رحلة ترامب للشرق الأوسط تسعى لتحقيق السلام الفلسطيني الاسرائيلي أم لاشعال الحرب ضد ايران

ميشيل حنا الحاج
michelhaj18@gmail.com

2017 / 5 / 26

حاولت الدوائر الأميركية الترويج لرحلة ترامب الى الشرق الأوسط، والتي شكلت باكورة رحلاته لخارج الولايات المتحدة منذ توليه الرئاسة، بأنها رحلة تسعى لتحقيق تقارب فلسطيني اسرائيلي يمهد لتحقيق عملية السلام، ليس بين الفلسطينيين والاسرائيليين فحسب، بل بين العرب واسرائيل أيضا.

ولكن أولى محطات هذه الرحلة، لم يكن القدس او بيت لحم، بل كان الرياض التي أذهلت العالم بما وصف بصفقة القرن نتيجة حجم الصفقات العسكرية والاقتصادية (المعدة سلفا وقبل وصول الرئيس لالأميركي)، والتي جرى التوقيع على عقودها التي بلغت قيمتها قرابة الأربعمائة مليار دولار، منها 110 مليار دولار شكلت صفقة لشراء أسلحة من الولايات المتحدة خلال عدة سنوات تالية.

لكن احدا لم يتفهم في البداية السبب الكامن وراء شراء هذا الكم من السلاح. فهل كان مرده توجه السعودية لمحاربة اسرائيل؟ أم كان سببه مقاتلة الحوثيين في اليمن، أم ترى كان المبتغى منه الاستعداد لمحاربة ايران، وهو الأمر الذي كانت السعودية تشجع عليه منذ فترة من الزمان، باعتبار ايران دولة تثير نزاعات واضطرابات في المنطقة تمهيدا للسيطرة عليها، كما تقول السعودية.

وأمضى الرئيس ترامب يومه الثاني من زيارته للمملكة السعودية، في المشاركة بمؤتمر قمة لدول الخليج، أعقبه القاء خطاب في مؤتمر قمة للدول العربية والاسلامية والتي شارك فيها أكثر من خمسين دولة عربية واسلامية، لا أعلم ان كانت ايران من بين الدول المشاركة فيه باعتبارها أيضا من الدول الاسلامية. وركز ترامب في خطابه على أمرين، أولهما الارهاب ومشاركة بعض الدول في دعمه تمويلا وتسليحا، ذاكرا من بينها دولة قطر بالاسم (الاتهام الذي كرره لاحقا الرئيس المصري السيسي في خطابه في ذ اك المؤتمر)، مع تلميحات أميركية عدة مؤازرة للاتهام السعودي المتكرر والمشير الى دور ايران في اثارة الاضطراب في المنطقة. فكأن ذاك المؤتمر جاء ليضفي الشرعية على قرار مسبق باشعال الحرب او الاضطراب لايران، بتعاون مع الولايات المتحدة واسرائيل، مع التمهيد لذلك بمصالحة فلسطينية اسرائيلية متفق عليها مسبقا، (ربما قبل الشروع بالجولة الأميركية المذكورة) تتبعها فورا مصالحة عربية اسرائيلية تمهد لتشكيل الجبهة المقابلة لجبهة ايران التي ستنفرد بالتعامل مع تلك المواجهة نظرا لانشغال حليفتها سورية في حربها التي لم تزل قائمة، وانشغال جارتها العراق، ان فكرت العراق بتقديم نوع من المساندة المحدودة لايران نتيجة ضغط الشيعة العراقيين، بمعالجة مشاكلها الداخلية التي افرزتها الحرب ضد الدولة الاسلامية.

وفي اليوم الثالث انتقل الرئيس الأميركي الى اسرائيل ليستقبل في القدس بحفاوة بالغة انتقل بعدها بمرافقة نتانياهو الى حائط البراق، حائط المبكى، ليضع القلنسوة اليهودية (التي لا أعرف تسميتها اليهودية) و حيث تباكى (كما قد يبدو من الصور) لبعض الوقت مع مشاركيه من زوجته وابنته المتزوجة من يهودي، على ما يعتبر جدارا في بناء هيكل سليمان، كما يدعي الاسرائيليون.

وفي اليوم الرابع من جولته، انتقل ترامب الى بيت لحم، التي تبدو بمثابة العاصمة الثانية لدولة فلسطين بعد عاصمتها الأولى القدس الشرقية، ليمضي مع الرئيس محمود عباس 45 دقيقة (فقط) شملت لقاء بروتوكوليا بينهما، وفرصة لكل منهما لالقاء خطاب سياسي هام فيما سمي بمؤتمر صحفي مشترك بنهما، ليعود بعدها ترامب على عجل الى القدس، ليشارك نتانياهو بزيارة للمتحف اليهودي، حيث توجد آثار من الهولوكوست كما يصفها الاسرائيليون، غادر بعدها ترامب الى روما.

ولكن وهو لم يزل محلقا في الجو، أو بعد وصوله الى روما ببضع ساعات، وقعت المفاجأة غير المتوقعة بالنسبة لمشروع الحرب السعودي الأميركي الاسرائيلي ضد ايران. وتمثلت المفاجأة باعلان الأمير تميم، أمير قطر، بأن ايران دولة اسلامية كبرى، وهي ضامنة للاستقرار في المنطقة ولا داعي لاثارة ابلمتاعب معها، كما أن حزب الله هو حركة تحرر وطني، وحركة حماس هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مما يعني نفي كون منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها في قمة عربية (ومن العديد من الدول الأخرى) باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هي صاحبة الحق في التفاوض على القضية الفلسطينية، كما فعل الرئيس عباس في لقاء ال 45 دقيقة التي شكلتها زيارة ترامب لبيت لحم. وبذا نسف الأمير القطري جدوى أي اتفاق يمكن التوصل اليه بين اسرائيل ومحمود عباس، لكون منظمة التحرير التي يرأسها عباس لا تمثل الشعب الفلسطيني. فالممثل الشرعي والوحيد له هو حركة حماس التي يتواجد، ومنذ فترة طويلة، معظم أعضاء مكتبها السياسي في الدوحة - عاصمة قطر.

لكن المفاوضات على حل القضية الفلسطينية، لم تقتصر على لقاء ال 45 دقيقة في بيت لحم، اذ كما يبدو، سبقتها مفاوضات سرية صامتة ووراء الستار، ممهدة لزيارة ترامب الى المنطقة، سعيا من ورائها لاظهاره (أي ترامب) وكأنه الرئيس الأميركي، خلافا لمن سبقه من عدة رؤساء اميركيين، كان الرئيس الذي نجح في فك معضلة النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وبالتالي النزاع العربي الاسرائيلي.

ويقول بعض الكتاب أن مفاوضات سرية سريعة وصامتة، قد جرت بين الطرفين (العربي والاسرائيلي) قبل شروع ترامب برحلته البطوطية. ويورد الكاتب عريب الرينتاوي أن "القادة العرب استمعوا من ترامب ومساعديه، لرغبته في تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية، توطئة لبناء ناتو عربي اسلامي اسرائيلي يقف في وجه ايران ونفوذها في المنطقة".

ويضيف الكاتب عريب الرينتاوي، بأن هناك بين القادة العرب من "تطوع" لتقديم البضاعة المطلوبة، وهذا ما ستتضح حدوده وابعاده بعد القمة الأميركية العربية الاسلامية. وكانت الولايات المتحدة قد نبهت العرب بأنها غير قادرة على الطلب من اسرائيل وقف عملية الاستيطان، ولكنها قادرة على مطالبتها بالتباطوء به مقابل الشروع العربي بالتطبيع ودفع مسارات السلام مع اسرائيل. ويبدو ان هناك دولا تطوعت لتنفيذ ذلك المطلب كما يقول الرينتاوي.

وقبيل قمة البحر الميت التي أقيمت في الأردن قبل بضعة شهور، نشب سجال بين أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية والقيادة الفلسطينية في رام الله ، كما يقول الرينتاوي في مقال حديث له، مفاده التخلي عن قضية عودة اللاجئين التي لم تكن واردة اصلا في المبادرة السعودية المقدمة في عام 2002، واعادة النظر في الجدول الزمني لتنفيذ تلك المصالحة، كأن يبدأ التطبيع قبل انسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة وقبل اقامة الدولة الفلسطينية.

لكن الفلسطينيين لم يكونوا هم المبادرين الى الدعوة لتلك التنازلات المتسارعة، اي الهبوط بمستوى المطالب العربية، بل كانت الدول ، كما يقول الرينتاوي في مقاله الذي نشر في 18 أيار 2017، وفي مقدمتها ، كما يقول كاتب آخر، المملكة السعودية التي قدمت المبادرة بصيغتها الأساسية في عام 2002، خلال مؤتمر القمة في لبنان، وهي المبادرة التي لم تتضمن أصلا مبدأ عودة اللاجئين الى ديارهم، وكان الرئيس اللبناني آنئذ اميل لحود والذي رئس يومئذ مؤتمر القمة ذاك، هو من طالب باضافة هذا البند الى تلك المبادرة.

وفي تحذير منه لخطورة ما يجري على أرض الواقع العربي، قال الأستاذ صبحي غندور، مدير مركز الحوار العربي الأميركي ونشره في صحيفة البيان في 18 ايار 2017، أي عشية وصول ترامب الى المنطقة، بأن "لتحرّك الأميركي يتواصل لإعادة التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تحت حجّة السعي الأميركي لإعلان دولة فلسطينية، وهو سعيٌ نحو المجهول، إذ لا يوجد موقف أميركي واضح من حدود هذه الدولة المنشودة أو عاصمتها أو طبيعة سكانها (أومصير المستوطنات) أو مدى استقلاليتها وسيادتها". فهو اذن يشكل مغامرة نحو المجهول لا لهدف الا لتشكيل الناتو الأميركي العربي الاسرائيلي لمكافحة الارهاب كما يعلن، ولمقاتلة ايران كما يعلن ولا يعلن أحيانا.

لكن ليس هناك اجماع عربي على هذا التوجه. فلا مصر ولا تونس ولا الجزائر ترحب بخطوة الحرب ضد ايران، ناهيك عن سوريا والعراق. أما دول الخليج فلا يوجد اجماع في صفوفها على هذا التوجه. فسلطنة عمان التي تنتمءي لطائفة الأباضية، وهي طائفة من الخوارج بل من خوارج الخوارج، تعترف بالأئمة الأربعة، وتلتقي كثيرا مع طائفة السنة، لكنها تلتقي أحيانا أيضا مع طائفة الشيعة. ومن أجل ذلك حافظت دائما على علاقة ودية مع ايران، وعلى علاقاتها الدبلوماسية معها حتى عندما قطعتها بعض دول الخليج، بل ولعبت دور الوسيط أحيانا بين ايران وبعض دول الخليج. وهي على هذا الأساس والتوجه، لا تبدو متحمسة لاشعال حرب ضد ايران.

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للكويت التي تلزم الاعتدال دائما في قراراتها وتشجع دول الخليج الأخرى عليه. فالكويت أيضا يرجح بأنها لا تبدو متحمسة للدخول في حرب ضد ايران. وقد لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لدولة الامارات، رغم وجود مصلحة خاصة لها في مقاتلة ايران سعيا لاسترداد الجزر الاماراتية الثلاث التي انتزعها منها شاه ايران في سبعينات القرن الماضي، لكن الخميني بعد استيلائه على السلطة عام 1979، رفض اعادتها للامارات. وجاء الرفض بحضور صالح القلاب وزير الاعلام الاردني الأسبق، كما قال على قناة العربية في 25/5 ضمن حوار مطول شارك فيه آخرون. كل ما في الأمر أن دولة الامارات، وبعد مشاركتها في حرب اليمن، وما عانته من وراء ذلك، باتت تدرك أن الحروب قد يعرف البعض متى تشتعل، ولكن لا يعرف متى وكيف تنتهي، وما هو الكم من المال والثروة التي تنفق عليها دون مبرر كاف، وقد يمكن تفادي هدرها بالتزام الاعتدال في المواقف.

ومع ملاحظة الموقف المستجد لدولة قطر، يمكن القول أنه لا يوجد اجماع خليجي أو عربي وربما اسلامي أيضا، على اشعال حرب كهذه. فالمتحمسون الوحيدون لها هم اسرائيل والسعودية والولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب الذي اصدر سلسلة من القرارات التنفيذية منذ توليه الرئاسة وكانت في مجملها قرارات متسرعة تشابه مسلك " تأبط شرا"، وهو ما زال حتى الآن يقع في مطب تلو الآخر، ويواجه احتمال توجيه الاتهام له من قبل الكونجرس بعرقلة مجريات العدالة، وبالتنسيق مع روسيا الاتحادية خلال حملته الانتخابية، وقد ينتهي الأمر بعزله قبل اكمال سنته الرئاسية الأولى اذا وجدت الأدلة الكافية على طيشه وتسرعه (كما هو محتمل). ويؤكد الكاتب سعيد عريقات في مقال له نشر في 23 ايار، أن ترامب بينما كان يستقبل استقبالا واسعا ويحظى بالهدايا الثمينة والصفقات الكبرى، يواجه في بلاده احتمال المحاكمة والعزل.

ولعل أبرز دليل على احتمال وجود مصلحة له بلخبطة الأوراق في المنطقة، أنه (أي الرئيس ترامب) كما يقول روبرت فيسك في مقال له نشر في 22 ايار، قد تحدث طويلا في خطابه أمام القمة العربية الاسلامية، عن الارهاب وعن مخاطر ايران، لكنه "لم يجروء أن يشير ولو بكلمة واحدة، الى من أين جاء المهاجمون الثمانية عشر الذين فجروا ابراج نيويورك والبنتاغون في واشنطن في التاسع من أيلول 2001، أو من أين كان مصدر الفكر الارهابي" ، قاصدا أن مصدره هو الوهابية التي ولدت ولم تزل في السعودية.

ومن هنا اذا كانت لاسرائيل مصلحة مباشرة في اشعال الحرب ضد ايران، وكذلك أميركا الرئيس ترامب، فان المملكة السعودية ودول الخليج وكذلك الدول العربية، ليس لها مصلحة في الانزلاق نحو هذا المطب الخطر الذي قد يقود المنطقة الى مزيد من الكوارث، تضاف لما تعانيه الآن من كوارث في سوريا واليمن والعراق وليبيا.
الكاتب والمفكر ميشيل حنا الحاج
الاعلامي العربي الأول والمتميز لعام 2017 . (كما أسمته رابطة الاعلامييبن العرب)
مستشار في المركز الأوروبي لمكافحة الارهاب والاستخبار- برلين.







http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن