دروس في تدبير القرآن لا تأويلا ولا تفسيرا 3

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2017 / 6 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1} مَلِكِ النَّاسِ{2} إِلَهِ النَّاسِ{3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ{4} الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ{5} مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ{6}
تبدأ سورة الناس كالعادة في السور الأمرة بلفظ (قل) الذي يعني عند الناس أن الله خط لهم طريقة ما لها هدف وغاية ومنهجها من داخل كلمة الدلالة (قل)، البعض يرى أنها واجبة الإتباع مطلقا والأخر يرى فيها من المنهج الإرشادي للباحث عن تحقيق هدف، البعض تطرف في الفهم وقال أن المفتاح (قل) هو خطاب خاص للمناشد به وهو النبي وغيره لا يمكن أن يكون معنيا إلا باللاحقة (أعوذ برب الناس)، لكل منهم حجة والرأي أن المفتاح عام وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (يا أنت).
العوذ هو الألتجاء والأحتماء بقوة قاهرة مقابل قوة لا قبل لنا فيها، فنعوذ بالأول من الثاني ونستحكم بها، والعوذة مفهوم غارق في القدم مارسه الإنسان تأريخيا بأشكال شتى وليومنا الحاضر، برموز وأشياء وموضوعات يرى فيها أنها تحصنه من بأس القوة المقابلة، الله تعالى بهذه السورة حسم الأمر قطعيا، وجعل العياذ به هو المفهوم الأسلم والأجدر لمن يخشى التطير أو الفأل السيء أو الشعور بالضعف تجاه فوة الأخر، لذلك أميل إلى أن خطاب (قل) خطاب إرشادي وأختياري وليس إلزاميا أو مولويا، لأنه خطاب تبعيضي للبعض دون الأخر.
رب الناس وليس الله محل الأستعاذة وأداتها وهذا يعود للتفريق بين مفهومين محددين الله الذي هو الرحمن الرحيم والذي جعل نظامنا الكوني التكويني مركبا من مضادات وتضادات لغرض الأبتلاء والديمومة، وبين رب الناس الذي يعني المدير والمدبر لحياة الناس، فالتخصيص هو مصدر التفريق وليس التفريق للمخالفة كما يظن البعض أن رب الناس ربما يكون هو غير الله بأعتبارأن الله رب الأرباب وقد يكون رب الناس هو واحد من الذين يستربهم الله ومسيطر عليهم، وهذا بحث طويل وغارق في الخصوصيات العرفانية.
فهذا الرب هو ملك أو مالك أو المتملك لحركة الإنسان ومسيطر عليها بالقدرة الممنوحة له من الربوبية ذاتها، فعندما يكون المالك حريصا على ما ملك يكون أكثر قوة وقدرة على حماية ملكه من تصرف الأخر وخاصة إذا كان من غير جنس الناس وهي كل المخلوقات التي لا توصف بالناس، في الآية اللاحقة نكتشف أيضا أن هذا الرب والملك هو إله الناس خاصة وليس الله كما يقرأ ظاهريا، هنا تظهر إشكالية في الخطاب الرباني من خلال تخصبص إله قد يوحي لمن يقرأ ظاهر الكتاب أن إله الناس ورب الناس وملك الناس له ماهية غيرية سواء كانت فرعية أو تبعية من الله.
الرب والمالك والأله مجموعة مفردات وردت كثيرا في نصوص القرآن بصيغ مختلفة في الدلالة الخاصة غير دلالة الله الرحمن الرحيم، ولكن ما يوحي أن الله خصص هذه المفردات لأغراض خاصة وأهداف محددة الهدف منها إخراج المتعوذ من دائرة الرحمانية المطلقة التي يتميز بها لفظ الجلالة على أنه واسع الرحمة ورب الخلائق كلها وهو الذي خلق المتعوذ والمتعوذ منه لعلل وأسباب وغايات، فأوكل القوة المستعاذ بها للجزئية المعنوية من قدرته الواسعة والمتنوعة والمتخصصة وليس إشهارا بوجود أله متعددة لكل خلقة ومخلوق إله خاص به.
هذه القوة التي تستهدف من بين ما تستهدف كل فعل مناف للخير ومعارض له على وجه التحديد، وليس نوال الخيرات والرحمة من الله وإن كان التخلص والأستعاذة من الشر في الأخر هو خير مطلق، ولكن أراد الله أن يحصر الإستعاذة فقط بالإخلال في الميزان الذي وضعه {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49 ، فالقدر هنا هو ضبط التوازن بين المخلوقات والموجدات دون أن يتقاطع شيء مع شيء لا بالوظيفة ولا بالوجود والدليل أن الله خلق إبليس وآدم في معادلة توازن {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ }الأعراف24.
الشر المستعاذ به ليس كل شر يمكننا أن نصفه أو نعرفه أو نعتقد أنه شر، بل حدد مجال الإستعاذة بما يفعله (الوسواس الخناس)، فمن يوسوس ومن ظاهر الفهم أنه الوحي الذاتي أو الخارجي الذي يحدث الإنسان دون أن يستطيع الإنسان أن يخرجه من حالة الخنس وهو السكون الصامت الذي يتحرك في مواقف ثم يعود لخنسه كما أنه غير موجود، الإشارة بالتحديد هنا إلى المشاعر السلبية أو الإنفعالات النفسية الذاتية التي تتولد نتيجة لظروف وحالات غير إرادية في داخل النفس البشرية التي حدد محلها ومأواها ومحمولها المكاني بقوله في صدور الناس، فالوسواس الخناس أكثر تعلقا وتأثيرا على القلب والمنظومة الحسية الحيوانية الطبيعية التي هي مناط القوة النفسية الثانية والتي محلها القلب ومظاهرها الحواس الخمس، وهذا نفيا قاطعا وتأكيديا أن الوسواس لا يتعامل ولا يؤثر على العقل وقدراته ولا يمكن أن يتغلب عليه إلا من خلال إنهيار النفس الحسية.
قد يقول أحدهم أن الإنفعات تلك والوساوس وإن كانت تمس وتؤثر على النفس ولكن بوجود إشارة في أخر السورة من أن هذه البواعث مصدرها (الجنة والناس) تؤكد أن العقل ربما سهل التأثير عليه من قبل الجن ويتحول الإنسان نتيجة لذلك إلى مجنون، الجواب أن الجن يستفزون الإنسان حسيا والناس تعمل بنفس الطريقة مع أختلاف الصورة الحدوثية، أما الجنون والذي يعني ذهاب العقل، ليس مصدره سيطرة الجن على عقل الإنسان، بل بسبب إنهيار القوى النفسية الحسية التي يعتمد عليه العقل في عملية التفكر والتدبر والتعقل هي التي تنهار بفعل الوسواس وأثره، مما يجعل النظام العقلي غير قادر على الأنتظام لأن المغذيات الإدراكية غير قادرة على أن تصل بالصورة الطبيعية المعتادة، ولو تم معالجة الحال لعاد العقل إلى نظامه الطبيعي وهذا ما يحصل عادة من خلال العلاج النفسي والنجاح في إعادى التوازن لفعل النفس الحسية.
من كل ذلك نستخلص أشياء مهمة من هذه السورة القصيرة العميقة في دلالاتها العلمية والضبطية، منها أن الجنون لا علاقة له بالجن كسبب مباشر، وأن النفس البشرية بإمكانها التغلب على عوامر الأضطراب والأهتزاز الناتج من تدخل قوى خارجية في ضبط إيقاع عملها، وأن المستعاذ بها من أدوات أو تمائم أو عوذ يصنعها البشر ويعتقد أنها نافعة لا يمكنها أن تكون بديلا ناجحا وناجعا عن الأستعاذ برب الناس الذي هو المسئول الأول عن المساعدة في إصلاح الناس من خلال التقيد بروحية الأستعاذة والصدق فيها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن