محدث وهو شحن الجمهور بالافكار المقدسة المخلدة النابعة من توجه واتجاه وجهة مقدسة معظمة لدى الشاعر . وهذا الغرض من الكلام وجد عند العرب في شيء اسمه الخطابة اما الشعر فلم يعرف عنهم استعماله لهذا .

"شعر الدولة" او ما احب ان اسميه ب" شعر الحذاء" هو نوع من الشعر لاريب خرج من رحم حضارتنا العربية العريقة لكنه افقد الشعر بريقه وتوهجه ولمعلنه ونصاعته فطغى على كل الوان الشعر وقضى على عمود الامة وصولجانها وهو الشعر وكذلك اجهز على حامل رسالتها وهو الشاعر من ناحية اخرى مؤسفة.

شعر الحذاء لا لون ولاطعم ولانكهة له ولارائحة وهو مفرغ من الشعر نفسه - للطرافة- الذي يسمعه السامع لتشعر نفسه بالطمانينة والسعادة وابهجة والسرور والراحة طبعا بينما هو يسمع هذا النوع من الشعر ليصفق ويهتف ويهلل ويكبر ويمجد ويعظم ويؤيد وينتصر واحيانا يولول .

شاعر الدولة له ايضا قضية فهو ليس مجرد مغني يطرب الجماهير فهو يكافح في سبيل قضيته - التي عادة ماتكون وضيعة في حقيقتها عظيمة في صورتها - فنشا من هنا مايمكن تسميته بالشاعر القضية الذي تكون هذه القضية محور اعماله ومقصد اشعاره وهي اي الشاعر القضية بدعة ظهرت بعد المتنبي وهو اول من اسسها حين كانت الامارة قضيته . وسار شعراء الدولة من بعده على نفس النهج فتجد اغلب الشعراء بعده والى وقتنا لهم قضايا تشغل حياتهم ويناصرونها طوال الوقت ويدافعون عنها شعراوكتابة بالاضافة لقضيتهم الاهم وهي بركات الدولة .

"شعر الدولة" و"الشاعر القضية " هما اكثر امرين افسدا الشعر في عصرنا الحالي ما اوصله للحضيض وادنى من الحضيض كما هو حال الشعر الان في وطننا العربي الاكبر ، فلا مقام ولا منزلة ولا تقدمة ولا تكرمة ولا رفعة ولا عظمة ولا حرص ولا اهتمام ولا ادنى التفات للشعر والشاعر من جميع الشرائح والفئات والطبقات والجماعات ، وكان الناس لايدرون انهما موجودان !!.


الشاعر العربي الان بصورته الاولى الغارقة في حرية الكلمة التي نشات في احياء ومضارب ومنازل وبيوت واسواق واندية العرب في جزيرة العرب لعصور سحيقة لاوجود له الان وهو الان فاقد لشعره نفسه - للاسف- الذي لا اختيار له في موضوع قصيدته الشخصية المفروض عليه قسرا والشاعر الذي نراه ونطالعه ونسمع شعره كل يوم وكل ليلة على المنابر وفي المحافل ونتحدث عنه في الاندية والمجالس ونقراه في الصحف ونتابعه في الاذاعات ودوواوينه في كل معارض الكتب ويمجد اسمه في كل المواطن وجمبع المناسبات هو رجل فارغ حقا من كل شيء الا من صوته الذي يردد في قصيدته لايعرف شيئا الا ثلاث اشياء كلمات شعره واوزان قصائده وقوافي ابياته ، باختصار هو الكلمة والوزن والقافية، مثلث الانجاز الذي قام به طوال حياته .

مثلث الانجاز لشعر الدولة والشاعر القضية لاعلاقة له البتة ولاصلةله مطلقا بالشعراء العرب الذين انهكهم سؤال خالد امضو حيواتهم وهم يبحثون عن اجابته ، انهكتهم اسالة لماذا يقال الشعر وكيف يقال الشعر ولمن يقال الشعر واين يقال الشعر ، مالذي يصلح من الكلام ان يكون شعرا ومالذي لايصلح وماهو الكلام الذي ينبغي للشعر ان يقوله ومالكلام الذي يحرم على الشعر ان يقوله ومالكلام الذي عليهم ان يكفرو به ، الشعراء الذين ارقهم لسنين طوال السؤال الخالد " ماهو الشعر ؟" .

في الختام اقول كشاعر ان الشعر هو صورة عن روح الشاعر مكونة من كلمات واحرف والوانها هما الوزن والقافية . الشعر هو ايمان عظيم يكفر بكل الكتب والاساطير حينما يترجل على الورقة ويخرج من فيه الشاعر لارب له ولاخالق الا نفس الشاعر السارحة في الابيات.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن